فنار عبد الغني - لبنان

الرجل الذي حمل البحر

هذه القصة مهداة إلى روح أبي الذي أحب البحر وحمله معه

فنار عبد الغنيلم يكن أبي رجلا عاديا. عاش طيلة حياته يفاجئنا بأعماله غير العادية، لذلك لم يستطع أحد منا فهم تلك التصرفات التي كانت تجلب لنفسه السرور وتجعله يحظى بمحبة الناس. نجح في إخفاء أسرار آلامه المزمنة في خبايا نفسه. كان نظره ضعيفا جدا ولم يُشعر أحدا بذلك. ولم تساورنا الشكوك بشأن نظره، لكننا كنا نستغرب حرصه الدائم على حمل أكثر من مصباح يدوي صغير في جيبه وإحاطة غرف البيت بأشكال وأنواع عديدة من مصابيح الإنارة الكهربائية أيضا. كنا نتعجب من ذلك، لكننا اعتقدنا أنه كان مفتونا بحب الضوء.

وعلى الرغم من فقدانه لحاسة البصر يوما بعد يوم، ودون أن يلفت انتباه أحد لذلك، استمر بالذهاب إلى عمله، وسلك طريقا وعرة. كان ينقل قدميه ببطء وحذر. استمر بمزاولة عمله كمدير لمختبر طبي، العمل الذي يتطلب منه الدقة والتي ظل محافظا عليها طيلة الوقت. استمر في قيادة سيارته، وصعود الأدراج والطوابق العالية.

استمر أبي بالاعتناء في حديقته وابتكار الطرق الشيقة في زرع الورود والرياحين وريّها، استمر في تربية الأسماك والطيور، وشراء الحبوب من اجلها من آخر السوق، استمر في نثر الحبوب على الشرفة وعلى سطح المنزل وفي الأصص التي كان يحرص على انتقاء ألوانها بعناية ثم إعادة دهنها، بعد أن تبهت ألوانها، بألوان تبهر الأعين وخاصة اللون البرتقالي.

إسماعيل عبد الغنيكان أبي [*] يحب بذر حبوب القمح للطيور المحلقة في السماء، ويحب نثرها في الأصص ومن ثم انتظار نموها بفيض من الحب وتأملها ثم قطف يخضورها ومضغه.

استمر بقراءة الكتب العلمية باللغتين العربية والإنجليزية، رغم إصابة العصب السادس لديه بجلطة أثرت أثرا بالغا في نظره المتدهور يوما بعد يوم.

كان أبي يكثر أيضا من شرب الماء، فقد كان يشرب أكثر من ليترين يوميا، كان يشرب الماء على الريق، ويشرب الماء بعد ابتلاعه لأدوية السكري والكلى والقلب والمعدة والحساسية ومضادات الالتهابات. يشرب الماء كلما استيقظ ليلا. كان يضع زجاجة الماء بقربه، ويقدمها على وجباته الطيـبة؛ هذا الأمر وجدناه أمرا عاديا لكونه مصابا بأكثر من مرض مزمن، الآمر الذي يلزمه بتناول أكثر من خمس عشرة حبة دواء يوميا، ولكونه يحيا بكلية واحدة منذ صغره.

لم يمل أبي أبدا من شرب الماء أو تعبئته. كان يملأ الماء في زجاجات ويحتفظ بها ليروي وروده ورياحينه عند انقطاع الماء، وأيضا ليسقي الطيور التي تحط على الشرفة وعلى سطح المنزل.

الماء اللذيذ الرائق الذي تبتهج النفوس من رؤيته والوجوه من ملامسته، والذي يسري في أجسادنا عند شربه، فيطفئ حرارة متقدة أو يبدل فينا مزاجا كئيبا، هو سبب من الأسباب التي تمدنا بالحياة، وهو علة حياة الكائنات. كان على أبي أن يكثر من شربه أكثر من عادته، ليس لأنه يتجرع أصنافا وأعدادا من الأدوية، بل لأن شرايينه بدأت تضيق وتجف وتكاد أن تنسد.

بعد ذلك ألمت به جلطة كادت أن تودي بحياته، وقد نجا منها بأعجوبة، ورغم ذلك استمر في متابعة جميع أعماله التي يقوم بها بشكل يومي باستثناء مضاعفة كمية المياه الضرورية له.

كان أبي يسكن على مقربة من البحر، يجلس عند المغيب، يراقب لون البحر بفرح طفولي. لم يكن أبي يذهب إلى البحر إلا في الإجازات الأسبوعية: أي في أيام الآحاد، يذهب مصطحبا مظلة بيضاء، مزينة بأشكال هندسية بنفسجية جميلة، تشبه ألوان وروده، وبطيخة وكعكا محشوا بالتمر وزجاجات الماء.

أنفق أبي مدخرات حياته من أجل أن يرى البحر. صرف المال الذي وفره من أجل شيخوخته لينعم برؤية البحر. استفاق ذات يوم كعادته مبكرا ليتمتع برؤية البحر، ليغسل جراح نفسه وآلامه بتأمل المساحات الشاسعة الوحيدة أمام ناظريه: البحر والسماء. لكنه أصيب بصدمة كادت تودي بحياته على الفور. لقد رأى عمال البناء في بيت الجيران المقابل لبيتنا وقد شرعوا ببناء جدار سد عنه رؤية البحر.

في ذلك الصباح تعب قلبه بشدة وفقد النطق وأغمي عليه. عند ذلك اقترحت أمي أن نبني طابقا جديدا، وبالفعل تم بناء طابق جديد وعلية عالية فوق الدرج الأخير ليتمكن أبي من رؤية البحر مهما حاول الجيران منعه من ذلك. لم ينعم أبي كثيرا بتلك السعادة، فقلبه المتعب بالأصل أجهد أكثر بسبب صعوده الأدراج، الأمر الذي أصاب عضلة قلبه بالاعتلال.

لم يعد أبي يرى البحر، منعه الأطباء من صعود الأدراج، وهزل جسمه، ولازمه السعال الشديد طوال الوقت واللهاث المضني كلما بذل أي حركة. أصبح يمشي ببطء شديد، وخارت قواه. لكن البحر أبى أن يغادر أبي، انتقل للعيش فيه، أصبح يموج ويهدر في داخله. ملأ البحر قدميه المتعبتين، منحهما بريق مياهه المتلألئة، وأملاحه المترسبة. أصبح أبي عاجزا عن الحركة. فكيف يتحرك من يسكن البحر فيه؟

بدأ يشعر بالبرد القارس والشتاء في بدايته، ولازم المدفأة ليل نهار، كان يحتضنها، ورغم ذلك ظل يرتجف من البرد. فكيف يشعر بالدفء من كان يعيش البحر فيه؟

أخذ البحر يتمدد فيه، يتوسع في جوفه، يضايق قلبه ورئتيه، يحرمه من التمدد على فراشه، يحرمه من النوم، يحرمه من تناول طيبات الطعام التي يحبها.

قال الأطباء : "سوف يخرج البحر منه إذا تناول الأدوية المدرة للبول".

شرب أبي تلك الأدوية ولم يخرج منه البحر. واستمر البحر يكبر بداخله ويرهقه ويعجزه أكثر وهو يكتم ثقل حمله.

لم يمنع البحر أبي من الصلاة، ظل مواظبا عليها كعادته، ظل حريصا على المحافظة على الوضوء، وقد وقع وهو يهم بالوضوء، وخر على الأرض، وفارق الحياة، ودفن وهو يحمل البحر.

= = =

[*] إسماعيل عبد الغني. ولد عام 1949 في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في صيدا، لبنان. انتقل إلى رحمته تعالي في 20 كانون الثاني (يناير) 2016.

شمس الأصيل

مشهد الغروب من شاطئ البحر الأبيض المتوسط، صيدا، لبنان 2014.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3035568

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC