زهرة يبرم - الجزائر

أغلى أماني الحياة

شعرت بكثير من الجذل وأنا أسير جنب سيدي في طريقه إلى بيت جاره وصديقه. لم تكن المسافة طويلة، لكنني كنت نشوانا وأنا أعدو في الهواء الطلق تحت أشعة الشمس، وغرتي البيضاء الكثيفة تهتز وتسقط على جبيني. وكنت كلما حاولت الانطلاق بعيدا يجذبني إليه بعنف بواسطة سلسلة معدنية مربوطة بعنقي، فأرتدّ إليه مقهورا. يقيد حريتي وكأن نهاية العالم بمنتهى طول تلك السلسلة.

أُعجبت بنفسي وأنا أراها في ظل يتبعني، والشارع المبلل بالمطر رائع وهو يلمع تحت الشمس. خاتلتُ سيدي غفلة ونزلت من على الرصيف حيث التراب المبتل يبعث روائح شهية. مشيت وكأنني أسير على بساط من حرير والوحل يتطاير تحت قوائمي فينثر وبري بمنتهى العذوبة كمداعبة دافئة.

غير بعيد عن الرصيف، شاهدت كلبا يسير بمفرده دون قيد، واثقا من نفسه، معتدلا في مشيه، لا يركض مندفعا ولا يتوقف مترددا. كان متطاول الخطم، شارد الفكر. خرزات ظهره ناتئة من الضمور، ووبره ملطخ بالطين. لا يتملك رقبته سيد فيراقبه ويحاسبه أو يعاقبه ويحرمه. تحسرت لحالي وتأسفت لقيدي وغبطته على شرف الحرية التي يتمتع بها، ولم أشك في أنه كلب سعيد.

كم أرغب في فك السلسلة من حول عنقي. يدفعني إغواء غير واضح إلى خوض تجربة السير على غير هدى، آكل من حيث يأكل الأحرار من الكلاب، وأشرب من حيث تشرب، أركض أَبعدَ من طول قيدي وأنبح ملء فمي، أتمرغ في المدر وأتعرف على كلاب مثلي، أبيت حيث يحلو لي المبيت، وأكتشف عوالم أنا محروم منها.

الرتابة تقتل السعادة، ولقد مللت دفء البيت وجوّه الخانق، وكرهت أنواع الأطعمة المقدمة لي. لم يعد مخدعي الوثير المبطن بالحرير يغريني، ولا اللحم الطازج المتقاطر دما وأطعمة المعلبات تروق لي. صرت سئما دوما في سعادتي.

دخلنا منزل جار سيدي، وكم سعدت بوجود كلب مثلي ممدد في الرواق على سجاد بمقاس جسده. لا يبدو عليه النعيم ولا قيدَ يربطه، وحدثتني نفسي أنه مثلي يعاني الضجر في عزلته.

سارع جار سيدي إلى تخليص يد ضيفه من السلسلة الملفوفة حول أصابعه. ربطها إلى عمود المدفأة و أشار إلي بإشارة لم أفهمها، فترجمها سيدي بأن ألتزم الهدوء.

يحمل سادتنا نفس الأفكار عنا نحن الكلاب، فلا يأمنون تحركنا في البيوت ويخافون ممارستنا حريتنا داخلها، فضلا عن حرماننا من العالم الخارجي. يُلزموننا بأوامرهم ويخضعوننا لقوانينهم، فلا يكون منا إلا أن نخضع صاغرين متنازلين عما تهواه أنفسنا.

رسمة لكلبينالأهم عندي أني عثرت ها هنا على رفيق من فصيلتي يؤنسني. كان كلبا هرما، وكنت في سن ابن له أو حفيد. مددت جسدي غير بعيد عنه فابتسم لي، فاقتربت منه شبرا، ولما هم بمحادثتي بصوت خفيض دنوت منه أكثر.

سألني عن حالي وكيف أجد عيش البيوت؟ قلت متبرما: "وهل أعرف عيشا آخر غير عيش البيوت؟"

ابتسم العجوز فانفرجت شفتاه عن أنياب سال من بينها لعاب وفير ما شجعني لأبدي ما بنفسي: "أتمنى عيش الشوارع يا كلب جار سيدي. مللت التمدد ببلاهة في دفء أريكة بين أربعة جدران".

فضحك وقال: "وماذا تعرف عن عيش الشوارع لتتمناه؟"

قلت: "لقد شاهدت من بين قضبان الشرفة على الرصيف المقابل كلبين شامخين، يتمرغان أرضا، يتعاركان، يتمازحان تحت أشعة الشمس مطلقين عواء جذلا، فأحببت أن أعيش حياتهما".

سكت الكلب العجوز برهة، ثم تكلم وقد بدا أكثر وقارا وحكمة: "لا تتبرم من عيشتك، فالشارع غير رحيم".

فتحت عيني على وسعهما وسألت: "وهل جربت الحياة خارج الحيطان يا كلب جار سيدي؟"

هزّ رأسه بالإيجاب، وسرح بفكره كأنما يسترجع أحداثا بعيدة، يقتنصها وهي تنفلت من عقال الذكريات: "قاسية جدا ولن أرضاها لأحد، فالكلاب الشاردة كائنات مسكينة".

لما رأى اهتمامي واضحا استرسل بلسان المجرب الخبير الواثق:

"كان عمري لا يتعدى سنة، وكنت من الكلاب الأكثر سذاجة. والشباب مغرور. يكون على قناعة بأنه يتصرف بحكمة متناهية وهو في الحقيقة يرتكب كل ضروب الجنون".

واسترسل في سرد قصته وكنت أصغي إليه بشغف كبير.

"تضخم لدي الشعور بأنني غير محبوب لدى سيدي حتى تشوهت لدي رؤية الأشياء من حولي. فلم يعد مخدعي يعجبني، ولا عدت أقنع بطعامي. كنت دوما سئما من وضعي، ضجرا من المداعبات، متقززا من طراوة الفراش، مشمئزا من سمنتي.

"لم أكن أُقدّر أن عيشي يضاهي النعيم. ولم يكن نعيمي يساوي بنظري لحظة من لحظات متع الكلاب التي أشاهدها على الرصيف وأنا أمد عنقي إلى الشارع. أنبهر بها وهي تمارس حياتها بلا قيود، فتتملكني رغبة جامحة في أن أتمرد، أن أنسل خفية وأهرب إلى حيث الانعتاق والانطلاق. وآخذ في النباح يائسا أمام الأبواب المغلقة اللعينة التي تعوق تحقيق قناعاتي المحسومة.

"كنت أحتج على غلق الأبواب، كل الأبواب، بما فيها أبواب الخزائن والثلاجات حيث الأكل الطيب واللحوم الطازجة. فما كنت أنال من مأكل غير خبز يابس ونخالة وفضلات موائد.

"وحدثَ يوما ما انتظرته طويلا بفارغ صبر، إذ نسي سيدي الباب مواربا فهرعت إلى الشارع. ولن أخفي عنك ما تملكني من خوف وذعر بالتوازي مع فرحتي وانبهاري وأنا أتوغل في مناطق مجهولة لم تطأها قدماي قط.

"وقفت فجأة أتأمل مشهد مجموعة من الكلاب الضامرة تتمرغ في الوحل وتشرب من مياه الجداول، فقلدتها. شربت من ماء الغدير فكان أطيب من العسل المصفى، وتمرغت على أرض مبتلة فتدحرجت، لسمنتي، ككرة ثلج وأصَبت من المتعة ما لا يوصف.

"أُصِبت بجفول عظيم حين بدأت الكلاب تتقدم نحوي وهي تنبح وتحرك أذنابها كأنها تستفزني وتنوي العراك. ارتعدت ركبتاي ولعنت ذلك العالم المخيف الذي زججت بنفسي فيه.

"بدا للكلاب خوفي جليا وكنت سأنهار حين بدأت تحاصرني وتتناوب في الهجوم علي وأنا فاقد الدربة على التصدي لها، حينها ضحكت من غبائي وقالت إنها طقوس للمزاح والترحاب بالغرباء، فتصرفات كلاب الشوارع خليط عجيب من الجنون والوداعة.

"كانت كلابا نحيلة وشديدة. انتابها شعور بالشفقة حيالي لما سمعت قصتي ورأت سمنتي التي تعيق حركتي. معها اكتشفت لأول مرة السعادة الحقيقية والحياة المثالية. أسعى في مناكب الأرض حرا تحت الشمس وأنبح حين أشاء.

"فجأة، ظهرت كلبة شابة فاتنة، حركت في نفسي شيئا لم أعرفه من قبل سوى في أحلامي. اندفعت كل الكلاب لملاقاتها واندفعت معهم، بل سبقتهم إليها. تقدمتُ لمغازلتها حين انقض على عنقي أحد الرفاق فجأة وعضني عضة مؤلمة عويت معها ألما ويأسا".

"لا عليك"، قال لي كلب هرم حكيم، "هيئ نفسك للأسوأ".

واشتد علي الجوع فسألته: "ماذا تأكل الكلاب في الشوارع؟"

"أي شيء تعثر عليه"، أجابني الكلب الهرم.

"في الشوارع تتدبر الكلاب أمر حياتها، تتحمل مسؤولية قوتها ومبيتها. تجوع، تحتار، تشقى وتقايض عظما لا يغني من جوع بضربة عصى. تعيش في فوضى عارمة. تتناحر من أجل لقية، وتهيم على وجهها نحيفة ناتئة العظام خطومها متطاولة. مشردة، متمردة، منفلتة لا تعرف نظاما للحياة. تواجه في كل لحظة طلقة نار أو حذفا بحجر.

"إنها كلاب مسكينة تـتيه في أحلامها وتحلق إلى علو لا يسمح لها بأن تفكر في الوضع العام للكلاب.

"صارت معدتي تمتعض بشدة، ومياه المجاري لم تكن قوتا يسد الرمق. كنت أفتش في الأوحال والمزابل ولا أجد شيئا يؤكل. رباه، كم كانت فضلة مائدة سيدي بعيدة!

"هبط الظلام، وساد ليل بارد موحل على الكون. نزل المطر رقيقا يتغلغل إلى العظام، والريح تعصف موحشة ينقبض لها القلب. اختفت الأرصفة اللامعة في الضياء حيث كنا نتمرغ جذلين. ووجدتني آسفا على سلة القش المبطنة بجلد خروف وعلى السقف الذي كان يؤويني.

"الخوف والجوع والبرد حلفاء الليل ضد الكلاب الشاردة. فكانت تنسل خائفة جنب البيوت تتضور جوعا بانتظار موعد إخراج القمامة إلى مكب النفايات.

"بعد لأي، رُحتُ أنقب في الأكداس يائسا خائرا. لم أكن موهوبا في ترصد الطعام فلم أعثر إلا على بعض العظام الضامرة. وأقررت لنفسي أن ما كان يقدم لي في بيت سيدي ألذ وأشهى.

رفقائي الكلاب لا تيأس في البحث عن مزيد من الأكل، وقد جعلوني أركض حتى طلوع النهار، متفقدا كل مكب قمامة على مهل. كانت قوائمي بصعوبة تحملني، والمطر يبلل وبري ويخترقه إلى اللحم والعظم. نسير في الظلام ونغوص في القاذورات والطين يكسونا.

"لقد عشت ليلة لا تشبه الليالي ورأيت أشياء لا تشبه ما تعودت عليها من أشياء. لعنت الشارع والحرية المزعومة، وتاقت نفسي للعيش عبدا في كنف سيدي.

"مع طلوع الصباح، وقفت لأقول لأصدقائي الكلاب وداعا دون أي تأثر أو تأسف. إذ لم أكن مستعدا لأموت على كوم قمامة. أدرت ظهري وسرت في الأزقة والشوارع نحو منزل سيدي.

"حال دخولي المنزل، نزع سيدي حزامه الجلدي وألهب ظهري بجلدات لم تكن شيئا أمام لذّة ما سيقدم لي من طعام وطراوة ودفء ما سأنعم به من فراش".

تمدد كلب جار سيدي أمام المدفأة وختم حديثه: "الحرية الحقيقية والحياة المريحة، يا صغيري، هي أن تعيش مستقرا في مكان فيه دفء وطعام دائم وإن قل، حتى وإن كنت مقيدا وتعاقب حين لا تحسن التصرف. وأتمنى أن يصل صوتي لجميع الكلاب".

سرت عائدا إلى البيت يجرني سيدي خلفه، وفكرة عيش تجربة الحرية تدور برأسي كأمنية غالية، وستظل تراودني إلى أن أخوضها بنفسي.

عود الند العدد الفصلي الثالث


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3384201

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC