أشواق مليباري - السعودية

كروان الفن وبلبله

انتهى يوم حافل بالنشاط، وهبط الظلام. كان الصغير يمص إصبعه ويسحب طرف ثوبها بيده الأخرى يطلب منها حمله، فيما أمسكت هي بكيس النفايات الأسود الممتلئ، حملته بيد واحدة ورفعته عن الأرض.

اتجهت صوب باب الشقة والصغير يتبعها متوسلا وقد بدأ بالبكاء، استوقفتها ابنتها الكبرى تشتكي من طول الواجب المنزلي، وعجزها عن إنجازه بمفردها.

في الغرفة تشابك بالأيدي وصراخ حول لعبة بين البنتين، حاولت الأم إنهاءَه مهددة من بعيد برفع اللعبة سبب النزاع. حملت الصغير من تحت إبطه بيدها الأخرى وسلمته لأخته الكبرى التي ما زالت تلح في طلبها ولم تُنْهِ شكواها بعد، وطلبت منها أن تنتظرها، وتضع الصغير في حجرها إلى أن تعود.

خرجت أخيرا من الشقة وأقفلت الباب خلفها تحمل الكيس إلى الفناء، اتجهت حيث الحاوية، وضعت الكيس بسرعة وقفلت راجعة، حين مرت من تحت عريش الياسمين، هبت نسيمات باردة أنعشتها وملأت رئتيها، عندها شعرت برغبة في البقاء وحدها لدقائق، فبعض الهواء النقي يخفف من حدة التوتر ويجلب لها السكينة.

القطة المشردة بفروها الأبيض ذي البقع العسلية والسوداء كانت تراقبها بعينيها الصفراوين اللتين تلمعان خلف الشجيرات، وتنتظر اللحظة المناسبة كعادتها كل ليلة، قفزت حين رأت المرأة سارحة في خيالها وقد سقط منديل شعرها دون أن تشعر به.

بدأت المسرحية الغنائية. اقتربت القطة من المرأة، أولا الذيل المتراقص مرحبا ومعبرا عن السعادة، ثم العيون تتسع وتومض كالنجوم بنظرات المسكنة والاستجداء، وأخيرا الغناء الذي قطع السكون. مواء متصل ومزعج تقول فيه:

آه، لم آكل منذ يومين.

ليس لدي مأوى لأنام.

المشاكسون الصغار يركلونني بأرجلهم.

انتبهت المرأة إليها وشعرت بالضجر، تذكرت أن هناك الكثير من الأعمال تنتظرها، وهذه القطة المتطفلة عكرت مزاجها كما تفعل كل ليلة، فهي تلح كابنتها الكبرى تماما، وتكاد لا تنقطع عن موائها المزعج.

أدارت لها ظهرها وقامت لتدخل إلى الشقة، وقبل أن تغلق الباب خلفها تذكرت صديقتها اللبنانية على فيسبوك، حينما حدثتها عن القطة التي تضايقها وتتبعها كل ليلة، فقالت الصديقة بلهجتها المحببة: "أعطها أكلاً، أعطها كرمال الله يحفظ ولادك".

ابتسمت وقالت في نفسها: لمَ لا؟

دخلت الشقة واتجهت إلى المطبخ، أخرجت من البراد قطعة دجاج من بقايا العشاء، وعادت إلى الخارج، وضعتها أمامها فحركت القطة ذيلها في فرح.

ضحكت المرأة في سرها، تذكرت أغنية قديمة لأنور وجدي وفيروز الصغيرة:

كروان الفنّ وبُلبُله

مش لاقي حد يؤكله

عادت إلى الداخل لتنهي ما عليها وتجهز الصغار للنوم.

هدأ البيت أخيرا، وحان وقت الاسترخاء والقراءة. حينها بدأت القطة تموء مرة أخرى بصوت مرتفع، أغنية جديدة تعبر عن شكرها للمرأة وإعجابها بطبخها، أغنية أفسدت عليها ساعة الاسترخاء، وأرّقتها فلم تستطع النوم إلا حين انتهت.

في الصباح ركضت الصغيرة إلى أمها آتية من الفناء: "ماما، القطة لديها صديقة. تعالي وانظري".

خرجت المرأة لتجد الفنانة تتمشى بين الشجيرات وبرفقتها قط يشبه النمر. برتقالي ضخم يموء بصوت أجش ويحرك ذيله بخيلاء.

قالت متهكمة: "أجل أغنية الأمس استقطبت المعجبين بالتأكيد".

استمرت الحفلات بعدها ليال أخرى بمشاركة الموسيقار النمر، فمواويله الحزينة كانت فقرة تسبق أداء الفنانة، وغدت كل مهدئات الصيدلية عديمة النفع مع الصداع الذي رافق المرأة.

وفجأة اختفى الصداع باختفاء المواء المزعج، وعاد الهدوء يعم أرجاء الفناء ليلا.

بعد عدة أسابيع، وبينما المرأة تقترب من حاوية النفايات، وإذا بها تسمع مواء خفيفا من خلفها، تنهدت وهزت رأسها، لا بد أن الفنانة عادت من جديد.

جلست قليلا في الفناء، لكن الفضول تملكها حيث أن القطة لم تظهر، عادت واستدارت حول الحاوية لتجدها ملقاة على الأرض. حين انتبهت القطة لوجود المرأة رفعت رأسها وحركت ذيلها وبدأت بالمواء مجدد ولكن بلهجة أخرى:

ساعديني. ليس لدي مكان ألجأ إليه. وأنا، وأنا مثقلة بحملي.

تسمرت عينا المرأة ببطن القطة المنتفخ، وشعرت بالحزن والشفقة على حالها.

هرعت إلى صندوق قديم في إحدى زوايا الفناء، حملته ودفعت القطة للدخول فيه، ثم وضعته في زاوية بعيدة، تركته وعادت بعد دقائق ببقايا طعام العشاء، قربتها من القطة التي امتنعت عن أكلها واستلقت منهكة خائرة القوى.

لم تسمع الموسيقى تلك الليلة، لكن الغريب أن المرأة لم تنم جيدا وغزتها هواجس وأحلام لذكريات مؤلمة قضتها بين الألم والانتظار، والدعاء وفرج يأتي مكللا بالدموع مع صراخ طفل صغير.

استيقظت في الصباح، وما أن ودعت الصغار المغادرين إلى مدارسهم حتى تذكرت الصندوق فأسرعت إليه، وكانت المفاجأة.

لقد رزقت الفنانة بثلاث هريرات يتزاحمن على حضنها وهي تلعقهم بحنان، ابتسمت المرأة وتجمعت الشفقة والرأفة في قلبها فأحضرت المزيد من الطعام، ووسادة قديمة لتنام القطة وصغارها عليها، وغطت فتحة الصندوق بحرام قديم لتمنع عنها تيارات الهواء البارد.

قطةلكن تلك الشفقة والعناية كانت غلطة؛ غلطة بالتأكيد، فبعد عدة أسابيع بدأت الحفلات المسائية تأخذ طابعا مختلفا. تحوَّلت إلى فقرات متتالية من المواويل والغناء الأوبرالي وبعض الموشحات إلى أغاني البوب وحتى الغناء "الحلمنتيشي".

حينها، اكتشفت المرأة أن الهريرات الصغيرات اللطيفات ما هي إلا امتداد لموهبة الأم الفنانة، والأب الموسيقار.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3257098

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC