دلال بحيص - فلسطين

الإعاقة: عالم من الأسرار

دلال بحيصعالم الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة جدير بالاهتمام، ولذلك وجدت من واجبي من خلال هذه المقالة القيام بتسليط الضوء على جزء يسير من واقع حياتهم واحتياجاتهم، مع الأخذ في الحسبان ضرورة التفكير في سبل تحسين ظروفهم والتخفيف من معاناتهم ومعاناة ذويهم.

تستند هذه المقالة إلى نموذج الأطفال الذين أعمل معهم ضمن وظيفتي كمعلمة تربية خاصة في قسم الإعاقات الشديدة بمركز بلدية يطّا المجتمعي في فلسطين.

في البداية ستطالعك ابتساماتهم الشفافة والعفوية مع طلاقة البراءة في وجوههم، ولسان حال الكثير منهم: "ليس ذنبي أني لا أستطيعُ المشي والتواصل الطبيعي مع المجتمع الذي أعيش فيه. لا ذنب لي في حادثة الطريق ولا في الخطأ الطبي الذي خلَّف لي هذه الإعاقة الجسدية أو الذهنية. فانا رغم كل شيء إنسان وأن كل هذه الأشياء لا تلغي طاقتي لأني أستطيع أن أمشي وأن أتعلم وان اعمل رغم كل المعيقات. لكن كل ما أريده أن أجد وأسرتي من يوفر جميع الإمكانيات الكفيلة بمساعدتي في تحقيق حياة عادية مثلي مثل أفراد المجتمع الآخرين".

هذا بالضبط ما خطر لعبد الرحمن أن يقول وهو يبكي: "أكره الإعاقة، أكرهها. أريد أن أمشي وان ألعب مثل أخي التوأم عبد الرحيم".

يعرف الأطفال ذوو الاحتياجات الخاصة الكثير عن محيطهم الأسري ومعاناة أمهاتهم على وجه الخصوص، وهن في الغالب محرومات من التفاعل الطبيعي مع المحيط الأسري. ورغم ذلك، فالأم تأمل في أن يصبحَ طفلها إنسانا عاديا.

لا بد هنا من الإشارة إلى أن المجتمع بشكل عام لا يتقبل هؤلاء الأطفال، وأن أسرهم أيضا تتحفظ على ذكر مشاكل أبنائها من هذه الفئة للحد الذي يدفع بعض الأسر إلى إنكار وجود "الإعاقة" من حيث المبدأ بين أفراد العائلة، وذلك بدافع الحفاظ على صورة الأسرة الاجتماعية. وقد يترتب على هذا السلوك قيام بعض العائلات بحبس أبنائها "المعاقين".

كانت بدايتي العملية في هذا المجال خلال عملي على مدى عامين ونصف كأخصائية اجتماعية عام 2008 ضمن فريق برنامج CBR، وهو برنامج مؤقت لتقديم خدمات تأهيل مجتمعي يستهدف الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة في مدينة يطّا وريفها، مع التركيز على تقديم الإرشاد والدعم النفسي الاجتماعي لذويهم.

نتيجة لذلك، أتيحت لي الفرصة للتعرف على عالم ذوي الاحتياجات الخاصة حيث جمال قلوبهم وخفة دمهم، إذ لا يعرفون الحقد ولا الكراهية بل يميلون للفرح والمرح.

تعرفت عن قرب على مأساة أهاليهم بكل ما يتعرضون له من ضغوط نفسية واجتماعية جراء رؤيتهم لحال أطفالهم عاجزين عن أداء أبسط احتياجاتهم الشخصية، فيما يقف الأهل عاجزين عن تلبية متطلبات علاجاتهم وأجهزتهم الداعمة.

وأتاحت لي هذه التجربة فرصة التعرف على أمثل الطرق والأساليب الحديثة لرعاية هذه الفئة والتعامل معها. وفق قاعدة البيانات في حينها، كان الحديث يجري عن نحو 4000 حالة إعاقة في المنطقة المستهدفة، وهو رقم كبير في ظل قيام عدد قليل من المؤسسات غير الحكومية بتقديم بعض الخدمات لهذه الحالات، وهو ما كان يعني أن غالبية هذه الحالات كانت محرومة من الحصول على أية خدمة، مع العلم أن هذه الخدمات كانت تقتصر في الأغلب على تقديم التوجيهات والإرشادات للأمهات.

ظل الأمر على حاله إلى أن بادرت مؤسسة قادر للتنمية المجتمعية بالشراكة مع بلدية يطّا لتأسيس مركز خدمات مجتمعية عام 2012 بتمويل من الحكومة الإيطالية يعنى بتقديم خدمات اجتماعية وعلاجية لذوي الاحتياجات الخاصة، ويشمل ذلك التربية الخاصة والعلاج الطبيعي وعلاج النطق وتخطيط السمع، إضافة إلى تطبيق منهجية MOVE في قسم الإعاقات الحركية الشديدة.

تقوم منهجية MOVE على فكرة التعلم عن طريق الحركة وذلك بالتكامل المنهجي بين أدوار الأسرة ومركز التأهيل والطفل المعاق لتحسين مهاراته الحركية وتطوير أدائه الشخصي والاجتماعي. يشار إلى أن عملية التعلم تتعلق بإكساب الطفل "المعاق" مهارات حركية مثل الجلوس والوقوف والمشي.

بدأ المركز المجتمعي بتأهيل فريق العمل من ذوي المؤهلات ذات العلاقة بالتخصصات المطلوبة بالمركز، فالتحقنا بدورات مكثفة وذلك للتعرف على أحدث استراتيجيات رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة، إضافة إلى الاطلاع على بعض التجارب العملية في هذا المجال من خلال ما قدمه الخبراء والمحاضرون في الدورات والزيارات الميدانية أثناء العمل.

يعمل المركز بروح الفريق من أجل خلق فرص تأهيل حقيقي لحالة لأطفال ذوي الإعاقة من أجل الوصول بهم لدرجة من الاعتماد على الذات في حياتهم اليومية.

وبخصوص القسم الذي أعمل فيه منذ تأسيس المركز، وهو قسم الإعاقات الحركية الشديدة وفق منهجية MOVE، فيتم العمل بالتعاون مع قسمي العلاج الطبيعي وعلاج النطق وذلك بعد مرحلة التقييم الحركي الذي يُقبل الطفل في هذا القسم على أساسه.

تحدد نتيجةُ التقييم الآليات الملائمة لقدرات الطفل خلال فترة تأهيله في المركز، حيث يعكس ذلك أيضا طرق العلاج المطلوبة. ويحدد الأهل الهدف الذي يرغبون في تحقيقه لطفلهم ضمن أهم أولويات حالته ومتطلبات تقدمها، مع العلم أن الطفل يلتحق بالقسم خمسة أيام في الأسبوع بواقع خمس ساعات في اليوم يشعر فيها الطفل ببالغ السعادة عند ركوب باص المركز والخروج من المنزل وذلك لشعوره بأنه مثل باقي الأطفال الذاهبين للروضة أو المدرسة.

وهنا يأتي السؤال: لماذا لا تقبل المدرسة مثل هؤلاء الأطفال؟ هذا السؤال يعكس حالة طفلة من الملتحقات بالمركز تجاوزت السادسة من عمرها، قالت لي: " دلال، نفسي أروح ع المدرسة" قبل أن تدخل في نوبة من البكاء، فأخبرتها أنا: "سأجعلك تكتبين وتلونين وتقرأين".

عندما أجلس مع هؤلاء الأطفال على طاولة الأنشطة أجد لمعة السعادة بادية في عيونهم، فمنهم من يقول: "أريد أن ألعب بالملتينة" وآخر "أريد لعبة الليجو".

بين هذه وتلك أحاول أن ألبي رغباتهم وأن أستمع لأحاديثهم في جو يسوده الضحك والمرح مع تشغيل الموسيقى أيضا. ولكن عندما يأتي وقت التمرينات العلاجية، منهم من يبكي من شدة الألم، ومنهم من يحاول الهرب إلى غرفة الألعاب. ورغم ذلك فلدى الكثير من الأطفال الكثير من الأمل والثقة بالله، مثل الطفلة جنى التي أخبرتني أنها ترفع كفيها كل ليلة سائلة الله أن يجعلها تمشي.

بعد ست سنوات من العمل الدؤوب، أشعر اليوم أن هذا الفريق، وأنا واحدة منه، وبفضل هذا المركز المميز والمزود بالكثير من التجهيزات والأدوات الداعمة، قد سد فراغا كبيرا وقدم خدمة ضرورية لفئة من الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة. وأسهم هذا العمل في تحقيق تقدم ملحوظ وكبير في تأهيل عدد من الحالات التي منّ الله عليها بنعمة المشي مثل الأطفال الطبيعيين، ومنهم مَن التحق بالمدرسة أسوة بأبناء جيله.

بقي أن نقول أن هؤلاء الأطفال يحتاجون للمزيد من الرعاية التي تتطلب تمويلا خاصا، وتحتاج بعض الحالات لعلاجات تكميلية مكلفة، فهؤلاء لا يبقون أطفالا. ولذا لا بد من التفكير في مستقبلهم كبالغين ضمن إمكانات محدودة ومتطلبات حياة متزايدة ومعقدة. ولا بد أن نفكر في كيف نقدم لهم التأهيل المهني بما يتلاءم مع إمكانياتهم الجسدية والذهنية.

= = =

صور من قسم الإعاقات الشديدة بمركز بلدية يطّا المجتمعي في فلسطين.

مركز بلدية يطا المجتمعي
مركز بلدية يطا المجتمعي
مركز بلدية يطا المجتمعي

= = =

CBR = Community-based rehabilitation.

المزيد من المعلومات عن برنامج رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة في مركز يطّا:

http://yatta-munc.org/me/?page_id=1584


موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3423906

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC