نازك ضمرة - الولايات المتحدة

مقتطف من رواية عفان بن نومان

النص أدناه مقتطف من مخطوطة رواية للكاتب

خالد ضمرةكان تواجد الخال جسّار الكفيف وجلوسه قرب كتّاب الشيخ حامد لتعلم القرآن، وبعض الحِكَم بصياغة شعرية، أو الأحاديث النبوية، عبر إصغائه وانتباهه لقراءة الطلاب الجالسين على الأرض أو الحصير، يتدارسون القراءة والكتابة وقراءة القرآن مع شيخهم حامد.

عندما كان يموت شخص من القرية، كانوا يطلبون من معلم القرية قراءة القرآن قرب جثة الميت أو عند القبر، فيطلب الشيخ حامد الكفيف جسار كي يرافقه، أو يفعلانها نصف ساعة يوميا خلال الأيام الثلاثة الأولى، أو سبعة أيام بعد دفن الميت، حسب إمكانيات أهل الميت أو معزتهم له، حتى لا يشعر فقيدهم بالوحدة كما يعتقدون، ولكي يجيب المتوفى على ملك الموت بلسان عربي فصيح، مقرا بدينه وبكتابه وبنبيه.

وقليل من الميسورين والمتدينين كانوا يصرون على قراءة القرآن عند قبر ميتهم أربعين يوما، ويزورون القبر كل يوم خلال هذه المدة، أو مرات عدة كل أسبوع. وكانوا يقومون بعد الأربعين بفك طقوس الحداد، وعمل وليمة كبيرة لأهل القرية، يأكل الفقراء والمحتاجون اللحم والحلوى يومها، ويسدّون جوعا وحرمانا من اللحم لازمهم شهورا أو أسابيع.

* * *

بعد ستة شهور من أسره، بدأ عفان يتعايش مع عمله في حدائق المعسكر عقابا له، واستهزاء بقدرته على التمرد. يخاطب المجندة ريتشيل المسؤولة عن مراقبته ونقله من زنزانته إلى منطقة عمله حول المساكن والبيوت في المعسكر: " لن أنسى يا ست ريتشي ما عانيت في الأيام الأولى بعد أسري".

"اسمي ريتشيل. كم مرة اصحح اسمي لك؟ أو هو راشيل كما يعرفه العرب."

"يعجبني ان أناديك ريتشي، ريتشي، اسمعي يا ريتشيل، لا أستطيع أن أنسى العذاب الذي عانيته، قلت لهم ليس لديّ سرّ أخفيه. الحيوان البولوني المجند حطم عظامي وأوشك على قتلي في الساعات الأولى لأسري".

"وهل تنسى أنك أسير عربي؟ حافظ على حياتك وعملك، تعاون واعمل كما هو مطلوب منك في معسكر الأسر، إنس ما عانيت. كل إنسان يعاني يوما ما من مشكلة، وها أنت الآن سليم ومعك حرية القيام والقعود والأكل والنوم، وماذا تبتغي بعد؟"

"سمعت البولوني يقول للمجند البريطاني، لا همّ عنده إلا ملاحقة أي فلسطيني، ثم لشهور أربعة وهم يحققون معي، مستخدمين أساليب مؤلمة من التعذيب، ما أقسى أن تقع أسيرا عند أعدائك؟

"قلت لهم مرارا وتكرارا، إنني لم أقصد الإضرار بأحد يوما ما، وجريمتي الوحيدة أنني جرؤت على دخول أرض أجدادي، إنها أرضي ، أرضنا، ورثها أبي عن أبيه، عن جدي، وأهل قريتنا لا يعترفون بحدود تحول دونهم ودون فلاحة أرضهم التي لم تدخل ضمن خطوط الاحتلال عام 1948. كان يقودهم ضابط أمريكي أو بريطاني، يتكلم الإنجليزية بلهجة أصيلة، ولا يتحدث العبرية."

"وكيف عرفت أنها لهجة إنجليزية أصيلة؟" تهز راشيل رأسها دون تعليق، تنظر حولها شرقا وغربا، تدور وتهتم بشؤونها، تعدل من لباسها، تتأفف وتفتح زرا إضافيا، فتحرك رأسها يمينا ويسارا، كأنها تخلصت من حزام أو ضيق كان يخنق أنفاسها. تعيد نقل رشاشها الأوتوماتيكي التشيكي اللامع من يدها اليسرى ليدها اليمنى، ثم توجه كلامها له آمرة:

"استمر في عملك، بعدين سلوم بعدين، تتكلم بعدين، أنت كلام كثير، هنا شغل، عمل، أنت أسير عند إسرائيل. هل أنت جائع سلوم؟ أتيت لك بطعام اليوم، وجبة بسيطة بطاطا مقلية وحبوب بازيلا خضرا وقطعة دجاج".

يواصل سلوم كلامه: "إن الكثيرين من الفلسطينيين عملوا مع الإنجليز في معسكراتهم وورشهم، قبل انتهاء انتدابهم الخبيث على بلادنا فلسطين، وكثيرون يعرفون لغتهم ولهجتهم جيدا. معظمنا تعلم الكثير من المفردات الإنجليزية ليسهل علينا التفاهم معهم عند الضرورة".

لحظتها يتذكر عفان (سلوم) زوجته ديجة، فيسكت عن الكلام، يصفن وعيناه تتأملان الأفق الشرقي البعيد، فيخاطب نفسه حالما:

لك يا ديجة أعيش تحت الظلم، وفي جو يأس قاتم أصرّ على الحياة، على أمل أن أعود لك، أشكر الله أنني رفضت أن ترافقيني، وإلا كنت سجينة أسيرة ذليلة مثلي هنا، ومن المحتم أنهم سيفصلوننا عن بعضنا، أشكر الله ثانية أنني كنت رجلا حازما معك، ولم أسمح لك بمرافقتي،. وماذا لو سجنوك في مكان لا أعرف عنه؟ فماذا استطيع أن افعل؟ لا شك أنني سأصاب بالجنون، لأنني أعلم أن أحدهم سيواقعك رضيت أم أبيت.

واحدا؟ ربما عشرات من المفترسين، أمثال البولندي والألماني والهنغاري والفرنسي والبريطاني والحبشي، لأنهم اعتادوا على إذلالنا أثناء انتدابهم على فلسطين، حتى أن البولندي حاول الانفراد بي واغتصابي حتى أنا نفسي، الموت لي وقتها.

في ضميري أهمس لك يا زوجتي العزيزة ديجة، أستظل بشجرة تين قديمة هذه اللحظة، ثمارك شهية أيتها الشجرة وديجة كذلك، وظلك أجمل. أدخلي مرآة عيني، ليبزغ قمر بوجه فلسطيني، به غمازتان وذقن ملساء أنيقة، تكتسب سمرة مع شروق كل شمس، ولا في الأحلام. آه يا ديجة! أراك أمامي تتمطين، وأرى يمامتين تتنقلان من غصن، هناك في حديقتنا تتلاصقان.

يبهرني رعشان الشعر الأسود الفاحم الناعم، فوق رأسينا، يغمرني العبق الفلسطيني الريفي، أغصان أشجارنا طرية وأوراقها ناضرة، ممشوقة تهتز وترتعش، نلتصق فنصبح شجرة واحدة، كيانين لا ينفصلان، تسافر أمواج الأشواق في عباب بحرنا، تظلّ مشتاقة لشواطئ قلبينا الحنونين، تحمل معها في سفرها أعتى الأحمال والسفن، صاعدة نازلة، أمواجنا أمينة تحفظ ما عليها وتوصلها إلى مبتغاها مستقبلة أو مودعة، تنشط مع الريح والأمواج لكنها تعود لمكاننا الذي نتواجد فيه ويتواصل نبض بحرنا الرفيق.

أحمد الله ثانية أنك حرة بين أهلي واهلك يا ديجة، أحادثك كأنك قربي، وحين نلتقي سأقص عليك المزيد مما عانيت، وما سأعاني بعد هذا اليوم، هذا إذا أطلق سراحي ثانية يوما ما.

لافتة العدد الفصلي السابع عود الند

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3423906

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC