زهرة يبرم - الجزائر

الأميرة بدرة والليل

في قديم الزمان، كان لون الليل أبيض مثل بياض الثلج. ضوؤه وهج. لا تستطيع العين البحلقة به من شدة بياضه الناصع. هو في الطبيعة الآمر الناهي، القول قوله ورأيه هو القاطع.

سيدة وأميرة الكون بدرة، أرادت أن تحيي حفلا رائعا في حديقتها الغناء، بين جنائنها المتنوعة الخضراء، من ورود وأزهار ساحرة، بألوانها الآثرة الباهرة.

دعت للحفل كل عناصر الطبيعة الجميلة، كالطيور المغردة، والحيوانات التي بجمالها متفرّدة. الكل استعد كأنه لصلاة متهجدة موحدة. الطيور تتقدم: العنادل والبلابل والهزار والكنار والشنار. خلفها الحيوانات المسالمة الجميلة وهي تختال بأحلى خميلة، يتقدمها الغزال ومِن قلبِه الهمُّ زال. الكل يتبختر بغنج ودلال، والطاووس كأنه يلبس حلة عروس، والفضاء ينير بغير شموس.

ولكي تتميز الأميرة بدرة عن كل عناصر الطبيعة من ضيوف حديقتها، أمرت حاشيتها ودعت كل ضيف زائر أن يرتدي اللون الأسود الداكنا حتى يظهر نورها جليا واضحا بائنا.

عم السواد البلاد وساد، فخرجت الأميرة بدرة تستقبل الضيوف تقودهم الإلهة فينوس وعشتار. كاد المدعوون ان يفقدوا الوعي عندما أطلت عليهم بدرة حيث أشرق الجمال والدلال على الفضاء. صار الكل يهيم كالسكارى بذاك البهاء والزهاء.

توزعت الانغام عطرا نديا، والسحر يخطف الأبصار غيا. وجاء الليل ببياضه ضيفا يطرق بوابة قصر الأميرة الغراء، يقف بكل مهابة وخيلاء. استقبله كبير الحراس، الحجاج، ببزته السوداء. ولأن الليل كان أبيض اللون لم يسمح له بالدخول وحضور الحفلة كما هو مشروط.

انسحب الليل مثل الحلاج منهزما مكسور الخاطر مثقلا بالحزن والغم. توارى عن الأنظار زمنا طويلا يجتر همومه وتظلله سحابة حزن عميق. كل هذا لأنه حرم من رؤية الفاتنة بدرة.

بدأ الليل يذوي ويذبل وانحسر بهاؤه، وأخذ لونه يسودّ حزنا على الفرصة التي ضيع فيها رؤية معشوقة الكل ومعشوقته بدرة. وكانت دموعه تنهمر منه وتتناثر، والتي عرفت فيما بعد بمسمّى النجوم.

ولما علمتُ انا بالقصة، كنت كل ليلة أجلس أتغنى بالليل الذابل الكئيب، الصب الرتيب، آه ما أصعب غياب الحبيب! ناشدت كل الكتاب والشعراء والفلاسفة أن يكتبوا ويتغنوا بالليل، ففعلوا. وأخذ الكل يغني على الليل وليلاه.

سمعت بدرة الغناء والشعر، وكانت قد علِمت بقصة طرد الليل من حديقتها وكيف انقلب بياضه الى سواد، وأنه ينتظر حفلة أخرى يُسْمَحُ له فيها بزيارتها كونه أصبح يحمل صفة السواد.

حزنت بدرة كثيرا لما حدث لليل، هالها ظلمها وظلم الحجاج والبشر على كوكب الأرض. ولأنها كانت محرومة من الحب انطفأ نورها وافتُقد وهجها بالقصر، فانطلقت حزينة إلى الفضاء وانغرست به. وصارت تحمل مسمى جديدا: القمر.

اما انا فوقفت مع خلق الله ننظر إليها نتذلل معجبين ببهائها. وكان لي شرف كتابة القصائد لها.

طلبت قمر أن تقابل من عناصر الطبيعة أكثر من تغنى بها، فرشحوا صعلوكا كاتبا ينظم فيها الشعر بغزارة اسمه الليل.

ارتعش قلبها لسماع اسمه. ولما حضر طلبت منه أن يسمعها شيئا مما كتب لها، فأنشد الليل بصوت مرتعش:

جاران قريبان تحابا ثم افترقا

فهام المحب سحابا محلقا قلقا

مُلئ تعلقا ثم فاض عشقا

أضناه الهجر فالتحقا

صار يلاحق خطوها كظلها وسقا

بعدما بالشوق ذاب فاحترقا

يدور كالنور يبحث عن سحرها وثقا

ويلم بعيونه الغسقا

كلما نزل مكانا، ينزل الدمع كأنه حبقا

وفينوس تتلظى العشق شبقا

ينبت أزهارا بيضاء مكان دمعها النزقا

ركب الليلُ قوسَ قزح لاَحقَ الأفقا

فلما وجدها رأى مكانا مزهرًا ورقا

فراح يقبل الورد ويحنيها له معانقا

القلب ذاب بها واضطرما

يا قمرًا وجهك أيقونة لكل من عشقا

وهكذا التم شمل العاشقين الأثيرين، الليل والقمر، ومن حولهما تلمع أدمعهما التي سكبت زمن عذابات الفراق.

نجوم وأشجار

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات2108/1/1:> 392405

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.1 + AHUNTSIC