فراس حج محمد - فلسطين

تحليل ديباجة خطبة جمعة

ديباجة خطبة جمعة تقليدية
من المختارات الأدبية

صاحب النص:

فراس حج محمداعتاد خطباء المساجد التقليديون أن ينهوا خطبهم بنص يمتاز بجودة السبك والفنية العالية من الصياغة المحكمة، وكثيرا ما كنتُ أسمع هذا النص من إمام المسجد عندنا في إحدى قرانا النائية، وهو إمام على الرغم من علو سنه إلا أنه لم يكن متجهما، ولا يشبه أولئك الخطباء المتقعرين في الكلام، وإنما تغلب عليه روح الدعابة، ويحبه الجميع الكبير والصغير، وقد ترك في عقول الكثيرين منا كمّا لا بأس به من التعليقات الفكهة التي كان يُطلقها على كل من لا يعجبه، أو تعقيبا على موضوع يتناوله بعض من يعطي درسا في المسجد يوم الجمعة أو خلال الصلوات عصرا أو مغربا، لاسيما تلك الموضوعات المتعلقة بالمرأة أو العلاقات الزوجية وحقوق الرجل وما شابه ذلك، وما يكاد الإمام ينهي حديثه إلا وترى ارتياحا وانبساطا على وجوه الموجودين العاميّ منهم والمثقف، وقد وصلت الأمور أحيانا ببعض الناس إلى دفع الإمام للتعليق والحديث لعلهم يظفرون بما يسري عن نفوسهم المكبوتة غير آبهين أنهم في المسجد، ولن أكون متعديا حدود الحقيقة إن قلت: إن تعليقاته تكتسب طعما خاصا لأنها لا تنطلق إلا من المسجد، ولا تقف عند حدوده المكانية أو حدود الموقف الزمانية، بل تسري بين الناس لتكون مادة خصبة للتعليق طوال الأسبوع، وطالما تستذكر بعد ذلك كلما سنحت للناس فرصة من قريب أو بعيد!

أهمية النص:

يشكل النص المختار جزءا من خطبة جمعة، وهو الخطبة الثانية قبل الدعاء، والنص موضع الحديث ليس من إبداع إمامنا، ولكنه مأخوذ عن بعض الكتب التي تهتم بتصنيف خطب الجمعة، لتكون زادا للخطباء ذوي المقدرة المحدودة في إنشاء الكلام وتدبيجه.

وعلى الرغم من أن النص يحمل جماليات متنوعة في صياغة عباراته إلا أن الأجمل من ذلك هو طريقة إلقاء إمامنا له، وحرصا مني على هذا النص فقد طلبته من إمامنا- أطال الله بقاءه- لأساهم في توثيقه خشية ضياعه، فلعلني لم أجده في كتاب، وقد قام مشكورا بكتابته لي بخط يده، مظهرا حرصه على تقليد شيوخنا الكتّاب القدماء في إنهاء الكتب والمراسلات، حيث كتب إمامنا-حفظه الله- في نهاية ما كتب العبارة التالية: "والسلام عليكم، كتب هذه الحروف خادمكم المطيع الشيخ عزت إمام قريوت (*) سابقا"، وفي سطر ثان يكتب: "جزاه الله عنا خيرا"، مع اهتمامه كذلك بوضع التاريخ: 1/6/2009.

وكم تشعرك عبارة (خادمكم المطيع) بالتقليدية المفرطة، إلا أنها تشعرك أيضا بتواضع معروف عن شيخنا، الذي أصبح يرفض أن يؤمّ أهل بلدته بعد أن تقاعد واستراح، وغدا يردد مقولة "البركة في الشباب".

النص:

الحمد لله حمدا كثيرا كما أمر، وأشهد أنْ لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، المتعالي عن المشاركة والمشاكلة لسائر البشر، وأشهد أن سيدنا محمدا رسول الله النبي المعتبر، واعلموا أيها الإخوة أن الله صلى على نبينا محمد فيما قضى تعالى، ولم يزل قائلا عليما وآمرا حكيما، تنبيها لكم وتكريما، وتشريفا لقدر نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وتعظيما "إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما"

اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء السادة الحنفاء، المميزين بعده بالرعاية والولاية والاصطفاء، سادتنا وموالينا وأئمتنا أبو بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن الستة الباقين من العشرة الكرام البررة، الذين بايعوا نبيك محمدا صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، طلحة الخير، والزبير، سعد وسعيد، عبد الرحمن بن عوف، أبو عبيدة عامر بن الجراح.

وارض اللهم عن عمي نبيك خير الناس، حمزة والعباس، الطاهرين المطهرين من الدنس والأرجاس، وارض اللهم عن السبطين السعيدين، القمرين النيرين، الإمامين الجليلين، سيديْ شباب أهل الجنة في الجنة، وريحانتي نبي هذه الأمة، الإمام أبي محمد الحسن، والإمام أبي عبد الله الحسين، وارض اللهم عن أمهما فاطمة الزهرا، وعن جدتهما خديجة الكبرى، وعن عائشة أم المؤمنين، وعن بقية أزواج رسول الله أجمعين، وعن التابعين وتابعيهم إلى يوم الدين.

تحليل النص:

يدور النص في جملته حول فكرة واحدة هي التحميد والتمجيد والثناء الحسن على الله والصلاة والسلام على رسول الله، ولكن هذه الفكرة صيغت بهذا الشكل ليظهر من كتب تلك الخطبة نوعا من التفنن في عرض الفكرة، وتعكس تلك الخطبة رأي أهل السنة والجماعة في النظر إلى الصحابة الكرام عليهم رضوان الله، ومنهم الخلفاء الراشدون والعشرة المبشرون بالجنة، وتبرز من أمهات المسلمين السيدة خديجة والسيدة عائشة رضي الله عنهما، بالإضافة إلى فاطمة الزهراء وأبنائها الحسن والحسين رضي الله عن الجميع.

ويحيل النص كثيرا إلى معاني القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، فيوظف النص أولا قوله تعالى من سورة الأحزاب "إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما"، وتأتي الآية مع معمار النص منسجمة متسقة مع ما قبلها، فتزيد النص جمالا على جمال وجرسا موسيقيا عذبا ترتاح إليه النفس.

واعتمد النص في بنائه على استراتيجيات لغوية وبلاغية جمة، وفيما يلي بيان ذلك:

الجناس غير التام:

يمنح الجناس الكلام جرسا موسيقيا متناغما، ويزداد حسن الجناس إذا جاء يعبر عن المعنى المقصود، فتأتي اللفظة وكـأنها ابنة موقعها، وهذا ما تشعر به عندما تقرأ هذا النص، وتتأمل كلمتي (المشاركة/المشاكلة)، فزيادة عن أن هاتين الكلمتين تحققان جرسا موسيقيا واضحا في النص، إلا أن كل لفظة منهما تشكل مبدأ من مبادئ علم التوحيد في العقيدة الإسلامية؛ يتمثل الأول في نفي الشراكة مع الله، مما يعني توحيد الله في ملكه وملكوته، ويتجسد الثاني في نفي المشاكلة (المشابهة) بين الله وعباده، تحقيقا لقوله تعالى: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير."

السجع:

ويأتي السجع كذلك محققا نغما موسيقيا رتيبا، فيجعل السجع آلية من آليات ربط الجمل معا، ولو من الناحية الشكلية الخارجية اللفظية فقط، وقد بني النص كله على السجع، مع تعدد في الفواصل، وهذا التنوع في الفاصلة يمنح النص تنوعا موسيقيا دالا، ويوظف أحيانا النص عدا السجع الكلمات ذات الوزن الصرفي المماثل مما يعني بالضرورة وزنا موسيقيا واحدا، فلو أعدنا النظر إلى الجمل الآتية لتبينا بعضا من جماليات هذا النص، يقول النص: "ولم يزل قائلا عليما وآمرا حكيما، تنبيها لكم وتكريما، وتشريفا لقدر نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وتعظيما "إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما"، فتجد في هذا الجزء من النص أن قائلا وآمرا لهما الوزن الصرفي نفسه، فهما على وزن (فاعل) والمقطع الموسيقي الموحد، وهما على وزن (فاعلن) العروضي، وكذلك حكيما وعليما على وزن (فعيل) الصرفي ووزن (فعول) العروضي، والشيء نفسه يقال عن الكلمات: تنبيها/ تكريما/ تشريفا/ تعظيما/ تسليما، فكلها على وزن (تفعيل) الصرفي، وعلى وزن (متْفاعلْ) العروضي.

الترادف:

ويوظف النص ما في اللغة العربية من إمكانات مستفيدا مما في اللغة العربية من نبع لغوي ثري، ومع وجود هذه الكلمات المترادفة إلا أنها لا تؤدي إلى تكرار في الوظيفة الدلالية، إذ لا يوجد تكرار في النص أو في اللغة، فكلمة سيف لا تساوي في المعنى كلمة الصارم، ولكن يحدث هذا عندنا من باب التجوز في الكلام والتوسع فيه، ومن هنا كان استخدام الكلمات المتقاربة في المعنى، لا يكون في باب التكرار، بل إن الألفاظ مشحونة بدلالات متدرجة لها اعتباراتها هنا، فلو رددنا ما قاله النص في: "الطاهرين المطهرين من الدنس والأرجاس"، وتأملنا المعاني جيدا لاكتشفنا أن الطاهرين لا تساوي في الدلالة المطهرين بكل تأكيد، بل هناك زيادة في المعنى للزيادة الحاصلة في المبنى، وكذلك الدنس فليس هو الأرجاس، بل بينهما بون كبير، فالدنس هو ما تعلق بالمعنى المادي من قاذورات ونحوها، والرجس والأرجاس ما تعلق بالعمل وسوءه.

وهكذا تنتهي رحلتنا مع هذا النص المختار الذي حاولنا انتشاله من وهدة الضياع، ولعلنا- وهذا مؤكد- لم نكشف عن كل تفاصيل جمالياته، إلا أننا استطعنا تلمس بعض محطات الجمال فيه، وأخيرا نسأل الله العلي العظيم أن يحفظنا من الزلل، وسوء العمل، ويحفظ شيخنا إمام مسجدنا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


(*) قريوت: إحدى قرى محافظة نابلس في فلسطين المحتلة.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3179696

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC