زهرة يبرم - الجزائر

زغدة

نزح جُلُّ أبنائها وأحفادها إلى المدن وبقيت متمسكة بأرض الأجداد متوطّنة فيها كوتد مدقوق، لكنها لا تنفك تحُثُّ ذرّيتها على العودة إلى الأرض. تِلكُمُ هي الجدة الكبيرة، أكبر فرد في أسرتي الجديدة.

كان أول لقاء لي بهما، الأرض والجدة، لما توعكت الأخيرة واقتضى الواجب زيارتها رفقة حفيدها زوجي. امرأة صلبة حكيمة، ذات فهم وفطنة لم تَشْكُ أيّ ترهّل في الذاكرة. اهتمامها بأحفادها الكثر وحنوّها عليهم جعلهم يحرصون على زيارتها في الأعياد والعطل،
يُشْركونها أخبارهم، مسراتهم وهمومهم فلا تبخل عليهم برأي سديد أو نصيحة.

أما الأرض، تلك اللوحة الربانية فكل ما فيها رائع يدعو للتأمل: زهورها، فراشاتها، أطيارها، خيراتها، سكانها الطيبون. لقد نشأتْ بيني وبينها حكاية عشق كبير. سِرتُ في مناكبها أتأمل ما حباها الله به من خيرات وجمال، يعتريني العجب ممن هجروها لاهثين خلف المدنية ويسر العيش.

شاسعة على مرمى البصر. بَوَارٌ في معظم نواحيها تعمرها الحشائش البرية. معطاءة يليق بها الزيتون والتين واللوز والتفاح والعنب وكل فواكه الجنة، لأنها جنة الله على الأرض.

أولعتُ بحياة الريف وأبديتُ رغبتي في تشييد بيت لنا على أرض العائلة. وككل شابة تعيش عمرها الربيعي المزهر أملا وتفاؤلا، رحت أطرّز أماني بخيوط لامعة ألوانها من قوس قزح. أخطّطُ لبناء أسلوب حياة خاص بنا ومتفرّد يغلب على تفاصيله الابتكار بركوب أفكار قد تبدو للبعض مجنونة. أحلم ألاّ أسلك مثل القطار طريقا مرسومة.

كل الإنجازات تولد فكرة، وكنتُ أطمح إلى تحقيق فكرتي: منزل وسط الطبيعة، مشتلة أزهار، حقول أشجار مثمرة وكل ما يخطر على بالي من أغراس. وحلمي ليس صعبا أو مستحيلا ما دام التنفيذ يعتمد على خبرة زوجي المهندس الزراعي. وأصبحت أحضن حلمي جنينا.

تكررت زياراتنا للجدة، وتوطدت علاقتي ببناتها وكناتها وحفيداتها وبعض نساء العائلة. كنا فريقا من النساء المتجانسات وغير المتجانسات. وكانت لمياء أكثر امرأة تشبهني بينهن. كنا متقاربتين في نمط التفكير والأحلام وحبنا للأرض رغم أننا التقينا مرة واحدة في وليمة عرس لقريب مشترك، على الطبيعة، نوع من الأعراس التي لا تخضع للوقت فتستمر إلى الفجر ولأيام ثلاثة. جلستُ ولمياء نتسامر تحت ضوء القمر، فلا نوم حين تلتقي النسوة والصبايا تحت قبة الفلك المزهرة نجوما.

لمياء طبيبة بيطرية تملك من ثقافة العيش الكثير. تحلم وزوجها الطبيب باستصلاح الأرض لبناء عيادتين للطب البشري والبيطري. ويمتد حلمهما إلى إنشاء حظائر لتربية الخيول وعمارات سكنية. بهذه الأفكار يطمح الزوجان الشابان إلى المساهمة في وقف النزوح وإعمار الريف. رأيت يومها أن مشاريعهما على أهميتها تتطلب إرادة كبيرة تفوق ما يمتلكان من ميزانية.

في أحد الصباحات كان نبع الماء القريب من مسكن الجدة قد جف، فرافقت العمات لجلب الماء من نبع آخر خلف تلة قريبة.

سرنا على طريق تحفه النباتات البرية حين ظهر لنا فجأة في مكان مقفر مبنى مهجور أبهرني للوهلة الأولى التي رأيته فيها، فعرّجت نحوه لأعاينه.

بيت قديملم أتردد في الاقتراب منه لتأمّلِهِ. توغلت وسط الحشائش اليابسة التي تحيط به وتعمر باحته المسيجة بحائط منقض. خيل لي أن الريح تعوي وتعبث بنوافذه الفاغرة أفواهها، وسرعان ما يتردد صدى السكون أزيزا في الآذان.

ولجت صرحه من بوابة عريضة خلع أحد مصراعيها وظل الثاني يتأرجح مع هبوب الريح وقد تآكل بفعل الصدأ. طفت بغرفه. كانت جدرانه لا تزال قائمة بينما أطر أبوابه ونوافذه قد تآكلت بمرور السنين تحت عاديات الطبيعة. غرفتان باتجاه الشرق وغرفتان باتجاه الغرب وغرفة فسيحة تفتح باتجاه البحر المترائي من بعيد، يتوسطها بهو فسيح تفضي له الغرف جميعا. لكأنه صُمِّمَ من سدّة أحلامي.

وقفتُ قرب النافدة أحدّقُ في السهول والآكام، كما لو أن طفلة الطبيعة فيّ تَنشُدُ ان تجمع نعم العيش الحر الذي تمنته. ورحت أهيم أبني في الأحلام صرحا من خيال، أن أبني بيتي على أنقاض تلك الخرابة الخارقة المهجورة. فأنا امرأة لا تمتلكني المدينة ولا أسمع ما يوشوش الضجيج فيها. وأسميته بيت الأحلام.

فتحت جناحي للنسيم كمن يرغب بالطيران واستدرت لألتحق بالعمات. رحت أسألهن عن بيت الربوة المعزول ذاك. عن مالكه وكيف السبيل لامتلاكه وترميمه؟ هن كبيرات العائلة ويعرفن كل ما يخص الأرض والتعامل معها وعليها.

وجدتهن يرمقنني بنظرات زرعت الريبة في نفسي، ورحن يحدثنني بحذر واحتراس، ويفشين أسرارا مخيفة. فلا احد يجرؤ على دخول تلك الخرابة نهارا. أما ليلا فضرب من الجنون المرور بقربها . أمور غريبة تحصل هناك: أبواب تصفق، ريح تعصف، ضوضاء، أنين، صراخ، نشيج. وحين التَّعَنُّتُ في تجاهل الأمر، يصدر صوت تصطك منه العظام ذعرا في صيحة متواصلة: "زغدة. زغدة. زغدة." إنه بيت مسكون بالأرواح الشريرة.

تعود الحكاية حسب ما يشاع في المنطقة إلى الساكن الأخير الذي نزح عنه من حوالي عشرين عاما بعد أن قتلت ابنته الوحيدة بطريقة غامضة، حيث وجدت في سريرها بغرفتها مطعونة بسكين. لم يتحمل الزوجان العيش فيه بعد ذلك، وهاجرا إلى وجهة مجهولة. ومنذ تلك الحادثة صار كل من يمر قربه بعد الغروب يسمع تلك الروح المعذبة تئن وتصدر أصوتا خافتة ترتفع تدريجيا حتى تصبح عالية مسموعة تماما. وزغدة هو اسم الفتاة المقتولة ذات الإثني عشر ربيعا.

كانت النسوة مستسلمات مطلقا للاعتقاد في الخوارق والقوى المجهولة. استسلامهن قادهن إلى الخرافة وحوّل حياتهن إلى نوع من الوهم الكبير. أما أنا فكنت متنكرة مطلقا للخوارق إلى حد غلق منافذ المجهول كله، وأشك في القوى غير المنظورة، لا لشيء إلا لأنها أكبر من إدراكي في تلك الفترة من حياتي. لكني استمعت إليهن مذعورة مصدومة.

أخذتنا مشاغل الحياة، ومرت سنتان لم نزر فيهما الجدة. وكنتُ قد سقطتُ من سرير أحلامي لأن زوجي لم يكن شغِفًا بحب الأرض ولا بامتلاك نصيبه من الإرث فيها. لم يكن مُوَلَّهًا لا بأشجارها ولا بخيراتها، لا بهوائها أو أطيارها ولا بنبع الماء الذي يتفجر من جوفها.

وحدث أن ماتت الجدة فانتقلنا هناك لحضور جنازتها. وتقتضي العادة أن نبقى عند أهل الميت ثلاثة أيام بلياليها. هناك سمعت أن بيت الأشباح قد امتلكته إحدى الحفيدات وبنت على أنقاضه ما يشبه القصر. وما تلك إلا لمياء. لمياء التي تفكر وتعمل أكثر مما تتكلم، لم تنثن عن تحقيق فكرتها.

قبل عودتنا إلى المدينة طلبت من زوجي أن يأخذني إلى بيت الربوة لأقدم تهاني للمياء بما حققته مع زوجها من مشاريع، فلبّى طلبي.

تملكتني الدهشة أمام بيت الربوة. لم يبق على حاله. على مدخله بوابة رائعة تلمع، وجدران السياج رفعت، واستعاد المنزل بهجة شبابه حتى خيل إلي أن زغدة قد انبعثت من جديد مستجيبة للنداء المتكرر.

كان الوقت بعد العصر والفصل خريفا. استقبلتني امرأة عجوز عند البوابة عرفتُ أنها والدة لمياء. أدخلتني الغرفة التي تطل على البحر وقد صارت غرفة استقبال. رجتني أن أنتظر قليلا لأن لمياء في المزرعة، وغابت في المطبخ فأبخرة البهارات كانت تتصاعد.

سرعان ما هبطت ظلمة المساء على المكان تحت سماء ملبدة بالغيوم، فناديت السيدة لأَسْتَأْذِنَهَا بالانصراف على أن أَخُصَّهُمْ بزيارة في يوم آخر، لكنها أقسمت بغليظ الأيمان أن أبْقَى، فجلست راضخة بينما انصرفت دون أن تُنِيرَ المكان. وأَعْترِفُ أن الخوف استولى علي في منزل شاع أنه مسكون بالأرواح.

وفجأة خيل إلي أنني أسمع أصواتا مبهمة، ثم اتّضحَ لي صريرُ أبوابٍ تصطكُّ، واندلع صوت كالرعد: "زغدة. زغدة. زغدة." فخرَجَتْ من إحدى الأبواب فتاة في حدود الإثني عشر ربيعا بثوب أبيض وشعر متهدل. اخترقت ظلمة الغرفة بصمت، واختفت خلف ستارة رمادية.

اعترتني قشعريرة باردة سَرتْ تحت جلدي، وهَبّتْ بي ريح من الذعر من قلب هذا السر الغامض. بقيت واقفة أرتعد واسناني تصطكُّ، وسرعان ما هرولتُ نحو الباب حين فاجأتني العجوز من خلف الستارة تحمل مصباحا ضخما بدّد الظلمة تتبعها لمياء.

عَرفتْ لمياء من ارتباكي وشحوبي ما يدور برأسي فعتبتْ على أمها عتبًا خفيفًا لتركي في الظلام، لكني بادرْتُها: "زغدة، لقد رأيتها تمر من هنا".

سَارَعَتْ لاحتضاني وتقبيلي مهدِّئةً من روعي، وأجلستني قربها مقهقهة: "إنها ابنتي زغدة". وبدأتْ تعرِضُ القصة:

"هذا المنزل كان لخالي الذي أطلق على ابنتي اسم زغدة لذكرى ابنته التي ماتت فجأة بحمّى شديدة ما جعله وزوجته يهجران البيت إلى مدينة بغرب البلاد. وزغدة في الأصل هو اسمُ والِدتِهِ جدّتي."

رفعتْ لمياءُ الستارة الرمادية ونادت: "زغدة. زغدة. زغدة" بنفس الصوت الذي أرعد منذ قليل، فدخلت فتاة تشع بهاء وتتنفس حياة وتنبض فرحا وأملا. لقد عادَ الشّبحُ الرقيق إلى الحياة وسط الأزهار وتحت الشمس.

لافتة العدد الفصلي السابع عود الند

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3423906

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC