تعقيب على المقابلة عن الفن في مصر بعد الثورة

تعليق من سهير سليمان (*)

(*) صحفية وناشطة مصرية مقيمة في بريطانيا. شاركت في ثورة 25 يناير وعايشتها منذ الأيام التحضيرية لها أثناء زيارة دورية للقاهرة.

اضغط هنا لقراءة شهادة سهير سليمان من ميدان التحرير: الجزء الأول.

اضغط هنا لقراءة الجزء الثايي من الشهادة.

اضغط هنا لقراءة الجزء الأول من المقابلة مع الفنان علي الرفاعي

اضغط هنا لقراءة الجزء الثاني من المقابلة.

سهير سليمانأتذكر الفنان القدير علي الرفاعي فوق خشبة مسرح ادنبرا أثناء المهرجان الثقافي عام 1994 حين قامت مؤسسة "الأهرام الدولي" بتقديم مسرحية للكاتب المسرحي الأستاذ عاطف الغمري، الذي كان مديرا للمؤسسة بلندن. وأود إثارة حوار من خلال مناقشة الفنان في بعض النقاط التي وردت في المقابلة.

أبدا بالجزء الثاني من المقابلة ومسألة الفرق بين العمل الفني الغربي والشرقي.

تحدثت في هذه الفقرة بوفرة، ولا خلاف على ما سردته حول المنافسة الشريفة والتي قليلا ما تجد مكانا ليس فقط في الحياة الفنية ولكن أيضا في حياتنا اليومية. الواقع هنا أن موروثاتنا الثقافية تعلمنا جزءا وتغفل الجزء الآخر! وهنا سأحمل مسؤولية سهولة وصعوبة الأداء على الإمكانيات، سواء كانت مادية، تكنولوجية أم إنسانية.

وجاء في المقابلة طرح في غاية الأهمية، وهو تحديد عمر المشاهد وفقا لمحتويات الفيلم الأخلاقية، وهذا ليس معناه رعاية ما نبثه داخل أطفالنا، العكس صحيح، وهنا كما ذكر الفنان وبأسلوب يغمره أدب شديد أن ثقافتنا أصبحت ملتصقة وقائمة على واقع ما هو نظيف أم لا. وأنا أضيف على هذا أنه للأسف أصبح المعيار الذي نصنف عليه حياتنا اليومية، وكما لو كانت اعتبارات المستوى الفني، ومستوى تذوق المشاهد، ومستوى استيعاب العقول، اجتمعت كلها في سله النظافة، وهذا في مضمونة له دلالة واحدة: أصبحت المبادئ تقاس جنسيا.

وحتى اختم هذا الجزء من النقاش، لي رجاء: أتمنى أن يأتي اليوم الذي يراك جمهورك في عمل كوميدي فأنت بدون شك فنان، والفنانون في هذا الزمن الذي نحياه قليلون، ولكن القليلون هم من باستطاعتهم القيام بالكثير.

الآن انتقل إلى الجزء الأول من المقابلة ومسألة الإحساس بعدم الأمان من منطلق غياب الأمن بعد الثورة

لا اختلف معك في أن الإحساس بعدم الأمان يتزايد يوما بعد الآخر. لعلي انظر معك يا سيدي نظرة سريعة في تاريخ الثورات، ولتكن نظرتنا محددة بفترة نهاية القرن العشرين وأوائل الواحد والعشرين، أي من الثورات التي شاهدناها قام وحقق التحول السياسي ثم تم له الاستقرار الداخلي دون أن- إما أثناء أو عقب التغيير- تحدث مجازر وقتل، وتخريب أوسع مما نشاهده الآن في مصر؟ هل أصبحنا شعبا لا يستطيع أن يتحمل ما تحمله من قبل؟ انسينا ربط الأحزمة على البطون؟

الانفلات الأمني متعمد من قبل البوليس الذي ما زال يحيا تحت وطأة اليد الحديدية التي فرضها وزير الداخلية السابق حبيب العادلي.

إن صدقنا ما ينشره البعض في الشارع المصري بأن وزير الداخلية ورموز النظام البائد بالسجون يمثلون أمام القضاء، نعم، ولكن رؤوس الحربة ليست الحربة بأكملها. هم فقط مقدمة الطعن وباقي الحربة هم الفاسدون الذين كانوا وما زالوا يستخدمون النفوذ والأموال في تهديد وابتزاز الشعب، فهل تصدقني إن قلت لك بالإحصائيات إن عددهم يفوق عدد الجيش المصري؟ لقد اعدوا مسبقا لمثل هذا اليوم.

وألمي ينحصر في ذكرى يومي 28 يناير(كانون الثاني) و2 فبراير (شباط)، ذكرى من سقطوا حولي ولم استطع مد يدي إليهم. جرحوا وقتلوا شبابنا، وهم فقط جزء صغير من هذا الجيش الذي بني بنفوذ الداخلية والعقول المريضة بالحزب الوطني، إلى جانب من نالوا المساعدات للفرار من السجون من تجار المخدرات ممولي الحزب.

الإعلام وماسبيرو

أسعدني ما بين سطورك عن غياب الوعي السياسي، وأنا أوافقك، فإن كان التعليم ينشر على يد معلم جاهل فما هي المعلومة التي يتلقاها التلميذ؟ المبادئ الأولية للإعلام تحللت وذابت.

ولتسمح لي أن أوضح للقارئ بعضا من صور الفساد داخل هذا المبنى الذي يطلق علية ماسبيرو، بالرغم من التغييرات التي طرأت على المؤسسات السياسية التي اختفى بعضها مثل الحزب الوطني، وبعض قوى المخابرات، إلا أن ما زال هناك بقية من أعوان وحاشية النظام البائد لم يمسسها احد، يعملون بقوة اكبر وأوسع مما كانت قدرتهم في ما سلف.

هذا سببه حالة الفوضى التي أصابت مصر. وللأسف الحساب هنا أصبحت آيته منقلبة، والشاهد الآخر أن مع تغير المسئول لم يتغير الوضع، وعلى العكس ساء.

وأذكرك بمشهد أتمنى أن تكون شاهدته أيضا، فقد خرج هذا المسئول بعد المشاركة في واحد كان من أفضل البرامج التي قدمت على شاشة الإعلام الحر ليتسلم منصبه الجديد، ولم تمض أيام حتى نكل بالبرنامج ومقدمة البرنامج، وما نشهده الآن من مهزلة إعلامية راح ضحيتها زميل الأمانة المهنية يسري فودة.

هؤلاء محدودو الفكر المسيطرون على ماسبيرو لم يكن في قاموسهم ليس فقط معنى لكلمة وعي، بل أيضا اختفت هذه الكلمة مع اختفاء كل مفاهيم الديمقراطية، التي التصقت ككلمة بالحزب الوطني فقط. أي ديمقراطية كانت هذه؟

الحرية، التي لم يشهدها الإعلام حتى وقتنا هذا غير الظهور على الشاشةّ! والعدالة الاجتماعية؟ هل تفرض عليهم يا سيدي الإحساس بعامة الشعب حتى يتفهموا العدالة الاجتماعية؟ أتريد أن يشاركهم الشعب في رغيف العيش؟

وللحقيقة والتاريخ بالرغم من التغييب وعدم الالتزام بمبادئ المهنة، لم يكن لهذا الإعلام تأثير على من قاموا يوم 25 يناير، فكل كلمة نادوا بها في شعاراتهم الثلاثة جاءت من جذور فهم واستيعاب ومن الأعماق، وصل صداها إلى قلوب البسطاء فنزلوا إلى الشارع ليشاركوهم رغم انتمائهم الطبقي إلى البرجوازية المصرية.

وهنا تجيء نقطة الخلاف معك حول ما وصفت بالتواكل والكسل.

للحق أنا لم أر أثناء الثورة، أو ما بعد التنحي، ولا حتى في زيارتي لمصر بعد ستة أشهر، أحدا ممن شاركوا في الثورة متواكلا أو كسولا حاقدا على المجتهد. واقع الأمر يختلف. هناك الكثير من الشباب الذين شاركوا في الثورة لم يسعدهم الحظ بالحصول على عمل، وأنا يا سيدي أمضيت ليلتين على ارض الميدان أتحدث إلى بعض من هؤلاء، فهل تصدق أن احدهم اقترب مني وقال أنا بصريح العبارة نزلت الميدان لكي استرد كرامتي فأنا حاصل على ماجستير في العلوم الاجتماعية ولمدة أربعة عشر عاما لم أحصل على وظيفة سواء في مجال تخصصي أم مجال آخر. الآن اعمل سائق على تاكسي أحد الأقارب. هؤلاء هم شباب الثورة.

قبل أن اختم ملاحظاتي يجب علي الاعتراف بأنه خلال زيارتي الأخيرة، قابلت اثنين فقط من شباب الثورة قد ينطبق عليهم —إن حق التعبير— حالة الغرور، ولهم العذر. ولكي أكون صادقة وشاهدة على ما أدى إلى هذا، فمنذ الوهلة الأولى لتولي حكومة الدكتور شرف، أصبح شغلها الشاغل هو توظيف بعض من قيادات الشباب كسفراء لمصر في الخارج دون أي اعتبار لعدم الخبرة في التمثيل الدبلوماسي أو حتى المشاركة في أي حوار.

إن كانت هذه السياسة مقصودة من اجل تغير المسار أو إبعاد البعض عن ما قاموا من اجله فقد نجحت.


ملاحظة: أرسلت "عود الند" التعليق للفنان علي الرفاعي، وجاءنا منه الرد التالي:

علي الرفاعييقولون إن "الخلاف لا يفسد للود قضية" فما بالك بالاتفاق؟ ربما أنه لا يتوقف عند حد أنه لا يفسد في الود قضية وإنما يزيد من الود. كان رد فعلي الأول هو أن أشكرك على ما كتبت، وعلى الاتفاق معي في أغلب النقاط (والخلاف الصغير طبعا لا يفسد للود قضية!) ، ولكني ذكرت نفسي بأنك تعبرين عن رأيك بحرية تامة بلا خوف أو مصالح أو محاباة، وتصادف أن رأيك الحر اتفق مع رأيي (في أغلبه) فلما الشكر إذن؟ مع ذلك، أود أن أوجه لك جزيل الشكر أولا على الاهتمام، وبذل الجهد في الرد سواء أكان متفقا معي أم مخالفا لي، وثانيا على أنك تذكرتني في مهرجان ادنبرا، الأمر الذى مثل مفاجأة حقيقية وسارة، وأثار لدي من الذكريات والمشاعر الكثير. لذا أود أشكرك عظيم الشكر.

علي الرفاعي


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3105817

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC