عبد الحميد صيام - الولايات المتحدة

أحملُ الأرضَ الصغيرة مثل كيس من ضباب

* أستاذ جامعي وكاتب مقيم في الولايات المتحدة. مؤلف كتاب "ذلك اليوم العصيب". انظر العدد 54.

عبد الحميد صيامقلت للسائق عندما وصلنا إلى أعلى نقطة في "عقبة الرام" توقف قليلا يا صديق. أريد أن ألقي نظرة أخيرة على قريتي قبل أن تختفي من المشهد. خرجت من السيارة ونظرت إلى الخلف. تأملت منظر قريتي الحبيبة "مخماس" عن بعد. بعض البيوت الصغيرة التي تبدو كأنها تتكئ على بعضها البعض. دخان يتصاعد من بعض الطوابين. هدوء عام وأفق مفتوح على جبال بعيدة تكاد تكون جرداء كشجرة أيام الخريف. ألقيت نظرة وداع على أول منزل يألفه الفتى.

غمرني شعور ممزوج بالحزن والخوف بأن هذه النظرة قد تكون الأخيرة. فكيف لي أن أعرف ما تخبئ لي الأيام وأنا على أبواب التخرج من الجامعة ولا أعرف أي المسالك سأتبع إذا لم تسمح لي قوات الاحتلال بالعودة مثل الآلاف غيري. دعني أخبئ هذه الصورة في أرشيف الذاكرة لأعود إليها كلما عصف بي الحنين.

أغمضت عيني التي غالبها دمع ساخن ورحت أسترجع صورة القرية التي نشأت على ثراها. تذكرت رجالها الطيبين ونساءها الماجدات وشعابها ووديانها وحاراتها البسيطة وطرقها وحواكيرها وتينها وزيتونها. أخشى على هذه المنظومة الجميلة من العادات والتقاليد والأنشطة الاجتماعية أن تندثر وألا أجد منها شيئا في ما لو قدر لي أن أعود بعد زمن.

كم أود لو أسترجع على صفحات كتاب أو مجلة شيئا من ذلك الأرشيف لأضع بين يدي أبنائنا وبناتنا من أبناء جيل الإنترنت والفيسبوك صورة لعهد مضى أو يكاد لعب دورا في تشكيل شخصيات ونفسيات وطموحات الأجيال التي سبقت جيل تكنولوجيا المعلومات والهاتف المحمول. وسأقدم في هذه العجالة ورقة أو ورقتين إيذانا بفتح ذلك الأرشيف.

المضافة والمقهى

المضافة والمقهى تكملان بعضهما البعض. لكل واحدة منهما وظيفة اجتماعية لا تقل أهمية عن الأخرى. فالمضافة يلتقي فيها كبار السن قبيل الغروب للتسامر وبحث شؤون البلد واستقبال الضيوف الغرباء والبحث عن حلول واتفاقيات لإصلاح المختلفين وتقريب المتباعدين. يشرف شاب على تحميص القهوة إلى درجة معينة بحيث تفقد لونها الأصلي وتتجه إلى سواد غير محروق ثم توضع في الجرن ويقوم المرحوم مخلوف أبو حسن بطحنها بواسطة المهباش. وقد اكتسب أبو حسن مع مرور الزمن مهارة خاصة بدق القهوة في الجرن فحوّل الدقات المتتالية إلى نغم جميل لا أعرف كيف اهتدى إليه دون أن يعرف السلم الموسيقي. ذلك اللحن الحزين ينزرع في القلب بلا استئذان، كأني بالملحن يتذكر أغنية عراقية تبكي على وجع الحسين في كربلاء وهو يواجه قتلته بكرامته وكبريائه.

والمضافة تذكرني بأيام رمضان. كان والدي رحمه الله يصحبني أحيانا إلى الإفطار الجماعي. يصطف الرجال قرب بعضهم ليتشاركوا في ما قسم الله لهم من طعام. ويصر كل واحد على جاره من اليمين وجاره من الشمال أن يمد يده لتذوق ما احتواه الطبق من مأكولات بسيطة لا أعرف الآن كيف كانت تسد جوعهم لخلوها من البروتينات. وغالبا ما يحتوي الطبق على شيء من الزيت والزيتون الذي يسميه أهل البلد "رصيص" واللبن والفلفل والبندورة وطبق ساخن عادة من العدس أو البقيلة أو الفول. وكان والدي يحب طبقا مصنوعا من نبتة برية تسمى "اللوف" يؤكد لي دائما أن من يأكل منها لن يصاب بوجع البطن أبدا. لكن مذاقها غريب وتترك نمنمة مزعجة على اللسان لا تختفي إلا بعد حين وبعد شرب برميل ماء أو كأسين أو ثلاثة من الشاي.

والشيء بالشيء يذكر، فالفلاحون أبرع الناس في استغلال كل ما تطرحه الطبيعة من خيرات ولا تكاد تنجو نبتة أو شجرة أو عشبة إلا واستفادوا منها طعاما كالبقيلة واللوف والزعتر والصنيعة واللسان والعكوب والقطف، أو شرابا كالنعناع البري والميرمية، أو دواء لكل الأمراض كالجعدة والبابونج، أو تسلية في صيف أو شتاء كالسعيسعة والجلثون والبريدة والبزيز والقريص والخوخ والدوم والجرموعة، أو للزينة والتطيب كالنرجس والحندقوق والشجاع والشيح، وما تبقى من أعشاب وشجيرات يقدم طعاما للمواشي. ولو أردت تعداد النباتات التي يستغلها الفلاحون لملأت صفحات عديدة لا يتسع هنا المجال لها.

أما المقهى فهي ملتقى الشباب والشيب معا. في ساعات الصباح يلتقون تحت شجرة التوت العريقة ويلتفون حولها في شبه دائرة لشرب القهوة وتجاذب أطراف الحديث وتبادل الأخبار والنوادر وحكايات الماضي وموعد قطاف الزيتون والشكوى من قلة المطر. في المقهى تحدث معظم المشاجرات والمشادات الكلامية وتتعزز الصداقات ويتابع فيها الناس أخبار المغتربين وتقرأ الجريدة أو بعضا منها على مسامع الحضور. وأذكر أن عمي أحمد، رحمه الله، كان مولعا بقراءة التفاصيل الصغيرة مثل "فقد هوية" أو إعلان عن وظيفة شاغرة أو حالة الطقس. كان يقرأ ويفسر اللغة الفصحى بلغة عامية بسيطة كي يتأكد أن الفلاحين من حوله فهموا ما يقول ويجيب عن أسئلة الحاضرين أو تعليقاتهم.

أما ألعاب الورق، أو ما يسميه الناس في قريتنا "الشدة"، فهي تسلية للشباب وكبار السن على السواء. وكل الرجال مصنفون حسب اللعبة المفضلة لديهم. فهناك مجموعة اقترن اسمها بلعبة الباصرة وأخرى بلعبة البناكل وثالثة بلعبة الهَنْد الأكثر شعبية بين الشباب. تسمع الهرج والمرج والصراخ بين اللاعبين لاكتشاف سرقة ورقة أو خطأ يرتكبه الشريك أو تدخل متفرج لمساعدة من يجلس بجانبه، فيهب الفريق الآخر معنفا وطالبا من المتفرجين عدم التدخل.

والمتعة تأتي بعد أن تنتهي اللعبة فيبدأ الفريق الرابح بمماحكة الفريق الخاسر بكلام لاذع. وقد تزيد المناكفة فيعود الفريق الخاسر لتحدي الفريق الرابح أو ينتصر لهم فريق من المتفرجين على اللعبة والذين يحلفون أنهم سينتقمون للخاسرين ويعللون البلد كلها على ما سيجري لهم بعد الهزيمة. آه لو كان على ذلك الزمن كاميرات فيديو لتسجيل تلك اللحظات الممتعة والتي ذهبت ولن تعود.

أريد أن أختزن في الذاكرة ملفات القرية جميعها. لا أريد أن أنسى شيئا لأعود إليها كلما داهمني حنين مفاجئ. أعود إلى ملف الحصيدة والبيادر وملف قطف الزيتون وملفات الأعراس وغيرها الكثير. سأعود إليها من حين إلى حين لأشارك ما علق في الذاكرة من صور حملتها معي أنـّا رحلت وحيثما حللت.

تباعدت بي الطرق عن القرية ونأت بي المسافات وزاد الشوق لها والتعلق بها وأصبح الحنين إلى القرية مرتبطا بالحنين إلى الوطن والحنين إلى الوطن يمر من بوابة القرية. حملت "مخماس" في قلبي كما حمل محمود درويش "الأرض الصغيرة مثل كيس من ضباب". فما نسيت لا القرية ولا الوطن الأسير الذي تسكن فيه، وعاهدت النفس أن أبقى مخلصا لهذا الوطن من أقصاه إلى أدناه بجميع مدنه وقراه وبواديه وجباله وسهوله ومساجده وكنائسه ومواقعه الأثرية ومبانيه الحديثة.

أقمت في الأردن ولبنان وسوريا والجزائر والمغرب ومصر والعراق وباكستان والولايات المتحدة. وجلست على شواطئ المحيطات جميعها وصعدت فوق سور الصين العظيم وركبت السفينة في أنهار الدانوب والتيمز والرين والنيل والمسيسيبي وصعدت جبال الروكي والأطلس وكردستان. رأيت أرقى المدن وأغناها وأوسعها. وقعت في حب مدن كثيرة مثل بغداد ودمشق والقاهرة وزحلة اللبنانية وعنابة الجزائرية وسوسة التونسية وأغادير المغربية والبيضاء الليبية ولوزان السويسرية وباريس الفرنسية وكامبريج البريطانية وإشبيلية الإسبانية ودربان الجنوب أفريقية وأسمرة الإريترية وسان دياغو الأمريكية وبيجين الصينية وبراغ التشيكية وبانف الكندية وأمستردام الهولندية وفيينا النمساوية وإستنبول التركية وجزيرة سنتروني اليونانية وبويبلا المكسيكية لكنني لم أجد أجمل ولا أحلى ولا أرق من مسقط الرأس.

إن حبي لتلك المدن أشبه بالحب العابر للفتيات أيام السنة الأولى في الجامعة. ترى الفتاة فتعجبك اليوم فتظن أنك تحبها وترى غيرها في اليوم التالي فتنسى الأولى وتقع في حب الثانية وتكتشف في نهاية المطاف أن قلبك لم يتعلق ولا بواحدة وأن حبك الحقيقي هو للحبيب الأول وأن المنزل الذي ستحن إليه دائما هو أول منزل. كما قال الشاعر العظيم أبو تمام:

البَـْين جرّعني نقيع الحنــــظل ِ والبين أثكلني وإن لم أثكل ِ
نقل فؤادك ما استطعت من الهوى ما الحــب إلا للحبــيب الأول
كم منزل ٍ في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبــــداً لأول مــنزل

وللحديث بقية.


(*) تقع قرية مخماس على بعد خمسة عشر كيلو مترا شمال مدينة القدس. أدناه صورة للقرية.

قرية مخماس


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3205610

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC