محمد عبد الوارث - مصر

قمــر ينــادي بــدرا

محمد عبد الوارثكاك. كاك. كاك.

فزعت أسراب طائر الغراب الوادعة وأطلقت أصواتها المميزة، لما شرخ الفضاء أزيز طائرات الميراج 2000 الفرنسية، ودوي الهدير الصاخب لطائرات إف 15 الأميركية، وتهادي مروحيات الجازيل تلقي عشرات الأكياس الصغيرة الملونة. ابتعدت الطائرات تحمل طنينها و صخبها الذي راح يخفت ويتلاشى رغم البرق الخاطف لوميضها الأبيض في السماء الصافية.

كاك. كاك. كاك.

عادت أسراب طائر الغراب تهبط بخفة، تسقط، لكن بلا فعل للجاذبية، هبط طائر أخر على النجيل الذي تجمعت تلتقط منه طعامها.

في جلسته المعتادة بالحديقة الشاسعة ذات الخضرة الضافية علي النادي الواقع بقلب الثغر، قريبة من ذلك الطائر الأثير إلي نفسه، لامع أسود الرأس والجناحين والمنقار والذيل، أما باقي الجسم ففضي اللون، أطلق الطائر صوته وتقافز بخفة فانطلق من الخيال طائر آخر هلامي، رفرف بجناحين وأطلق صوته المميز وهبط بجوار الغراب. اقترب منه. اقترب. اقترب. تلامسا. تداخلا. صارا غرابا لامعا خفيف القفزات، أطلق صوتا فتجاوب في الفضاء الصدى.

كاك. كاك. كاك.

غراب يطير وينعق بحرية، بينما نحن الجنود، مقيدون بالشمس والتدريبات وعنف الأوامر وغلظة التكدير الجماعي لأي خطأ فردي، والطعام الرديء أو هكذا بدا لنا نحن القادمون من بين حنايا الأب والأم ودفء الأخوة في منازل المدن البعيدة.

حول جدول الماء المار بالمعسكر، يطير ويرفرف، ينعق في حين تكون الشمس متعامدة فوق الرأس والصخب في رؤوسنا، يطير، يطلق صوته، ويرفرف. وحين يكون الشوق والحنين قد جرفني نحو المدينة، ببحرها ومعالمها والكورنيش الذي يصادق صخب الموج ولفح الشمس، يرفرف الطائر، ويطير ويطير ويرفرف ويصخب ويصخب.

أنا لا أراه قبيحا. دائماً أتشوق إليه، عندما أسمعه، أشعر أن هواء رطباً يبرد صدري، ينعش ذاكرتي، المحرومة من تجديد لحظات الحنين والتمني؛ فحين تقسو التدريبات، تغلظ الأوامر وتصعب ونحن أسفل ذلك الهجير نمتطي القوارب، وندفع ماء ترعة النصر في دفعات هادرة من مضخات خاصة نحو الضفة العالية للترعة حتى تذوب رمالها بين أيدينا، وتختلط رائحة العرق بالوقود الذي يدير محركات القوارب، يصخب الماء ويهدر، يتغير لونه الطيني حتى يصير الماء بداخله موجات من الرمال الدقيقة السابحة في ذلك الخضم.

أراه بلونه الأسود الفضي اللامع تحت الوهج ينساب طائراً نحو قمة إحدى أشجار الجازورين الشاهقة، تلك التي تحيط معسكرنا والزراعات القريبة بعطرها الدافئ الفواح وأوراقها الناعمة الرفيعة الملساء، ترمي بظلها على الأرض الطينية، فينعكس في عيني وصدري دفء وظل ينطبع على خيالي، رؤى ورؤى ورؤى، لا يوقظني منها إلا صوت الرقيب زاجراً أحدهم لإهماله أو تقاعسه أو قلة همته.

كان التدريب هو القفز من فوق مبنى من طابقين إلى الأرض من دون وسائط مرنة. كنت أشعر أنني أؤدي التدريبات صحيحة وقوية، وأنا في حالة وجدانية. والغريب أنني لم أكن أشعر بها إلا بعد أن أنتهي منها كما يجب أن تؤدى.

كنت في العشرين، وكانت أغنية حليم "مداح القمر" المتفجرة حيوية وطرباً ونغماً من بعد طول زمن من الأغاني الكلاسيكية شبه الرزينة. كانت الأغنية تطوف البلاد والعالم العربي من أقصاه إلى أقصاه، تلك المليئة بالزغاريد ودق الدفوف والنغم المصري الشجي.

الأغنية تشيع في النفس جوا من الأمل وانتعاش الروح، غنى حليم "مواال. مواال. عاشق بقيت موال، وقصتي بتنقال. قالوا في الموال قالوا، عا اللي صبر ونال.. قالو، من بعد صَبر سنين .. قاالوا ..." من أغنية مداح القمر في حين أن القمر كان قد غاب عن سمائنا وصرنا في مسيس الحاجة إلى أن يهل هلاله أو فقط نرى قبساً منه في فضائنا، ذلك الذي كانت تمرح فيه بين حين وآخر طائرات سكاي هوك وميستير وفانتوم، وهي أشياء لا تنير سماءً بل هي تشعل الأرض ومن عليها.

عبد الناصر كان قمر مصر وبلاد أخرى. ولكن الأعداء، الغريب منهم والقريب، وتمكن العدو في لحظة استرخاء للانتباه ما كان يجب أن تكون، أن يوجه ضربة قاضية في الجولة الثالثة ليفوز فوزاً مدوياً، أطاح بكل أحلامنا تلك التي بدأت على الأرض أو التي ما زالت في الرؤوس، مما جعل حتمية ونتيجة الجولة التالية مرهونة في رحم الغيب، ليسدل عليها ستار الغيوم العميقة؛ فلم يعد بعد للقمر وجود.

في الأول من أغسطس 1970 وحتى نهاية يناير 1976 كانت مصر مجيّشة. قضيت في الجيش هذه الفترة التي كانت من أعصب الفترات، وقيل لنا أنتم دفعة 1/8. وكم كانت هناك عشرات من الدفعات!

كان لمصر صديق هو الأوحد الذي تملك خزائنه حر السلاح، الذي جادت به عقول سبق أن أبدعت سيمفونية شهرزاد وبحيرة البجع والحرب والسلام، إلا أن هذا الصديق كان حذراً مع مصر بشكل غاية في الغرابة، حتى أن عبد الناصر كان يقضي بين حين وآخر الساعات الطوال في الكريملين بموسكو، شارحاً لهذا الصديق، عِظَم المسئولية ومدى الخطر والتحدي الذي يقابله، عله يفلح في النهاية بنوال بعض ذلك السلاح الأثير لدى صديقه الحَذِر حَذِر الموت، أو بعضاً من الصواريخ المضادة للطيران المنخفض، أو المضادة للدبابات أو الأسلحة التي تفتح حقول الألغام أو تبطل التشويش على الرادار، أو ... أو ... أو ...

وقال الرئيس السادات الذي أعلن ذات صباح قيام الثورة: إن هذا العام هو عام الحسم.

كاك. كاك. كاك.

الصوت يطرق أذني ويرتد ماسحاً صداه كل ما حولي. يتردد ثانياً. ثالثاً. لم أكن منتبهاً إليه. ينزاح ستار كثيف من فوق صور المشاهد المشمسة كأنه يعيد طبعها من جديد. أمام البنايات العالية المتدرجة الارتفاع، مختلفة الأشكال والمكدسة سطوحها بأطباق الفضائيات، تلك التي ولت وجهها شطر الشرق، لعلها تلتقط ذلك الإرسال الذي طال انتظاره.

كاك. كاك. كاك.

طعامنا الميري الذي ننتظره ظهيرة كل يوم، بعد عناء التدريبات، كل شيء بطابور؛ فبعد الصحو طابور، عند بداية التدريب طابور، وفي نهايته طابور، وعند كل طابور تنطلق حناجرنا بهتاف التشجيع الذاتي. هوب. هوب. هوب. حتى أن أحد المستشارين الروس الذين كانوا في قاعدة تجاورنا، سألنا ذات يوم ونحن (طلبَه) لتفريغ شحنة من الطعام الخاص بالوحدة الروسية، ذلك المكون من علب المربى والجُبن وخبز "التوست" المغلف في عناية. قال مقلداً لهجتنا العامية "طول النهار هوب. هوب. هوب." وأبدى علامات التعجب والدهشة. نظرنا إليه بابتسام، ولم نعلّق.

الطعام دائماً يأتينا وفير النشويات شحيح البروتينات وكنت أعجب، ولم أجد حينها ما يزيل عجبي، لماذا يصرفون لنا اللحم منفصلاً عن الطعام عند وجبة العشاء فقط، حيث تسدل الظلمة أستارها؟ فلا نرى شكل اللحم وربما أيضاً ونادراً ما نحس بطعمه أو رائحته. كان موضوع اللحم سبباً رئيسياً في بعض الأيام للتندر والفكاهة والخروج من دائرة الشمس المسلطة على رؤوسنا وأجسامنا الحمولة التي تدب فوق الأرض. تنطلق التعليقات اللاذعة التي تحملها لهجات مختلفة، حين يصرخ أحدهم ساخراً.

"يا بوي هل هذا لحم؟"

يعقب آخر: "كل واحمد الله."

"الحمد لله. الحمد لله." يردد الجميع من أكل منهم أو لم يأكل.

شااَاًاَ اَاَاَاَ اَاَاَاَ ك اَاَاَ اَاَ هَهَ

مرقت طائرات الميج والسوخوي الروسية.

ذات صباح تركنا معسكرنا الأساسي، محملين، مكدسين فوق لوريات الجاز 51 و 53 الروسية رملية اللون، منتقلين إلى مكان ما، دائماً نحصل على إجابات غامضة لأي سؤال. قالوا لنا: "التحرك في الصباح الباكر." لما سألنا "لماذا؟" لم نجد إجابة. قالوا: "سيكون الذهاب إلى مركز التدريب." سألنا "أين؟" لم نجد إجابة، رغم أننا ذاهبون إليه. ظللنا طوال الوقت يحمل كل منا متاعه داخل المخلة البرميلية الشكل سميكة القماش، بلا زاد، بلا ماء. اللوريات تقطع الطرق عبر المدينة أو الضواحي.

أنظر. أتأمل. أغوص في نفسي. أنفصل عمن حولي. الطرق، هل أعرفها أو لا أعرفها، لكنها تظل غامضة كأنني متوجس من الأماكن التي سيشحنوننا إليها. لا أعرف. هل هي خير أم شر. وكل ما أمامي لونه كاكي. مصر كلها مجيّشة. البيوت، الجنود وعرباتهم المنتشرة في كل مكان.

كان الجو صيفياً شديد الحرارة والرؤوس يحلق فوقها خطاب الرئيس ذلك الذي ظل يذاع عقب النشرات، مراراً وتكراراً طوال اليوم، قائلاً بكل الإصرار والثقة بالصوت الأجش الواضح عميق النبرات: "إن هذا العام هو عام الحسم ...".

فيما بعد، حُكي أن الرئيس، في اجتماع للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، قال شارحاً أسباب إنهاء مهمة الخبراء الروس في مصر:

"لا يمكن أن نبتدي عملاً والمستشارين في وسطنا. وسط قواتنا. ده مستحيل. معركتنا نعملها إحنا ونتقبل كل ما هو مقدر لأن هذه هي الحقيقة. ولازم نثبت أننا نستطيع أن نناضل ونضحي ونحرك الموقف؛ لأن الحل السلمي المعروض لحل الأزمة كان استسلاما لا سلاماً وأن هذا العام هو عام الحسم."

عند المغيب وضعنا أجسامنا داخل عربات قطار الدرجة الثالثة المتجه إلى مركز التدريب. بعد قليل، كنا قد استرخينا كلٌ على وضع متاح. ومع صوت القضبان المنساب مع حركة القطار، تداعت في رأسي وقائع أمسيتي الأخيرة قبل ذهابي في الصباح إلى مركز التجنيد.

كانت المطربة نجاة الصغيرة تحيي حفلا ساهراً شدت فيه بأغنيتها "دوبنا يا حبايبنا"، تلك الرقيقة العذبة وهابية اللحن. ظلت النغمات تصدح في رأسي. تأخذني من محطة إلي محطة، محلقة معي في الفضاء الخارجي صوتها العذب:

قمري يا قمري
يا حبيبي يا قمري
اسأل على ليلي
على ليلي وسهري
قمري يا قمري
اسأل ...

ظل القطار يصلصل بنا ويتأرجح متمايلاً بين القرى والحقول، يبطئ حيناً، يزيد التقدم حيناً، حتى ألفينا أنفسناً وعقارب الساعة تعانق العاشرة مساءً والقطار يقف بمحطة صغيرة بسيطة البناء والجو المحيط كله مشبع بندى الريف وصمته القادر على كل الأنحاء إلا من نقيق ضفادعي متبادل يؤنس وحشة هذا الليل.

المحطة مظلمة ولا يضئ في المكان سوى مقهى بني من الجريد. وقد أنير مصباح كهربي على استحياء أمام بابه الخوصي، حينئذ قطع السكون والنقيق صوت مذياع يجلجل مؤطراً الفضاء بإذاعة أم كلثوم تبث صوتها الساحر، سنباطي اللحن، شادياً بـ
هلت ليالي القمر
تعالى نسهر سوا (ذهبنا)
في نور بهاه
يحلى ما بينا السمر
ويطول حديث الهوى (طال)
سر الحياه
يصعب علي تفوت لياليه
من غير ما اشوف حسنك جنبي

ظلت الست تعيد هذا المقطع منغماً بشتى صنوف النغم والأداء حتى أنهت أغنيتها وصوتها يهدل ناعماً: "واشوف بعيني الوصال، والبدر شاهد عليه ..." ونحن مقعون فوق الرصيف، وأنا موقن أن الزملاء ومخاليهم تنصت خاشعة إلي هذا الصوت الذي أرسله الله لنا في نهاية ذلك اليوم المحتشد بالأفعال، ربما توطئة لأن نعتاد احتشاد الأيام الآتية، لكن المؤكد أن الجميع قد أراحهم سماع صوت هذا الغناء كثيراً.

في الصباح، وبعد نومة هانئة في الهواء الطلق، مفترشين "المشمعات" ملتحفين ببطانيات رمادية اللون أثيرة لدى الجيش، كان الصباح مرصعاً بطيور الغربان السوداء اللامعة، سابحة في الفضاء ناعمة، تطلق عقيرتها بنعيق، لا زال في أذني شجياً، ربما أنا الوحيد الذي يسمع هذا الصوت فيراه جميلاً، لا يؤخذ عليه شيء من قبح.

نعم الغراب مثله مثل أي طائر، فلم يجعلونه رمزاً للتشاؤم ونذير شر؟ فطوال شهور قضيتها في مديرية التحرير، رأيته في كل مكان في قرية بدر، وعلى الطريق، وفوق الأشجار والحقول، فوق الإسمنت اللامع الصقيل النظيف للطريق الخالي الذي يطول ويطول متقاطعاً في مواقع كثيرة أراه يتبختر فوقه بهدوء وأمن. ما أن نقترب منه حتى يهش طائراً في هدوء ناعم بعيداً عنا برشاقة سمكة تتلاعب في الماء.

كاك. كاك. كاك.

شااأا ااأا اااا ك ااا اا ه ه ...

مرقت طائرات الانتيتوف والاليوشن الروسية..

غنت شادية:

شفت القمر على طلعتك
بالي انشرح
وقلت إمتى لطلعتك
يجي الفرح
أنا قلبي طاار م الشوق إليه
راح للنجوم يسأل عليه

تلك أغنية رائعة في ذلك الحين. دائماً تذاع على موجة إذاعة الشرق الأوسط عصر كل خميس؛ ففي الوقت الذي انتظر فيه القطار على محطة إيتاي البارود ومع أن تصريح خروجي من المعسكر يكون في العاشرة صباحاً. إلا أنني كنت أصل محطة إيتاي –طريق كوم حماده– حوالي الساعة الثانية بعد الظهر؛ فانتظر القطار القادم من القاهرة والذي يصل في الثالثة ما أن أضع قدمي في محطة إيتاي المبنية على الطراز الإنجليزي ذي القرميد الأحمر والرصيف الطويل المواجه لترعة المحمودية، تلك التي تصادق عين الراكب حتى يصل إلى محطة دمنهور، باعثة نسيماً عليلاً في جنبات القطار المفتوحة نوافذه جبراً أو اختياراً؛ فبعد بضع خطوات على الرصيف يكون موعدي مع هذه الأغنية، المنطبعة ما تزال في ذاكرتي.

كنت حينئذ أتلهف للعودة إلى البيت وإلى شوارع حي الإبراهيمية، محلاتها، أضوائها مستعرضاً سينمتيها: لاجتيه وأوديون، ومسرح اللونابارك. كان هذا الشعور بعد مضي أيام في مركز التدريب يبهجني كطفل ذاهب إلى نزهة، دائماً صدري منشرح مفعم بإحساس أنني أديت ما علي من واجبات في التدريب ولم أخطئ أخطاءً تستوجب حبسي بالمعسكر، وحرماني من الإجازة، تلك التي يكون انتظارها طوال الأسبوع نعمة تطفئ بعضاً من السعير اليومي كي يكون من حقي الاستمتاع بإجازة ومحاولة تحقيق ذلك الأمل الكائن في خيالي والذي لم يكن واضحاً من سماته، سوى عينين وشعر كستنائي كثيف ومرسل.

كان المستقبل حينئذ أملاً غامضاً، خطوطه المتقاطعة لا يعرف على وجه اليقين من أين بدأت أو إلى أين تنتهي. هوايتي ومتعتي المشي لمسافات بعيدة، ربما لِتَرك الخيال منطلقاً في مساحات مكانية غير محدودة أجول بداية من البيت الواقع بحي "الإبراهيمية" هابطاً الطريق بجوار كلية الهندسة، فرعونية الطراز، ثم إلى شارع أبي قير، مواصلا السير مخترقاً شارع فؤاد ببناياته العتيقة المتجاورة.

أسير، تتزاحم الأفكار والأحلام وصوت آلات التنبيه في رأسي حتى تطغى على كل الصور التي تطرأ على عيني، البيوت وطرازاتها، زخارفها، النوافذ، الأبواب، الزجاج، المصابيح، طفل يلهو بلعبة أو شيء ما. فتاة في شرفة، في سيارة، في الطريق، تكون في حال انطباق المواصفة عليها من لون العين أو الشعر أو الملامح هي رفيق لحظات التخيل، ودائماً البداية، موقف ما، أنقذ فيه الفتاة – هكذا يبدأ التعارف- لكي تكون فيما يلي لحظات هنية معاً، تكراراً لمشاهد في فيلم ما، أو تخيلاً لمعاني في أغنية ما، حتى إذا ما صادفتني رؤية أو مشاهدة أخرى .

تكرر السيناريو، المشاهد، الأغنية، وأنا أسير وأسير وأسير. تتداخل الطرق، شوارع مرصوفة، تحفها الأشجار الظليلة، أو الفيلات الأنيقة أو العريقة ذات السياج المزين دائماً بزهور الياسمين، عند باب شرق، ودروب ترابية يعلو غبارها فتخلق سحابة غبارية صفراوية اللون تطمس بعض ملامح البيوت والدور الجانبية. أواصل السير حتى البحر، لأجد السماء فضاءً دائرياً، فأسير وأسير ..."

كاك. كاك. كاك.

أيامها كنت أستغرب لحال بعض زملائي من أهل الصعيد، الذين يعتبرون بقاءهم داخل المعسكر خلال الإجازات، هو من الأمور العادية التي لا تستوجب قلقا أو حزناً على عدم النزول في إجازة، ربما لأنهم اعتادوا الغربة في سن مبكرة.

لكن الذي كان يحفزني دائماً للعودة إلى البيت في الإجازة هو وجه أمي. أمي وجه قمري، باش مشّرب بسمرة لطيفة و ذو بسمة مشرقة وضاءة الأسنان بيضاء لامعة بينها فالج. كانت أمي تقول لنا في وصفه: إن الذي لديه مثل هذا الفالج في أسنانه العليا الأمامية يكون "مُسعدا". ورغم قناعتها تلك إلا أنني كنت أرى أنها هي "وجه السعد" على الآخرين وأن هذه الأم أسعد الناس، رغم أن كل ما يحيط بها ليس باعثا على أي سعادة بالمرة، إلا في القليل النادر الذي تخلقه هي وتحوره من بؤس إلى سعادة ووجه أمي هو البدر.

وحديثها أعذب الأحاديث، حتى أنه بعد رحيلها، صرت لسنوات عديدة لم أسمع حديثاً من أحد مثل حديثها، إلا من لحظات الحوار مع شقيقاتي فألمح بعض شذرات من حديث أمي، فأتذكر حينئذ وجه أمي البدري ذي السمرة الرائقة.

أما عن طهوها فلا تسل؛ لم أذق من بعدها طعاماً له هذه الحلاوة والمذاق وكم كانت تستوصي بي في أنواع الطعام ذات الروائح الزكية، حسنة الطعم، حتى أنني كنت أتناول بمفردي من طعامها ما يوازي طعام أكثر من فرد، ورغم إحساسي بالشبع إلا أنني كنت أتوق إلى لذيذ طعمه وشهد مذاقه.

كان حنانها ودفئها وهي تستمع مني لكل الأحداث منذ غادرتها آخر مرة حتى لحظة رأتني واقفا بالباب مرتدياً الأفرول والبيريه الميري، فترفع يدها بتحية شبه عسكرية صائحة في بشاشة "حمد الله على السلامة يا حضرة اليوزباشا" فأرد التحية محتضناً إياها غامرا وجهها القمري بالقبل، ولم أكن أعجب من أمي التي تمنحني رتبة اليوزباشي! نظل نتسامر، وأحكي لها وأستمع لتعليقاتها ذات الطابع الدعابي، ولا يفوتني أن أذكرها بين الحين والآخر أن هذا العام هو عام الحسم، فتدعو لي وللآخرين بالنصر على الأعداء.

من بعدها لم تعد لي طاقة للحكي مع أحد، أي أحد؛ فأنا صرت صموتاً أو مختزلاً للكلام، خاصة عن نفسي، كأنه لا أذن تسمع إلا أذن أمي، ولا عين تراني جميلاً إلا عين أمي، ولا يد حانية رقيقة الأنامل، مثل يدها حتى ولو كانت هذه اليد هي يد أجمل البنات.

رويت لأمي عن تدريباتنا المشمسة المغموسة في العرق، وتسلق حبل العقد لأربعة طوابق، وفي نهايته شارة قماشية ملونة، علينا التسلق والحصول على الشارة والهبوط للأرض خلال دقيقتين فقط، وما كان يحدث أحياناً من سقوط أحد الزملاء منطرحاً على ظهره، وسط سرور يبدو مكانه مستحيلاً في هذا الظرف. "ربنا يسلمكم"، هكذا علقت أمي.

وحكيت لها عن تدريب عبور النار وهو عبارة عن حجرة بمساحة ثلاثة أمتار في ثلاثة أمتار مشتعلة تماماً وعلينا أن نمر من خلالها. أما عن طابور السير، عندما تأتينا الأوامر بالسير لمسافات طويلة، لا نقوى فيها على الصمود لهذا الهجير الظامئ، إلا بوضع (زلطة) صغيرة تحت اللسان، حتى تقينا العطش، كانوا يقولون لنا: هذه "الزلطة" أهم من السلاح في الصحراء حتى إذا عطشنا أو نفذ الماء أسرنا، حمتنا هذه "الزلطة" من الموت.

كنت عندما أفرغ ما في نفسي على مسامعها أعود وليداً، وكأن الحياة تبدأ دورة جديدة بكل ما فيها. هكذا كانت لي أمي. الوحيدة التي تطلق علي ألقاب البطولة والشجاعة، حتى لتشعرني أنني بالحق لست فقط جندياً بالجيش، وإنما أنا بطل فيه فقد كانت تعتبرني أفضل الشباب، وأحسنهم أدباً وأجملهم صورة. لم تكن ترى فيّ عيبا حتى إن رأت في لحظة من الغضب، عادت فمسحت ذلك الشعور الغاضب، كأنه لم يكن ولم يحدث. رحــم الله أمي.

تظل شادية تغني "شفت القمر على طلعتك بالي انشرح"، وتظل كلمة القمر تروح وتجيء داخل رأسي وحولي مرسومة، في السماء التي تطبق الآفاق في ذلك الوجود الخالد الذي ران حضوره على كل المخلوقات.

ويصل القطار. أصعد. يتحرك الجميع في هدوء آمن، القضبان تعزف نغمها الأثير. كل هذا والسماء الصافية ذات السحب الرقيقة الموشاة بطيور سابحة. وحواف الزروع المتأججة بالخضار، تنتشي حولي "شفت القمر، آه ه ه، شفت القمر".

كاك. كاك. كاك.

شااأا ااأا اااا ك ااا اا ه ه ...

مرقت أسراب من الطائرات الروسية.

السماء فضاء أكتوبري. صبغت بلون البحر كلما هبط، أبيض لونها حتى تلتحم بالأفق الرملي الأصفر. صمت يحدد أطر التباب والكثبان وبعض الأشجار وصفحة القناة والحصن المزروع على شاطئها الشرقي. تنشق السماء عن أسراب متتالية من طائرات الميج والسوخوي والأليوشن، تعبر شرقاً في ارتفاعات منخفضة، يمحو صوت انشقاق السماء صمت زمن مضى كأن فرقاً موسيقية تعزف لحناً جديداَ لمؤلف، لا جدال في عبقريته، ذراعاه فلاحية، وقدماه عمالية، أما الرأس فهي نتاج رؤوس آمون ـ رع وحورس وأحمس و... و...

هدرت مدافع اللواء الماحي وصواريخ أرض أرض، كأن كل قبائل التاريخ المصري قد قرعت طبولها مرة واحدة من بعد صمت طويل، في تلك الظهيرة المقدسة، كي تحدث هؤلاء القابعين داخل الدشم الإسمنتية على الجانب الشرقي: لقد سمعنا صخبكم وصلفكم زمناً، وآن الأوان أن تسمعوا رداً على ما كان. هدير ورعود الحق، ودم. دم. دم. دم. دم. دم.

القوارب تعبر القناة فوق جناح التكبير وأذرع المجاديف. الماء يبتلع القذائف المنهمرة فوق الرؤوس؛ ليلفظها، نوافير نوافير عالية قد تحمل الموت، لكنها ترطب الهواء والسماء لهؤلاء الأجناد، نتاج الأرض الطيبة ووحدتها العريقة بين اليمين والشمال، الصليب والهلال، تعينهم على خوض غمار تلك الظهيرة التي طال انتظارها، تحرق بلهبها ولظاها جحافل العدوان.

عبور قناة السويسعبرت مجموعتي. تسلقت الساتر الترابي المرتفع أمتارا، ثبتنا سلالم الحبال فوق القمة، أخذنا نلوح لقوات المشاة العابرة خلفنا في ضجيج محموم، لاقتحام خط بارليف الذي اكتسب شهرة دعائية بناء وسلاحا، وبسبب هذه الشهرة كان اقتحامنا له وتدميره ليلحق بالخط الشهير (ماجينو) نصراَ عسكريا لنا هائلاَ بعيد المدى فالجنود الصهاينة فوقه وداخله مدججين بالعتاد، ليحاربوا من خلف حصونه مختبئين.

فوجئوا بمواجهة عشرات الآلاف من المقاتلين الذين لوحتهم الشمس ولوحت ستراتهم، فصاروا كالأشباح يمرقون من تلك الحصون بأية وسيلة وبأي ثمن، ليس مهما لكي نسكت مدفعا يزخ زخات الرصاص لحصد الجنود وإيقاف هجومهم، أن يرتمي مقاتل وبعده مقاتل أو حتى عشرة مستشهدين أمام فتحة النيران لهذا المدفع، حتى يسكتوه ويدمروه بقنبلة.

كان تقدمنا ناحية مدينة القنطرة (شرق). شاهدنا عربات محملة بالمؤن، تعاملنا معها، دمرناها. وانتظرنا في كمائن أية قوات معادية تتقدم لنجدة أو مساعدة القابعين خلف الخط الذي انهار مع الهجمات الأولى في الحرب.

كنا أحد خمسين موقعاً لاصطياد الدبابات الإسرائيلية في كل ميل من الجبهة تحاول التقدم إلى شاطئ القناة لصد القوات العابرة. أحدثنا خسائر جسيمة للعدو خلال اليومين الأولين، اصطدنا من دبابتهم الكثير، كما لو كنا نصيد بطاً في البرية، وأبطلنا أي محاولة للتقدم؛ فاستعان العدو بطائراته التي راحت تهوي تباعاً كما لو كنا نصيد حماماً.

نصبنا كميناً بمجموعة قذائف (آر. بي. جي) المضادة للدبابات. بعد وقت سمعنا صوت جنازير دبابات قادمة تجاهنا، كان طابوراً مكوناً من أربع دبابات (أم 48) وخلفها مركبتان ( ام 113).

كنت أتخذ ساتراً. عبأت الصاروخ داخل المدفع وسمعت صوت تكة، تمام التركيب. ارتكزت على ركبتي اليسرى والمدفع فوق كتفي الأيمن وما أن صارت الدبابة الأولى في مرمى النيران، أحكمت النيشان على المنطقة الأمامية عند نقطة الاتصال ما بين البرج والجسم تحت القبة. ضغطت الزناد؛ فانطلق الصاروخ صارخاً ملهبا، في ثوان دوى انفجار.

اشتعلت الدبابة. حاول من بداخلها الهرب، فاصطادهم باقي أفراد الكمين ليتناثروا حول حصنهم المحترق، تيقنت أن هذا الطابور سيرتد ولن يتقدم. فتحت الدبابتان الثانية والثالثة رشاشاتهما على أجناب الطريق، وأطلقت إحداهما دانة على موقعي. حينها لم أشعر بشيء.

ومرقت طائرات السوخوي والميج.

شاااا اااا ها ااا اااا اااا .

كاك. كاك.

كانت الشمس مائلة إلى الغروب.

ما زال الدوّي في رأسي، جسمي يتطوح، مددت ذراعي أستند عليها. وقعت على الأرض. نظرت إلى يدي. لم أجدها. والدم يتناثر قانياً حولي. أحسست بعطش رهيب. بإلحاح طلبت من زملائي كوب ماء، كان العطش قد بلغ بي حداً شديد الظمأ. أجريت إسعافات وجراحة لوقف النزيف.

كان الجو في المستشفى العسكري معطراً بالأناشيد الوطنية وبهذه الروح التي غلفت الجميع. تذكرت بعد ذلك كيف أن الناس كانوا بالغي التسامح والرأفة والحنو في كل كلمة أو حركة، ولكأن المصاب ينسى، إن كان واعياً إصابته، مهما عظمت أمام هذا الطوفان الجامح من طيبة المشاعر وصدق الأحاسيس.

بعد رحلة علاج مضنية وجراحتين تهيأت لتركيب جهاز تعويضي؛ فكل الأجهزة الحديثة كانت متوفرة وقتها، والرعاية البالغة بالأفراد تكاد تبلغ حد الكمال، ظننت حينئذ بعد عديد من التجارب والقياسات أنه سوف تكون لي يد بديلة عن اليد المفقودة، أستطيع أن أقوم بكل ما كنت أعمله في السابق. ارتديت الجهاز وأنا مشتاق لأن أرى كيف سيعمل هذا الجهاز أو هذه اليد البديلة التي لم تولد معي، كان الأمر يحوي توجساً وقلقاً غامضاً داخلي دائماً ما كنت أئده حتى لا يستفحل فيفجر في نفسي خوفاً عارماً.

قال لي الاختصاصي: إذا أردت أن تمسك بكوب مثلاً ... وأخذ يشرح لي أن أدفع الذراع بقوة للأمام لكي تنفتح الأصابع، التي تعمل بخيوط النايلون القوية، وأدخل الكوب بين إصبعي الإبهام والسبابة، ثم أضغط بالكوع إلى أسفل فيتم غلق الإصبعين على الكوب، فأرفعه وأتناول ما به.

بعد أن أنهى الأخصائي شرحه الواضح المملوء بالثقة نزعت الجهاز عن ذراعي، نظرت إليه شاكراً، وأنا أهم بالانصراف تاركاً الجهاز والمكان، بينما الرجل وقف مبهوتاً.

في هذه الأثناء كنت قد عقدت النية على ألا أستخدم هذا الجهاز، وقلت لنفسي: إذا كانت تلك إرادة الله وقدري، فلن أغيرها. ربما أكون على غير صواب، لكن شعوري وإحساسي يمليان علىّ هذا، فلأكن بذراع أو يد واحدة.

قررت بعد ذلك أن أستخدم يدي اليسرى للقيام بكل ما كانت تقوم به يدي اليمنى. سأكتب بها. خضت تجربة صعبة وقاسية. اخترت من القرآن الكريم الجزء الثلاثين المسمى بـ "جزء عـم" أخذت أنقل بيدي اليسرى الكلام كلمة كلمة. هذا حرف منحرف لا يبين أن كان حاء أو عيناً. أتعبني الشكل الدائري لحرف العين والحاء وما شابههما وكيف أشبك الحروف ببعضها البعض، وأضع التشكيل فوق الحروف مثلما هي في الكتابة القرآنية.

بعد أسابيع أحسست أنني قادر على استخدام يدي اليسرى في الكتابة بطريقة سهلة نسبياً ومقروءة، حتى أنني حاولت بعد ذلك إصلاح بعض الأجهزة الكهربائية، كما كنت أفعل في السابق، إلا أن المحاولة انتهت بلسعة مفزعة من التيار الكهربي جعلتني أؤجل المحاولة إلى وقت آخر غير محدد.

وتحت وطأة الإحساس بضرورة التغلب على هذه العلة، لم أكن أقبل أي معاونة، فإذا حاولت القيام بعمل ما وقام أحد ممن حولي بتقديم المساعدة، أي مساعدة حتى لو كانت بمد إصبع، لآلمني ذلك وجعل صدري ضيقاً.

شاااااك هووو وَوَوَوَ هَ هَ هَ هَ

مرقت طائرات (الميراج 2000) وخلفها طائرات (أف 15). وابتعدت. ابتعدت، وانعدم صوتها في الفضاء، حتى الظل النجمي لها لم يعد سوى تهويم نظري لا تلحظه العين.

كاك. كاك. كاك.

انفصل الطائران.

كاك. كاك. كاك.

قام من جلسته. اتجه صوب الممشى الأسفلتي الطويل. من منتصفه سار متجهاً صوب الباب الكبير المشّيد على شكل هرمي، وهو يخطو وئيداً. تناهى إلى سمعه صوت إيقاع موسيقي، لطبول تدق مارشاً عسكرياً لمقدمة أغنية حليم، الذي تهادى صوته عميقاً شجياً في إصرار وكبرياء منادياً وإيقاع الطبول مازال سابغاً:

خلي السلاح صااحي، صااحي، صااحي.
لو نامت الدنيا، صاحي مع سلاحي

...

سار مبتعدا في مشية واثقة. بدا كما لو كان يسير في طابور خفي هو يتقدمه، لكن قامته كلما ابتعد باتجاه الباب كانت ترتفع عالياً، أكثر فأكثر فأكثر.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3096091

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC