عدلي الهواري

كلمة العدد 119: التجارة الثقافية

.

د. عدلي الهواريأصدرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو) يوم الخميس 10 آذار (مارس) 2016 تقريرا عنوانه "عولمة التجارة الثقافية: تحوُّل الاستهلاك الثقافي ـ التدفقات الدولية للمواد والخدمات الثقافية 2004-2013".

يعتمد التقرير على إحصائيات من هيئات مختلفة، وهو مليء بالأرقام والرسمات البيانية، ولكن موضوعه يؤهله لأن يكون محل اهتمام المعنيين بالثقافة عموما.

قد لا يرغب المرء في النظر إلى الثقافة كسلعة للبيع والشراء، ولكن هذه حقيقة، ولو وضعناها في سياقات مألوفة لما بدت النظرة سيئة.

عندما ينشر الكتاب والكاتبات رواية أو ديون شعر أو مجموعة قصصية، فهم يرغبون في أن يباع عدد كبير منها، وهذا يحقق لهم جانبا معنويا، وهو تعرف الناس على المؤلفات والاحتفاء بها، وجانبا ماديا ممثلا في المبيعات التي قد تعيد للكاتب/ة كل أو بعض تكاليف إصدار الكتاب.

المسلسل التلفزيوني أيضا قد نفضل النظر إليه كفن له رسالة سامية، ولكنه في الوقت نفسه منتج يحتاج إلى جهود أشخاص يجب أن تدفع لهم مكافأة مالية مقابلها، ويشمل ذلك الممثلات والممثلين والمصورين وغيرهم ممن يقوم عليهم انتاج العمل الفني. وبعد الانتهاء من المسلسل التلفزيوني يأتي دور بيعه لعرضه على قناة تلفزيونية أو أكثر مقابل مبلغ من المال يدر ربحا على المنتج، أو على الأقل يسترد كل أو بعض تكاليف الإنتاج.

الأمر نفسه ينطبق على أمور عديدة أخرى، كالأفلام والأغاني والمنحوتات واللوحات، وغير ذلك من أمور لها ارتباط بالإبداع. ولكن في الوقت نفسه، طالما أنها تباع وتشترى، فهي تصنف كسلعة أو بضاعة، وهي تحقق دخلا كبيرا لبعض الدول المتقدمة، كالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا.

يجب التنبيه إلى أن مصطلح الثقافة فضفاض، وعندما تكون الكلمة مترجمة من الإنجليزية يكون المقصود بها فضفاضا أكثر. ولذا، يجب أن يكون واضحا المقصود بالسلع الثقافية التي تحدث عنها تقرير يونيسكو، الذي صنفها ضمن الفئات الست التالية [1]:

الفئة الأولى: التراث الثقافي والطبيعي، وتشمل القطع الحيوانية والنباتية والمعدنية والأثرية، إضافة إلى التحف التي يزيد عمرها عن مئة سنة.

الفئة الثانية: الأداء والاحتفال، وتشمل الآلات الموسيقية والوسائط التي يمكن التسجيل عليها مثل الأقراص المدمجة (سي دي أو دي في دي).

الفئة الثالثة: الفنون والحرف البصرية، وتشمل النقوش والمنحوتات والتماثيل والأعمال اليدوية التي تشمل بدورها المجوهرات والمنسوجات والمطرزات.

الفئة الرابعة: الكتب والصحافة، وتشمل الكتب الورقية والصحف والدوريات والمجلات. الكتب الإلكترونية التي تحمّل من المواقع صنفت إحصائيا ضمن الخدمات.

الفئة الخامسة: الوسائط السمعية-البصرية والتفاعلية، وتشمل الأفلام السينمائية وألعاب الفيديو.

الفئة السادسة: التصميم والخدمات الإبداعية، وتشمل الرسمات والمخططات المتعلقة بالعمارة.

ولأن التجارة لغة أرقام، فالتقرير مليء بأرقام المبالغ المالية ونسب الانخفاص والارتفاع المئوية في الصادرات والواردات. وقد ترجمت "عود الند" الجزئين المتعلقين بالكتب والصحافة والمواد السمعية والبصرية وهما منشوران في صفحة مستقلة من هذا العدد.

وأود أن أشير إلى ثلاث ملاحظات تتعلق بالدول النامية وردت في مقدمة التقرير[2].

الملاحظة الأولى تقول إن "اقتصادات الدخل المتدني في مناطق مثل دول جنوب الصحراء الكبرى ومنطقة البحر الكاريبي والدول العربية لا تزال تعلب دورا هامشيا في التدفقات الدولية للسلع والخدمات الثقافية".

أما الملاحظة الثانية عن الدول النامية فتقول إن "صادراتها إلى حد كبير سلع الفنون البصرية كالتمثايل، والأشغال النسيجية وقطع المجوهرات".

ويشير التقرير في الملاحظة الثالثة إلى "بروز الهند وتركيا وماليزيا كدول مصدرة كبيرة للسلع الثقافية".

الملاحظة الثالثة مشجعة لأنها تدل على أن تصدير السلع الثقافية لا يبقى حكرا على دول معينة، وبالتالي هناك مجال لمختلف الدول لتحسين موقعها كمصدر للمنتج الثقافي.

ولربط الأمور بالواقع العربي المتدهور منذ خمس سنوات، أتوقع أن يكون حدث تراجع كبير في انتاج "سلع" ثقافية، فعلى سبيل المثال، كان انتاج المسلسلات التلفزيونية السورية نشطا قبل انفجار الأزمة في البلاد. ولا يمكن له أن يبقى بعدها على ذات المستوى من النشاط.

وإذا توفرت ذات يوم معلومات أو إحصاءات عن الانتاج الثقافي في مختلف الدول العربية التي شهدت تغييرا وأزمات، ستكون لنا عودة إلى الموضوع.

= = =

[1] ص 36.

[2] ص 11.

غلاف تقرير يونيسكو

رابط لتحميل نسخة التقرير باللغة الإنجليزية (192 بي دي اف).

http://www.uis.unesco.org/culture/Documents/international-flows-cultural-goods-report-en.pdf


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3303810

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC