نازك ضمرة - الولايات المتحدة

ما زال وجهها عالقا هنا

خالد ضمرةبعد ظهر ذلك اليوم كانت الشمس تتجلى في سماواتها، تمشي الهوينا بطيئة، لكن غيمة داكنة غطت على أطرافها، فظلت شمسنا تسير بلا مبالاة بما يعيق تقدمها، شبورة تواجه قرصها، فتفرد السماء لها بالبياض، فنحس بغموض يوحش النفس، وسيخفف من إشعاعها، تعجز العين عن النظر لها، ولكم تمنيت أن تظل السماء صافية.

قبلها بساعتين عرف أنه خسر وظيفته بسبب لا يعرف عنه، كان مخلصا في عمله ويتقنه، ومحبوبا من زملائه، لم ينس أيام الفقر في طفولته، فظل طوال السنوات العشر الماضيات يقتصد ويوفر أثناء عمله.

يدخل الوزير الشاب لمكاتب الموظفين، يصاحبه خبير أجنبي وسكرتيرتان ساحرتا الجمال، نظر لنا، حاول أن يبتسم، لكننا لم نر البسمة، لأنه سرعان ما غادر غرفتنا، واحدة من السيدتين أمام معالي الوزير، والثانية ترافق الخبير الأجنبي.

بعدها بأيام صدر قرار رفع الرسوم على إقامة الأجانب، تنفيرا لهم من الحضور للبلد، وتشجيعا للشباب الوطني لملء الوظائف بدل الأجانب، بعدها بأسابيع قليلة تمّ إنهاء خدماتي، ثم تلا ذلك استدعائي للأمن، لأن شريكي من أبناء البلد اتهمني بأنني أتاجر في الأسهم والعقار.

شريكي هو الذي دعاني في الأصل لهذا العمل، واستخدم ما أملكه من مال وفرته لبدء عملنا، نجحنا وتقدمنا بسرعة، لكن الرجل أراد كل الكعكة لا نصفها، فوشى بي، مستغلا ظروف رغبة الدولة في التخلص من كثرة العاملين الأجانب في البلد.

ما تملكناه من العقار كان باسمه طبعا، وأسهم الشركتين الكبيرتين الناجحتين كانتا باسمي، عرفت أنه سيتم ملاحقتي وسأخسر كل ما وفرته وما جنيناه من تقدم، والأهم من هذا كله هو خشيتي من أن أخسر حريتي.

أعرف أنني سأتمكن من الحصول على حقي بدل بيع أسهمي، ولدي نقد يعادل خمسين ألف دولار تقريبا، أما عن حقي في العقار فلا أعلم عنه وقتها، فتظل حريتي هي الأهم، إذ لو سجنت سيضيع كل شيء، وهنا لا بد من المغامرة والمغادرة على عجل، وقبل الوصول لمرحلة المحاكمة، على أن أنجو من المطاردة أولا، بأن أتدبر أمر سفري دون علم وكيلي. نعم وثق بي الرجل وسمح لي بحمل جواز سفري، لكن لا بد من كتاب مصدق منه لاجتياز بوابة المطار.

انقطعت عن الذهاب لشقتي، تركت سكني وشاركت رجلا من بلدي غرفة الفندق دون تسجيل اسمي فيه، كان الفندق رخيصا، ولا يقدمون الطعام فيه، كنت أخشى الخروج كي لا يكتشفني مدير الفندق وموظفوه، شريكي في غرفة الفندق كان شبه مقعد وكبير السن ولا يشغله الاهتمام بالطعام.

تهاتفت مع أحد معارفي من أولاد البلد، فأخبرني أنه يستطيع أن يتدبر أمر دخولي صالة المسافرين دون أن أمرّ على الأمن، وكلما رن هاتف الرجل في غرفة الفندق قرقعت أمعائي خوفا من أن يكونوا عرفوا بمكان وجودي. المهم أنني غامرت واشتريت تذكرة الطائرة، مع أنني لم أكن واثقا من نجاح صديقي في إخراجي من بلده دون علم وكيلي، أو أمن البلد.

هي فتحة في أرضية صالة المسافرين، في زاوية بعيدة أنشئت لإنزال الأشياء الثقيلة التي يصعب حملها لصغر حجم العبوة، وربما لأهداف أخرى يعرفها المختصون.

شقيق صديقي موظف بسيط من أهل البلد الموثوق بصنفهم، ولأنه بدوي لا يسأله أحد عم يفعل، ويعرف جميع المسئولين أنه مخلص أمين، وعلاقتي بشقيقه كانت قديمة، حيث عملنا أول وصولي لتلك البلاد في سلك التدريس، كان معلما هو الآخر ويحمل الشهادة الابتدائية، ساعدته في دراسة المرحلة الإعدادية وفي النجاح.

لم ينس الرجل ما قدمته له، فقد وصل لمركز متقدم بعد حصوله على الشهادة المتوسطة، بقينا على تواصل وتعاطف. دلني على صاحب سيارة تكسي بدوي آخر، ليوصلني للمطار بعد غروب الشمس.

عبر سائق التكسي شوارع بعيدة وترابية كثيرة حتى وصلنا سور المطار، دخل من فتحة صغيرة في السور مقفلة، لكنه نزل وفتحها بنفسه، ثم أعاد قفلها بعد مرور السيارة، لم يكن معي سوى حقيبة مدرسية يد متوسطة يمكن ربطها على الظهر أو الكتفين، كنت ارتدي بذلة نظيفة أنيقة، أعجب سائق التكسي بي وبلباسي يومها، وتساءل كيف استطعت أن أظل نحيفا مع أن عمري تعدى الأربعين.

لم أعره اهتماما، ولا أجبت سؤاله، بل ابتسمت مكتفيا بالصمت وهززت رأسي. إنه لا يعرف عن ظروفي، ولا يريد ان يعرف، المهم أنه وعد صديقي المعلم السابق بإيصالي لصالة المسافرين في المطار، دون اعتراض أو مساءلة، همّه الوحيد هو مبلغ أجرة السيارة الجيد الذي سيحصل عليه. لم يكن مبلغا كبيرا ولا مبالغا به، بل ضعف ما يحصل عليه لمثل هذا عادة.

شقيق صديقي الذي كان معلما يعمل موظفا موثوقا به في المطار، ومن واقع خبرتي، فإن البدوي موثوق به من نظام الدولة في معظم البلاد العربية، وتستغله السلطات لأمور خاصة لا يجرؤ العاديون على القيام بها.

استقبلنا شقيق صديقي أمام مبنى المطار، المطار كبير والناس بالمئات يتحركون داخلين خارجين، ورجال الأمن ينتشرون ويتحركون في كل مكان، بعضهم بلباس عسكري، وآخرون يراقبون الناس بلباس مدني، فلا تعرف المودع من الموظف أو المراقب من الزائر. كلهم بدشاديش ومعظم الأجانب يرتدون ملابس غربية، لكن بعضهم يرتدون الملابس التقليدية مثل أهل البلد.

عانقني الرجل بتراخي، مع قليل من الاهتمام كعادة أهل البلد، أو هو تصرف روتيني بلا استعداد، استغربت حين وجدته يرتدي ملابس غربية، قال إنه يحب التغيير، فيجدها فرصة للتقليد أثناء عمله أحيانا، وهو يرتديها على أية حال حين يسافر خارج وطنه.

تبين لي أن شقيق صديقي مع أنه بدوي، لكنه لا يؤيد السلطات المحلية ولا تحكّمها بالإنسان، يحافظ على وظيفته وعمله، أوصاه شقيقه بعمل كل ما يمكنه لمساعدتي، مقابل خدمتي له ايام الشباب، يريد أن يخدمني ولو مرة واحدة في العمر كما قال.

أرخى الحبال وأشار للأعلى، سحب منضدة ووضع فوقها كرسيا، ثم طلب مني الصعود على الكرسي للدخول عبر الفتحة في السقف، والتي تؤدي لأرضية صالة المسافرين، الفتحة كانت كافية لمرور شخص متوسط أو نحيف مثلي، وقبلها استدعى فتاة كاملة اللباس، لا يبدو إلا وجهها وكفاها، أجلسها معنا نتحدث لخمس دقائق أو أكثر.

لم أشعر بالوقت في ذلك الموقف لأن همي الوحيد هو مغادرة البلد بسلام، ففكري وقتها كان منشغلا بتصوراتي وأنا في صالة المسافرين، وحين أجد نفسي أدخل الطائرة.

لقد اشترى لي صديقي المعلم السابق تذكرة الطائرة قبلها بيوم ونقدته ثمنها، لا أعرف الشخص الذي سجلت التذكرة باسمه، حاولت أن أضحك حين تذكرت أن اسمي (سالم)، ولكن حتى لا يظنني أنني أسخر من جهوده وتصرفاته الجريئة، اكتفيت بابتسامة إعجاب به وبذكائه.

أوصى الفتاة الجميلة السمراء بي، وأكد عليها ألا تتركني حتى أجلس على مقعدي في الطائرة، أفعل كما طلب مني، لكن بعد أن صعدت على الكرسي، طلب مني النزول ثانية كي يودعني، فعانقني بحرارة ووعد بأن يزورني في بلدتي بعد شهور، أو أي وقت يسافر خارج بلده.

لم أنس توفيري ونقودي التي في تلك الدولة، تأكدت من مديري البنكين اللذين أملك أسهما بهما أن من الممكن توكيل شخص لبيع أسهمي، لم أقلق لذلك، لوجود ابنتي مع زوجها في تلك البلد، وقد وكلتها بهذا الأمر.

يخامرني الشك والخوف، قبل صعودي على المنضدة، كنا في غرفة صغيرة لها باب لا يبدو للمار العادي، وهي مستودع صغير لأدوات كهربائية وأمنية. ودعني الرجل بهدوء وحرارة، وبدا على ملامحه أنه معتز بنفسه، لم يكن قلقا ولا متخوفا، بل ربت على كتفي وظهري، ثم طلب مني الصعود على المنضدة فالكرسي.

وقتها طلب من الفتاة أن تصعد بطريق الدرج أو الكهرباء، لتسبقني وتكون في استقبالي في صالة المسافرين، وللتغطية على وقت بروزي من أرضية صالة المسافرين، مدت يديها الاثنتين وساعدتني على الخروج من الفتحة بهدوء حتى وقفت على قدمي، نسيت نفسي فبقيت مشتتا قلقا محتارا شبه مسطول.

نسيت نفسي أول وقوفي على أرضية الصالة، وبقيت متشبثا بكفيها كطفل يتعلق بوالدته، كانتا ناعمتين دقيقتين لذيذتين وأشعرتني بحب الحياة، حملتاني إلى عالم أكثر أمنا، وشعرت أنني دمية خفيفة بين يديها.

وجدت نفسي أننا نقف في ركن منزوٍ من صالة المسافرين الواسعة، والذي أقلقني وطمأنني في الوقت نفسه لم يكن في الصالة أحد وقت ظهوري إلا الفتاة السمراء الأنيقة الدقيقة، لم تكن السيدة قلقة مثلي بالطبع، بل دلتني على مقعد طويل يتسع لشخصين ثم أجلست دميتها عليه.

ولحسن حظي أنني لم أنس حقيبتي التي ترافقني، مع أنني كنت في عالم الحضور أو الغياب. وضعت حقيبتي بين قدمي على أرض الصالة، ثم ذهبت موظفة المطار تبحث عن موظف له علاقة بالصالة، تعود باسمة وتبادرني بأن الطائرة لم تصل بعد، ولكنها تتوقعها بعد ساعة تقريبا، ثم ستقلع بعدها بساعتين.

قضينا نصف ساعة نتحدث في أمور تافهة ومتباعدة، بعدها بدأ بعض الركاب بالوصول هناك، أحسست بمزيد من الاستئناس وقتها، لكنني كنت في حيرة شديدة عبر نصف الساعة التي مرت، ولكم فكرت من أين أبدأ بالكلام، لأن مرافقتي كانت تتحدث عن أي شيء يخطر ببالها، وقالت إنها تحب أكلة المنسف الأردنية، وتطلبها من المطاعم المتخصصة في مدينتها، طفلاها لا يحبان اللبن المالح والحامض، ولا تحب طبخة الملوخية.

أما زوجها فهمه اللحم فقط والشوكولاتة الأمريكية، ولا يهتم بالخضار أو اللبن أو الحليب، وقد يأكل نصف برتقالة، أو ربع تفاحة، ثم قالت حتى أهلها لا يحبون الفواكه، والرز هو أهم عنصر يعنيهم، ومعه لبن أو سلطة أو تمر من الأنواع الفخمة والطرية.

حين حضر أول المسافرين للصالة، طلبت من السيدة السمراء برفق شديد ألا تتركني. ابتسمت ثم قالت:

"اطمئن، أنا أحب الرجل النحيف مثلك، زوجي تخين وقصير، ثم إن ابن عمي أوصاني أن أهتم بك فلا تقلق".

بعدها اقتربت مني أكثر، صرنا نتحدث عن أمور الحياة والزواج والحب، وتطور الأمر لحكايات الليل والسهر، الوقت يمضي ببطء، وأنوار الصالة ليست قوية، لكن أشعة الشمس صارت تزيد من إنارتها حين مالت صوب الغرب.

عرفت أنها تحب مشاهدة أفلام الجنس دون علم زوجها، مع ان زوجها يحب ان يشاهد مثل تلك الأفلام حين يكونان مع بعضهما في غرفة النوم. قالت:

"إنه يحاول أن نقلد الغربيين، لكنه فاشل ويلهث كثيرا ويصيبه ضيق النفس".

مدت يدها لجيبها، وأخرجت زجاجة عطر صغيرة جدا، رشت منها على صدرها ومنديل الرأس، فاحت رائحة العطر المنعشة، إنه باريسي من ماركة عالمية مشهورة غالية الثمن. قالت إنها حصلت عليها من صديقة أهداها لها مسافر مع أمير إلى باريس.

أتجاوز مرحلة القلق الشديد حين أكملت حديثها قائلة:

"أحب بلدكم، لقد زرتها مرتين مع زوجي، فكنت أخرج وحدي للمدينة حين يخرج وحده عند أصدقائه كما كان يقول لي".

أبديت اهتماما بكلامها، ووعدتها بتقديم أي مساعدة تلزمها لو زارت بلدنا. فرحت كثيرا. نهضت بعدها على عجل وبرعونة، ثم غابت أكثر من عشر دقائق، وعادت وفي يدها لفافات متنوعة من الطعام والحلوى والشراب.

أكلنا وشربنا وضحكنا، مع أنني كنت ما زلت خائفا، ولم يكن الجوع مقلقا لي ولا يخطر الطعام ببالي، بل كل همي كان إغلاق أبواب الطائرة وأنا جالس على مقعد بها، أريد حريتي، ودون أن أنسى ثروتي، وربما مقاضاة شريكي في حقي بثمن قطع الأرض الثلاثة التي اشتريناها معا، وزادت قيمتها لأكثر من عشرة أضعاف، خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، وستزداد عشرة أضعاف أخرى خلال خمسة أعوام، وقد أكتفي لو حصلت على ما دفعته ثمنا للأرض وقدره أربعون ألف دولار.

كنت مقتصدا جدا في حياتي في الاغتراب، أعرف أن كل طائر يعود لوطنه بعد أن ينقضي هدفه من رحلة الاغتراب، فكنت أوفر قرشي الأبيض ليومي الأسود، لكثرة ما عانيت انا ووالديّ وإخواني وأخواتي في طفولتي، فعملي لعشر سنوات في تلك البلد جعلني أوفر مبالغ جيدة، وقدرت أن أبني لي بيتا أقطنه بعد عودتي لبلادي.

تزايدت الحركة والحضور في صالة السفر، وبدأ الناس يتقاربون ويتعارفون، وبعضهم يتلاصقون أو يتنافرون، وأنا ورفيقتي الشابة السمراء نتأمل الناس أثناء انغماسنا في أحاديث متنوعة.

شاهدت رجلا غريبا تقدم من امرأة غربية، سلم عليها ثم سألها فإذا بها تشير له بالجلوس بجانبها، صارا يتحادثان ويقتربان ويضحكان في سعادة ومرح، ازدادت رفيقتي ثقة بنفسها وصارت تلمس يدي، كلما أرادت أن تلفت انتباهي لكلامها أو أي ملاحظة عن الحاضرين.

أخطأت عفوا فوقعت كفّي على ركبتها، لم تنفر من حركتي، بل أدارت وجهها صوبي ربما لتعرفني بوعيها، وربما أن حركتي كانت لإراحتها، ولضمان بقائها معي، لم يخطر ببالي أي رغبة أخرى وقتها، حريتي هي أغلى ما أريد، وكل اهتمامي كان منصبا عليها، وللخروج من ذلك البلد الذي انقلب على نفسه وتاريخه وتقاليده، صار كل شيء وتصرف في البلد يتغير ويتبدل بسرعة مثيرة ومخيفة في الوقت نفسه.

قطعنا الوقت وحان موعد دخول ا لركاب للطائرة، ترافقني رفيقتي مشيا بطيئا وفي هدوء، متجهين صوب صف الركاب الصاعدين للطائرة، تتأكد أنني أحمل بطاقة دخول الطائرة، إذ سبق لها وقدمت التذكرة لمكتب شركة الطيران في الطابق الأسفل من المطار، وأحضرت بطاقة دخول الطائرة.

ناولت البطاقة لموظف التدقيق، وطلبت منه أن يتأكد من أنني مرتاح في مقعدي قبل إقلاع الطائرة، ضحك الموظف بخبث، ثم قال لها، "انت تأمرين يا سيدتي".

وعند نقطة بدء الدخول للنفق المؤدي للطائرة، فوجئت بها تجذبني من كتفي، كنت منشغلا بحلمي السفر إلى حريتي، والتحليق في عالم الحياة والنجاة والأمل.

اقتربت ولفتت نظري إلى أنها تريد أن تودعني، رفعت نفسها، فقبلت خدها بحرارة، فبان عليها فرح وحماس يقترب من التهيج، وكأنها تريد أن تعيدني لنجلس معا ثانية، أمسكت بكفها وضغطت عليها بإعجاب، ثم أطلقتها مضطرا، لأن المسافر الذي ورائي يتحرك لائما، ظلت واقفة حتى اختفيت داخل نفق الدخول للطائرة،

قلقي لم يختف تماما بعد وصولي لمقعدي في الطائرة، لكنني بقيت أحاول الاطمئنان، منتظرا إعلان إقفال أبواب الطائرة، الركاب يتحركون ويتململون، يحاول كل منهم تهدئة نفسه، وموظفو الطائرة في حركة دائبة ونشاط.

حضر شخص وسأل عني وطلب مني الخروج من مقعدي، واللحاق به، فكرت بعصيان الأمر، لكنني أعرف ـن ما سيحصل سوف يحصل رضيت ام أبيت، تبعته لكنني سألته هل تريدني أن أحضر حقيبتي؟

لم يجبني الرجل، ولم يتحدث معي بكلمة واحدة، وإنما سار أمامي وطلب مني أن أتبعه، وفي نهاية النفق، فوجئت بالسيدة السمراء تبتسم بسعادة، وكأنها تفتخر بإنجازها، وبنجاتي ثم قالت:

"أردت أن أسألك هل تحب السفر على متن هذه الطائرة؟ أو تؤجل سفرك لرحلة تالية بعد ثماني ساعات، فإذا كان مقعدك الحالي لا يعجبك فقد أتدبر الأمر لك في الطائرة التالية لتكون في الدرجة الأولى".

ارتبكت قليلا، لأن فرحتي عارمة ولعجزي عن شكرها وامتناني لجهودها، ثم إنني لا أكاد أصدق نفسي أنني شبه حر، وسأحلق في عالم يخلو من الحسد والحقد والمتابعة الكريهة، فعالم الطائرة برغم ضيقه ومحدوديته، لكنه يشعرني بانطلاقي نحو الفضاءات الأوسع، ويشير لقدرتي على التحليق والوصول لأي مكان على الأرض.

تناولت كفها ثانية وأبقيتها على فمي لثوان، خجل مرافقنا، ابتسم وأدار وجهه كي لا يحرجنا أو يحرجها، أحسست بها تزداد حرارة، ولم أشعر برائحة طيبة جاذبة في حياتي مثل رائحة يدها لحظتها. حاولت التثاقل الكاذب وقلت:

"تركت حقيبتي في الطائرة والكرسي مريح جدا، ولا يوجد بجانبي أحد يضايقني في هذه الرحلة، فدعيني أسافر هذه المرة، لكنني سأكون بانتظار زيارتك لبلدنا سيدتي".

أجابت باختصار وثقة وكبرياء: "أدعو لك سفرة مريحة، وداعا، ثم طبطبت على كتفي وضغطت عليه قليلا.

وحين أدرت وجهي عائدا لمقعدي، ظل وجهها الباسم الجاذب يرافقني حتى بعد عودتي لقريتي وأهلي.


موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات2108/1/1:> 334340

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC