أشواق مليباري - السعودية

أحلام

كانت ما تزالُ على مقاعدِ الدراسة، طريةَ الشباب، قويةَ الذكاءِ، لماحة تتميزُ بالحضور، متحفِّزة الحركة، ومفتونةً بأحلامِ اليقظةِ.

عادت إلى البيتِ بعد انقضاءِ نهارٍ منَ الجدِ، لا يخلو من المشاكساتِ والضحكِ والتّسكّعِ في بهو الصفوف. ألقتِ الحقيبةَ عند الباب واندَفَعتْ كعادتها إلى المطبخِ.

"أمّي لقد عدت."

"أهلا وسهلا. هكذا بلا سلام؟"

اقْتَربتْ مِن أمّها وهي تَغسِل الأطباقَ، وطَبعتْ على وجْنَتِها قُبلَةً سريعةً، واستدركت فقالت:

"السلامُ عليكم."

"وعليكم السلام، كيفَ كان يومُك يا نور عيني؟"

تراجَعتْ إلى مقعدٍ بجانبِ الطاولةِ التي صُفّت عليها الخضارُ المغسولة، أخذتْ جزرةً وقَضمتْها وبدأَ مُوجَز الأخبارِ، مقَالِب، وضحك، ثمّ بعض المُشاجَرات، ونتائِج الامتحانات النّصف فَصليّة، ورواية استعارتها مِن المكتبةِ، وأخيراً انتَهت بالنّشرةِ الجوّيةِ، التذَمّر مِن حرارةِ الجو الخانقة في الحافلةِ المدرسيّةِ.

غَسَلت الأمّ يَدَيها من بَقايا الصّابُون ونشّفتها، وقالتْ مُتَعجّلَة:

"هيا إذاً لتَغتَسِلي، وتَنضَمّي إلينا فالغَداء جَاهز."

قَفزتْ مِن مَقعدِها وهتفت:

"ماذا لدينا على الغداءِ اليوم؟"

وقبل أن تسمعَ إجابة، قامت تستطلع القدورٍ المغطاةٍ تَنظُر إلى ما بِداخِلها واحدةً تلو الأخرى، حتى إذا انْتهت إلى قدرٍ عميقةٍ قالت بامتِعاض:

"حساءٌ بالخضار؟ أمّي لماذا لَم تَضعِي الّلحم؟"

ابتسمت الأمّ وهي تُسَخّنُ بعضَ الأرغفةِ، وقالت:

"هل يَجبُ أن نَأكُل الّلحمَ كل يوم؟ ما أظرفك! هيّا إلى الحمّام يا عزيزتي."

دخلت الفتاة إلى الحمامِ، وما أن انسكب الماءُ الدافئُ على شعرِها وجسدِها، حتى أحست بالانتعاش، وبدأ صوتُ مغنِّية (الأوبرا) يُطرِبُ كلَّ من في البيتِ قَسراً، ويقتحِمُ الآذانَ عُنوةً. ارتفع صوت أحمد أخيها من غرفته المحاذية للحمام، في احتجاج على الضجة والغناء العالي:

"أمّي ريم تُزعجني وتشتت فكري، لا يمكنني التركيز، أنا أحفظ دروسي."

أكملت الأمُّ عملَها في المطبخِ وهي تبتسم وتهُزُّ رأسَها كمن أعيتها الحيل في التوفيق بين الأخوين.

خرجت من الحمامِ، وهمَّت بدخولِ غُرفتها، وهي تُجففُ شعرَها الطويل بمنشَفةٍ، حينَ سمعت أمَّها تتحدثُ على الهاتفِ:

"ابنك كمال، ما شاء الله! زين الشباب، تتمناه كل فتاة."

أنزلت المنشفةَ من فوقِ رأسها وأرهَفت السمعَ مدهوشة.

"يا له من خبرٍ سعيد! "

اتسعت عيناها.

"سوف أسألها بالتأكيد."

فتاةانفرجت أساريرها، واتسع فمها، أسرعت إلى غرفتِها وأقفلت البابَ خلفها، ضمّت قلبها خوفاً من أن يطير من بين أضلُعها. ارتمت على سريرِها وهمسَت لنفسها بفرح:

"كمال سيخطِبُني. هذا مُؤكَّد، وأمي تريدُ أن تسألَني عن رأييِ؟ لماذا أنا يختارُني من بين فَتيات الحيِّ؟ ربما لأنني الأجملُ، أو الأذكى؟ ربما كان يُحبُني كلّ تلكَ السنوات، ويُخفِي حُبَّه، آه. وأنا لم أكن أَعرف."

أغمضَت عينيها وتراءى لها أنها في السماء، لا على الأرض، خالت نفسها واقفة على تلٍ مكسو بالديباجِ الأخضرِ، محاك بالأقحوانِ والدحنون، والريحُ تداعبُ شعرَها، تنشرُ سوادَه الطاغي في كلِّ مكان، وتُراقِص ثوبَها الأحمر الحريري، حين ظهرَ كمال على جوادٍ أبيضٍ مطهّم، يصهلُ ويرفعُ قائمتيه الأماميتين في عنفوانٍ، يركضَ حتى ينتهي إليها، يترجَّل ويتقدم، فيملأَ عينها، ويملكَ نفسها وقلبها، يقتربَ منها، ويهمسَ في أذنِها:

تجعلُني الأحاديثُ المبعثرةُ مع صديقاتِك

فارساً لأحلامِك

وفتى العشقِ لخيالاتِك

كوني سماءً لذاتِي وأنا صدىً لهمساتِك

كوني عشقاً وزهرةَ شوقٍ

وأنا مطراً يروي بساتينِك (*)

وفي ومضة عين يتحول التلُ الأخضرُ إلى قاعةٍ رخاميَّةٍ فسيحةٍ، تنعكسُ أضواءُ الثرياتِ على أرضيتِها الصقيلةِ، وقد امتلأت بالمدعوين، يرمقونَها بنظراتِ الإعجابِ، شعرها الذي ارتفعَ عن كتفيها هذهِ المرة، بدبابيسٍ من الزمردِ والريشِ الملونِ، لِتظهرَ أقراطها الماسيَّةِ المدلاةِ، تزيدُ من جمالِ جيدِها الذي يتدلى منه طوقٌ من الياسمين، أمسكت بطرفِ ثوبها الذي يتماوجُ بلونَي الخضرةِ والسماء، ونظرت في عينيه، فتبسمَ وأنشد:

رقّة نسائمُ عبيرك تبعثرُ أحرفي على شواطئِك

وتستبيحُ نوافذُ العشقِ لذاتي

ألا تلمحي في عيني جنونَ الاشتياق؟

وأني بكِ أسمو في الآفاقِ

تعالي إليَّ أمواج حنينٍ تلاطمُ قلبيَ الخفاق

وشلالاتُ وجدٍ ترتوي منها صحراء نبضيَ المشتاق (*)

وبدأت تدورُ في أنحاءِ القاعةِ الفسيحةِ، جذِلةً، سَكرى بتلك الكلمات، ودار رأسُها، وقد تلاشى الوجودُ حولها إلا من كمال، خرج قلبُها من بينِ أضلعها، طائراً أبيضَ رفرف عالياً، فزِعت وحاولت اللحاقَ به، لكنها تعثَّرت بطرفِ ثوبها وسقطت على الأرضِ، حينها سمعت صوتَ أمِّها، تناديها من خلفِ الباب:

"ريم، هيا يا حبيبتي."

أفاقت لتجدَ نفسها على الأرضِ تحتضن زيَّها المدرسي.

خرجت من غرفتِها تحاولُ إخفاء فرحتها واضطرابها، غيرَ أن حمرةَ خديها خانتها، فالتفتَ إليها أحمد وقال في سخريته المعتادة:

"ما بالُ وجهِك أحمر؟ هل فرغتِ للتوِ من مباراةٍ لكرةِ القدم؟ لا بد أنكِ حارسُ الفريقِ المهزوم."

أشاحت بوجهِها عنه بهدوء ولم تجب كي لا تتشاجر معه كما تفعلُ كل يوم، فرفعَ حاجبيه باستغراب.

قالت الأمُّ وهي تضعُ اللقمةَ في فمِ الصغيرة:

"أحمد اتركها وشأنَها، وأنهِ طعامَك يا حبيبي. تعالَي يا ريم فلم تأكلي بعد."

توجهت إلى المطبخِ وقالت: "سأسكُبُ لنفسي كأساً من العصير."

من هناك استرقَت نظرةً إلى أمِّها التي لم يبدُ عليها الفرح، ثم عللت نفسها، آملة أن تفاتِحَها في الأمرِ بعد حين.

تظاهرت بالانشغال في المطبخِ حتى انتهى الغداءُ وذهب كلٌ إلى حالِهِ، ساعدت أمَّها في رفعِ الأطباقِ إلى الحوضِ وبدأت تغسلها وتترقب، وقفت الأمُّ تغسلُ يدَيها، فرفعت ريم رأسها، بعد أن عيلَ صبرها، وقالت بحياءٍ وتردد:

"أمُّي، من التي حادثتُك على الهاتفِ قبل قليل؟"

"إنها جارتُنا أم كمال."

خفق قلبَها، صمتت وتشاغلَت بالأطباقِ تنتظرُ المزيد.

قالت الأمُّ بهدوئِها المعتاد: "أردت أن أسألَك يا ريم."

"ماذا؟"

"هل تأتين معي الليلة؟ أم كمال ستقِيم حفلاً في منزلِها بمناسبة خطوبة ابنها.

قالت بدهشة خنقتها الحسرة: "ابنها؟"

"أجل، ابنها كمال خطوبته الليلة. اللهم تمِّم فرحهم بخير، والعقبى لنا. ماذا قلتِ؟ هل ستأتين معي؟"

سكتت تُلملِمُ ما تبعثرَ من أحلامِها، تحاول أن تبقَى متماسكة أمامَ أمّها التي لا تعرف شيئاً عن الثوب الأحمرِ الحريري، أو الجوادِ الأبيضِ، أو قاعةِ العرس الفسيحةِ.

تنفَّست بعمقٍ، تزفِر تلك الأحلامَ الهائمة حول قلبها، تلك الأحلام التي غزَلتها بيدَيها، وتشرنَقَت داخِلها، ها هي تحاول نقضَها، لعلَّ قلبَها الذي رفرفَ يعودُ إليها وينسَى خيبتَه.

قالت الأمُّ باستغراب: "ريم، ما بكِ يا حبيبتي؟"

أمسكت طبقاً عميقا مدَّته إليها وقالت باضطراب: "أنا، أنا جائعة. أريدُ بعض الحساء."

أخذت الأمُّ من يدِها الطبقَ، وقلَّبت القدرَ العميقة بملعقةٍ كبيرةٍ، ثم سكبت لها، وأعادت إليها طبقَها. نظرت ريم إليه لتجدَ به قطعاً من اللحمِ بجانبِ الخضار، رفعت عينها وقالت مستوضحة:

"أمي لقد قُلتِ أنَّكِ لم تضعي لحماً في الحساء."

ضحِكت الأمُّ وقالت وهي تُشير إليها: "بل أنتِ التي قلتِ ذلك."

===

(*) الشاعر جلال أمين.


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3380714

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC