شهرة بلغول - الجزائر

التجريب في رواية المتشائل

التجريب في رواية "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" لإميل حبيبي

شهرة بلغولإنّ أهم ما يميز الكتابة الروائية عموما أنها جنس أدبي قابل للخرق باستمرار ذلك أنها ترتبط برؤية صاحبها للعالم فتعكس وعيه وتصوراته له، ولمّا كان هذا العالم في سيرورة وتحول دائم فقد كان لزاما على هذا الجنس الأدبي أن يجدد أدوات تعامله مع هذا الواقع.

بدأ الحديث عن الرواية الجديدة بعد الحرب العالمية الثانية حيث حاولت جماعة من الكتّاب الروائيين في أوروبا خرق نواميس الكتابة التقليدية وتجاوز طابعها النمطي، بحثا عن شكل يستوعب ذلك القلق الوجودي الذي ساد نتيجة للدمار الذي خلّفته الحروب، فعبّرت الرواية شكلا ومضمونا عن الوضع المتأزم الذي يعيشه الإنسان في ظل الخيبات المتلاحقة.

ومن هؤلاء نذكر ناتالي ساروت، فرجينيا وولف ومارسيل بروست والذين رأوا ضرورة استجابت الكتابة الروائية للهموم الحضارية المشتركة(1).

أمّا في العالم العربي فقد تفجرت موجة التجريب في الرواية العربية عقب هزيمة حزيران1967 استجابة للتحولات الحاصلة على جميع المستويات، حيث أسفرت هذه الفترة عن إفلاس جميع الفلسفات التي كانت سائدة ما أدى إلى تراجع القوى الطليعية وانحسارها.

يمكننا أن نحدد مفهوم التجريب في أنّه حركة واعية وموقف نقدي من الحصيلة الثقافية للأمة، فهو ليس حركة عشوائية مبنية على الصدفة، بل هو نتيجة حتمية لتحولات الواقع وتغيراته إذ" يتجاوز خروج الرواية التجريبية عن الرواية التقليدية وتقنياتها وقواعدها حدود الرفض السلبي ليكون تعبيرا عن وعي حاد وعميق بتغير الواقع وتحوله من جهة، وموقفا من هذا الواقع ورفضا له من جهة ثانية. إن رفض الرواية التجريبية إذ يتحدد في كونه خلخلة للجاهز من الكتابة فإنّه يرمي من خلال ذلك إلى خلخلة الجاهز من الوعي أيضا"(2). فالخلخلة التي شهدها الشكل الروائي هي انعكاس حتمي للخلخلة الحاصلة على مستوى وعي الذات الكاتبة بواقعها.

ويرى الناقد المغربي محمد برادة "أن التجريب لا يعني الخروج عن المألوف بطريقة اعتباطية، ولا اقتباس وصفات وأشكال جربها آخرون في سياق مغاير. إن التجريب يقتضي الوعي بالتجريب أي توفر الكاتب على معرفة الأسس النظرية لتجارب الآخرين وتوفره على أسئلته الخاصة التي يسعى إلى صياغتها صوغا فنيا يستجيب لسياقه الثقافي ورؤيته للعالم"(3) حتى يتسنى له التفاعل مع حصيلة الإنتاجات الأدبية على اختلافها.

وفي جانب آخر يرى الناقد عبد الحميد عقار أن قانون التجريب سلسلة من التقنيات ووجهات النظر، تسعى إلى تجاوز الفهم القائم عن العالم ووضعه موضع تشكيك وتساؤل(4)، فالرواية بذلك تحاول أن تعكس وعي صاحبها بالواقع المأزوم، والحيرة التي يعانيها في ظل عالم مشتت وضبابي، ما أدى به إلى الوقوف أعزلا في مواجهة تناقضات يعجز عقله عن احتمالها، فيلجأ إلى تجسيد ذلك باستخدام بعض التقنيات التي تسمح له بالتعبير عن مثل هذه الإشكاليات كالحلم، الكابوس، تيار الوعي ... إلى آخره. فالتجريب الروائي إذن هو عملية تجاوز مستمر لكل ما هو سائد على مستوى الشكل الروائي من جهة وعلى مستوى الرؤيا التي تقدمها الرواية من جهة أخرى.

في حين يفضل ادوار الخرّاط تسمية هذا النوع من الكتابة بالحساسية الجديدة ويميزها عن الكتابة السابقة أو كما يقول "الحساسية التقليدية" بأن هذه الأخيرة قد مثّلت رافدا من روافد النظام القيمي السابق، في حين أن الحساسية الجديدة قد مثلت استشرافا لنظام قيمي جديد على المستوى الثقافي والاجتماعي والتاريخي(5)، بمعنى أن تفاعل التغيرات الاجتماعية والتاريخية في عملية الكتابة القصصية في فترة معينة يشكل ما يعرف بالحساسية الجديدة.

وعلى هذا الأساس يميزها عن الحداثة، فالأولى ترتبط بسياق تاريخي معين، أي أنّها ذات بعد زمني، في حين أن الحداثة تمثل البحث المطلق عن الحقيقة، فهي قلق مستمر وعملية تجاوز وخرق مستمر لما هو سائد.

كما أن من العوامل التي ساهت في ظهور هذا النوع من الكتابة الطبيعة الحوارية للرواية التي مكنتها من مد جسور التواصل مع مختلف أنواع الأدب بل حتى مع المجالات المعرفية الأخرى.

أشكال التجريب الروائي: "رواية الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" نموذجا

ظهرت في نهاية الستينات وبداية السبعينات العديد من الكتابات الروائية العربية التي حاولت تجاوز نمط الكتابة التقليدية وصياغة نوع جديد يتماشى مع السياق الحضاري لتلك الفترة يعيد تشكيل ذاته انطلاقا من استثمار الموروث الثقافي العربي مما يتيح للرواية العربية تجاوز المرجعية الغربية التي ميّزت مسيرتها الأولى ويسمح لها بأن تختط لنفسها في الساحة الثقافية مكانتها بوصفها جنسا أدبيا أصيلا "إذ يمكنا أن ننظر إلى الرواية العربية المعاصرة لا كعمل يحاكي الرواية الغربية، بل كعمل يتحرر من التبعية الثقافية ويبني باستراتيجياته النصية صورة للعالم المرجعي الخاص مولدا بذلك جمالية خطابه المميز"(6).

اميل حبيبيإن أول ما يتبادر إلى أذهاننا بعد قراءة رواية الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل لإميل حبيبي هو التساؤل عن مدى انضواء هذا المتن ضمن مفهوم الرواية بشكلها المعهود، والواقع أننا نصادف بتحول جذري لنمط الكتابة الروائية نتيجة استثمار العديد من الخطابات التراثية والمعاصرة التي عمد الكاتب إلى صهرها في قالب جديد يعكس رؤية فلسفية عميقة للوجود، ليكون بحق جامعا للأنواع على حد تعبير سعيد علوش.

1= توظيف التراث السردي:

يمثل التراث ذلك المخزون الثقافي الذي تشكل لأمة من الأمم نتيجة الحصيلة التراكمية لإنتاجها الاجتماعي والثقافي والمادي، المكتوب منه والشفوي، الرسمي والشعبي... الذي تشكل عبر التاريخ، ومن مظاهر هذا التوظيف استثمار النتاج الأدبي القديم في تشكيل نصوص روائية تتجاوز الحداثة الغربية وتسعى لإرساء معالم كتابة جديدة تستمد هويتها من سياقها الثقافي الأصيل للإفادة من الإمكانيات التعبيرية التي تتيحها تلك النصوص.

تضم الرواية أربعا وأربعين رسالة تتم الإشارة إلى مصدرها منذ البداية "كتب إلي سعيد أبو النحس المتشائل، قال: أبلغ عني أعجب ما وقع لإنسان"(7). تذكرنا هذه الطريقة بأسلوب فن المقامة في التراث السردي العربي والتي يمثل فيها الإسناد عنصرا أساسيا كمقامات الهمذاني التي تبدأ على النحو الآتي "حدثنا عيسى بن هشام قال" في محاولة لإيهام القارئ بأن الروائي مجرد ناقل للخبر ما يجعله طرفا خارج اللعبة السردية، إضافة إلى ذلك فكل رسالة تقدم حكاية معينة يتصدرها عنوان خاص بحيث تمهد كل واحدة للتي تليها مستثمرة فكرة التوالد الحكائي الذي تميزت به حكايات "ألف لليلة وليلة".

كما عمد الروائي إلى تضمين بعض حكاياتها في بناء متنه الروائي كحكاية "مدينة النحاس" التي تتماهى بشكل كبير مع حكاية القرية التي زارها سعيد بتكليف من سيده اليهودي "يعقوب" فوجدها خالية من أهلها الذين هجروها تفاديا للقاء الشيوعيين، ليتقاطع العجائبي مع الواقعي فتزول الحدود بينهما مسدلة الستار عن واقع فلسطيني يفوق الخيال.

إضافة إلى حكاية "السمكة الذهبية" و"الثريا التي رجعت تسف الثرى" للكشف عن المفارقات العجيبة التي يحياها الفلسطيني في ظل الحكم الإسرائيلي.

ومن مظاهر كسر الحدود بين الرواية والأجناس الأدبية الأخرى تضمين النصوص الشعرية المختلفة داخل المتن الروائي للإفادة من الإمكانيات التعبيرية التي تتيحها إذ تتصدر أجزاء الرواية مقاطع شعرية لشعراء فلسطينيين. الأول لسميح القاسم بعنوان "مسك الختام" (شعر حر). الثاني لسالم جبران (دون عنوان). الثالث لسميح صباغ (شعر عمودي).

تؤكد هذه المقاطع على جدية هذا العمل الذي يبدو من القراءة الأولى عملا ساخرا تهكميا إذ يبدأ برسالة متمردة من شاعر المقاومة سميح القاسم:

أنتم أيها الرجال

وأنتن أيتها النساء

أنتم، أيها الشيوخ والحاخاميون والكرادلة

وأنتن، أيتها الممرضات وعاملات النسيج

لقد انتظرتم طويلا

ولم يقرع سعاة البريد أبوابكم

حاملين إليكم الرسائل التي تشتهون

عبر الأسيجة اليابسة...

أنتم أيها الرجال

وأنتن، أيتها النساء

لا تنتظروا، بعد، لا تنتظروا

اخلعوا ثياب نومكم

واكتبوا لأنفسكم

رسائلكم التي تشتهون

(سميح القاسم "قرآن الموت والياسمين"(8).

وضع هذا المقطع تحت عنوان "مسك الختام" في حين أنه يتصدر الرواية، ما يوحي بالبناء الدائري للرواية حيث تبدأ الأحداث من نهايتها ويتجلى ذلك أكثر في الرسالة الأولى التي تخبر عن اختفاء سعيد.

أما المقطع الثاني فهو لسالم جبران:

كما تحب الأم

طفلها المشوه

أحبها

حبيبتي بلادي.

إذا كان المقطع الأول يدور حول فكرة أخذ المبادرة وعدم الانتظار فإن هذا المقطع يؤسس للعلاقة المقدسة والارتباط الأزلي بالأرض والوطن.

أما المقطع الثالث لسميح صباغ:

"إنني تشهيت زغاريد النساء - - - يحملن شوق ألف عام للأغاني والفرح"

ينسجم هذا البيت مع الجزء الثالث للرواية "يعاد الثانية" والذي يبشر بالانتصار ويعكس الرغبة في العودة والاستفادة من أخطاء الماضي.

2= توظيف الهوامش:

ما تتميز به هذه الرواية دون غيرها هو تضمنها لعدة هوامش توضح بعض التفاصيل الغامضة التي قد تستعصى عن الفهم، كما تشير إلى تواريخ بعض الأحداث التي ورد ذكرها في المتن الروائي فضلا عن أسماء الشعراء كابن عربي والمتنبي وغيرهما.

وتعد تقنية غريبة عن العمل الروائي الذي يتأسس في أصله على التخييل وإذ بنا نجد الرواية تحيل على أحداث واقعية مرفقة بتواريخها مع الإشارة إلى المصادر التي أخذت منها هذه المعلومات وكأننا أمام بحث علمي يتقيد بصرامة علمية مطلقة، ولعل هذا يرجع إلى أن الروائي صحافي بالدرجة الأولى لذا فطبيعة مهنته تفرض عليه التحقق من مصدر المعلومة قبل نشرها، كما أنها تعكس في الوقت ذاته ثقافة إميل حبيبي التراثية الواسعة وإلمامه بتاريخ المنطقة، ويعد توسله لهذه التقنية محاولة للخروج بالكتابة الروائية عن شكلها النمطي لكنه وفي الوقت ذاته يضعنا أمام تساؤل: لماذا يستعين الروائي بهوامش تسجيلية في عمل ينبني في الأساس على التخييل؟

لعل الجواب عن هذا التساؤل يكمن حسب نظري في أن الروائي يسعى إلى توثيق وتسجيل تلك المآسي حتى لا يأتي عليها يوم تمّحي فيه من الذاكرة عامدا إلى ربط الخبر بمصدره حتى يعطي شرعية لما يرويه كما أنه يقدم تلك الحقائق في قالب ساخر حتى يتمكن من تمريرها.

3= الاشتغال على اللغة:

اميل حبيبيتمتزج لغة إميل حبيبي بعبق التراث فيفوح منها عطر أسلوب المقامات أحيانا وسخرية الجاحظ، وحكايات ألف ليلة وليلة أحيانا أخرى، إذ يبدو ذلك في العديد من المقاطع، منها قوله "جاءت النهاية حين استيقظت في ليلة بلا نهاية، فلم أجدني في فراشي فزارتني البردية. فمددت يدي أبحث عن سترة فإذا بها تقبض ريح. رأيتني جالسا على أرض صفاح. باردة مستديرة. لا يزيد قطرها على ذراع. وكانت الريح صرصرا والأرض قرقرا"(9).

كما تتسم اللغة في بعض الأحيان بطابع التقرير الصحفي و"لن تكون الحكاية في بعض الأحيان إلا الوجه الآخر لتقرير صحفي يصف ساخرا مأساة الفلسطيني "المتسلل" إلى أرضه ومآسي القرى المهجورة في صمتها الحزين وبهائمها السائبة، يذهب الحكّاء الأديب إلى خبرته الصحفية المديدة ويضيف إلى الحكاية ما لا تستطيع أن تقول به"(10).

يتجلى ذلك في حرص الراوي على تقديم الخبر مقترنا بتفاصيله الزمنية ومثال ذلك قصة الأولاد الذين أرادوا أن يذهبوا لرؤية البحر بعد أن سمعوا هدير مياهه فألقي عليهم القبض واقتيدوا إلى محكمة عسكرية وعوقبوا بدفع غرامة مالية فمن عجز عن التسديد زج به في السجن لمدة شهر (تم التهميش لهذا الخبر بقوله: جرت هذه المحكمة في شهر أيار من عام 1953).

كما يعكس استخدام بعض الكلمات الطابع التهكمي الساخر لهذا العمل خاصة فيما يتعلق باختيار اسم البطل "سعيد أبي النحس المتشائل".

سعيد هو ذلك المواطن الفلسطيني الذي اغترب عن جوهره الإنساني حين حاول التنكر لماضيه والتأقلم مع العدو، إنه ذلك الكيان "الذبيح الذي يعرف ولا يريد أن يعرف، لأنه يعرف أن إشهار المعرفة يفضي إلى الموت، فيلتف بجهله الكاذب ويسير، مكتفيا بخطا معوجّة، أرادها أن تكون صائبة ومستقيمة"(11).

يقابل القمع والإهانات والشتائم بالضحك والسخرية، راض بكل ما يحدث له دون السعي لتغييره وهو في كل ذلك يتّبع سنّة أسرته التي كانت تفضّل كل مكروه قدّر على سواه من المكاره، فلا هي بالمتفائلة ولا هي بالمتشائمة، وإنّما تحتل منزلة وسطى بينهما ولهذا أطلق عليها لقب المتشائل.

في حين أن الطابع الجدي يتجلى من خلال المقدمات الشعرية وعناوين الأجزاء الثلاث إذ تبدو القصدية في اختيار الأسماء:

يعاد: ترمز لإرادة العودة.

باقية: ترمز للصمود والتجذر في الوطن.

ولاء: أرادوا أن يسموه "فتحي" رمزا لحركة فتح لكن العدو تدخل وطلب تسميته "ولاء" حتى يبقى ولاؤه له لكننا نجده يدين بالولاء لوطنه وقضيته.

يظهر التلاعب بالكلمات منذ البداية، حين يقول سعيد أنه اختفى حين التقى بمخلوقات من الفضاء الخارجي "الفضائيين" فلو أننا استبدلنا حرفا من كلمة فضائيين لتحولت إلى فدائيين، وربما يكون الغرض المقصود، كما نلاحظ ذلك في قوله "وكان يقول، وأنا أمشئل: الخضرة الخضرة على يمينك وعلى يسارك وفي كل مكان. أحيينا الموات وأمتنا الحيات (وكان يعني الأفاعي)"(12). يبدو ومن الوهلة الأولى أن غاية الروائي هي السخرية من قول الرجل الكبير (الذي يرمز إلى إسرائيل) وكأنه يرد عليه بأنهم أحيوا الموت وأماتوا الحياة". وعلى الرغم من أن رواية الوقائع الغريبة تمثل عملية تلاعب مستمرة بين الجد والهزل، والواضح والرمزي فإن العودة إلى الإطار الذي يبدأ به كل جزء (أو "كتاب") إنما يعتبر تذكيرا مستمرا للقارئ بأن هذا العمل إنما هو مكرس برمته للتجربة الفلسطينية بكل أبعادها المأساوية"(13).

تقدم الرواية حياة مأساوية لبطل من نوع خاص، لكنها في الوقت ذاته تبتعد عن الإغراق في الدرامية، منتهجة أسلوبا هزليا ساخرا لكنه يقطر مرارة "فلا غرابة إذن أن نجد إميل حبيبي يبرر ذلك قائلا: "فأما لجوئي إلى الأدب الساخر فإنه يعود إلى أمرين: أرى أن السخرية سلاح يحمي الذات من ضعفها، كما أرى فيها تعبيرا عن مأساة هي أكبر من أن يتحملها ضميري الإنساني"(14).

كسر خطية الزمن:

تبدأ هذه الرواية من نهايتها حين يتم الإعلان عن اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل ليتم الانتقال بعدها إلى الماضي لسرد تفاصيل حياته داخل دولة إسرائيل، لتتم العودة مرة أخرى إلى حدث اختفائه، فالرواية ذات بناء دائري يبدأ من النهاية لينتهي عندها: الاختفاء/ما قبل الاختفاء/الاختفاء.

توهمنا الحكاية الثانية بالقول "لنبدأ من البداية، كانت حياتي كلها عجيبة" لكنها ليست البداية الحقيقية، بل هي بداية حياته في إسرائيل حين كان يبلغ من العمر 24سنة (عندما أنقذه الحمار من مقتل أكيد وكان ذلك في صيف1948)، يبدأ زمن القصة سنة 1948 وينتهي بعد سنة 1967 بعد سنوات قليلة.

الكتاب الأول:

يفتتح باستباق يتم فيه الإعلان عن اختفاء سعيد، ليتم بعدها الانتقال إلى سرد تفاصيل عن محاولة سعيد دخول إسرائيل، حيث يبدأ زمن القصة من 1948 لينتهي بعد حوالي أربع سنوات ينجح خلالها سعيد في دخول إسرائيل ليصبح زعيم اتحاد عمال فلسطين(حوالي 1951) يسكن بعدها في بيت يهجره العرب ويلتقي برجل الفضاء، تزوره حبيبته "يعاد" لتلومه على ما فعله مع أهلها، فتبيت عنده حتى الفجر ليأتي الجنود الإسرائيليون ويلقون عليها القبض.

لكن الأحداث لا تقدم بهذا التسلسل إذ تلعب الاسترجاعات الخارجية دورا بارزا في إضاءة جوانب من حياة سعيد قبل 1948 ( طفولته، بداية قصته مع يعاد، المدرسة، أسرته)، إضافة إلى استباقات تتصل بحرب 1967 كحديثه عن ذلك البيت الذي هجره أهله "فلما وقعت حرب الأيام الستة، التي جاءت بعد عملية "قادش" مثلثة الرحمات [العدوان الثلاثي 1956] التي جاءت بعد حرب الاستقلال ورأيت القدس والخليل ورام الله ونابلس يبيعون صحون الزفاف بليرة قلت: بليرة ولا بلاش"(15).

الكتاب الثاني:

بعنوان باقية يمتد هذا الجزء من سنة1951 إلى هزيمة 1967 أي أنه يتسع لسبع عشرة سنة، لكن الأحداث لا تقدم وفق تسلسل زمني إذ تتخللها استباقات واسترجاعات في بعض الأحيان.

يبدأ الحكي في هذا الجزء عند توقف سعيد عن الكتابة لأسباب أمنية، ونجد فيه بعض التداخلات الزمنية حيث تتم الإشارة إلى أيلول 1972 (حادثة قتل الرياضيين في ميونيخ)، ومحاكمة الأولاد سنة1953، وتأتي هذه الاستباقات في سياق الحديث الذي دار بين سعيد وصديقه الفضائي، بينما يبدأ زمن القصة الفعلي من الحكاية الرابعة في هذا الكتاب تحت عنوان "كيف سبقت العروبة الأصلية بالتشمير عصر التشمير" بقوله "في البيت التقيت الطنطورية" حيث يعلن سعيد عن التقائه بها على شاطئ البحر، وبعد حصول الشيوعيين في انتخابات الكنيست سنة 1951 على ستة عشر صوتا في جسر الزرقاء يتم إرساله إلى هناك من طرف يعقوب ليستأصل شأفتهم فيرضون مقابل ذلك تزويجه إياها، فتخبره فيما بعد بسرها عن الكنز المخبأ قرب شاطئ الطنطورة، يولد لهما ولد يسمونه "ولاء" والذي يستخرج الكنز عندما يكبر ليشكل جماعة فدائية سنة 1966 لمحاربة العدو فيطلب العدو الإسرائيلي من والديه رده إلى رشده فتنضم بعدها الأم إلى ابنها ليختفيا في أعماق البحر، وأثناء فترة الحرب يسمع سعيد في المذياع أن من الكتائب الفدائية كتيبة تحمل اسم "الطنطورة".

الكتاب الثالث:

يتمحور الزمن في هذا الجزء حول أحداث حزيران1967، يبدأ بالحديث عن حلم سعيد الذي رأى فيه نفسه جالسا على خازوق بلا رأس، فلا هو يستطيع النزول ولا هو يستطيع الاستيقاظ، لتتم الإشارة إلى التقاء سعيد بيعاد الثانية كاستباق يتخلل حديثه عن خروجه من السجن، لتتم العودة إلى سرد الأحداث بالترتيب: فبعد أن سمع سعيد من المذيع دعوة لرفع أعلام بيضاء فوق أسطح المنازل عقب حرب 1967 يستجيب برفع علم فوق بيته فيتم اعتقاله لأنه بذلك قد اعتبر حيفا مدينة محتلة، وعند دخوله إلى سجن الشطة يلتقي هناك بابن يعاد الذي يحدث تحولا في مسار حياته، إذ يقرر بعد خروجه الانقطاع عن تعاونه مع العدو مما يجلب عليه مضايقات الإسرائيليين، فيزج به في السجن مرات عديدة، وأثناء خروجه في إحدى المرات يلتقي بيعاد الثانية التي تذهب معه إلى بيته ليتكرر المشهد الذي حدث مع أمها لكن مع تغيير طفيف فالأول كان في 1948 والثاني قد جرى سنة 1967 حيث تغير العدو الصهيوني وتغيرت يعاد.

تنتهي هذه الوحدة بمسك الختام حين يجد سعيد نفسه متربعا على خازوق ليلتقي بجميع الشخصيات الأخرى: يعاد الأولى، ويعقوب، الشاب الذي يتأبط الجريدة، وباقية. وتنتهي بقوله "ورأيت يعاد ترفع رأسها إلى السماء وتشير نحونا وتقول: حين تمضي هذه الغيمة تشرق الشمس" ليأتي بعدها تعليق المروي له (المحترم) " للحقيقة والتاريخ" يخبرنا فيه عن رغبته في العثور على سعيد لكنه يضيف قائلا "فكيف ستعثرون عليه، يا سادة يا كرام، دون أن تتعثروا به؟"

لقد حاول إميل حبيبي في عمله هذا أن يؤرخ لنضال الشعب الفلسطيني متخذا من شخصية سعيد شخصية محورية تمكنه من تعرية تناقضات الواقع المرير والكشف عن هواجس وآلام الإنسان في ظل الصراع من أجل البقاء والحفاظ على الهوية المهددة بالضياع. وقد تمكن الكاتب من تجاوز الطابع الدرامي للموضوع حين اعتمد على السخرية والتهكم لتمرير خطاباته.

الهوامش والإحالات

1= محمد أحمد شومان: قراءة في اتجاهات الرواية الحديثة، مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب، دط، 2003، ص41.

2= ميسون علي: الرواية العربية وفاعلية الاختلاف بين المرجع الحي وبنية السرد

http://thawra.alwehda.gov.sy/_print_veiw.asp?FileName=3031842720050803103209

3= محمد أمنصور: خرائط التجريب الروائي، مطبعة أنفوبرانت، ط1، فاس، 1999، ص 24.

4= المرجع نفسه. ص24.

5= ادوار الخراط: الحساسية الجديدة مقالات في الظاهرة القصصية، دار الآداب، ط1، بيروت.1993، ص 23.

6= ميسون علي: الرواية العربية وفاعلية الاختلاف بين المرجع الحي والبنية السردية.

http://thawra.alwehda.gov.sy/_print_veiw.asp?FileName=3031842720050803103209

7= إميل حبيبي: الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل، سلسلة روايات الهلال، عدد593، القاهرة، 1998، ص15.

8= المصدر نفسه. ص12.

9= إميل حبيبي: الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل. ص209.

10= فيصل درّاج: نظرية الرواية والرواية العربية، المركز الثقافي العربي، ط2، الدار البيضاء، 2002. ص209.

11= المرجع نفسه. ص227.

12= إميل حبيبي: الوقائع الغريبة. ص125.

13= روجر آلن: الرواية العربية مقدمة تاريخية ونقدية، تر:حصة ابراهيم منيف، المجلس الأعلى للثقافة، 1997، ص 279-280.

14= سعيد علوش:عنف المتخيل الروائي في أعمال إميل حبيبي، مركز الإنماء القومي، دط، لبنان، دت، ص 8.

15= إميل حبيبي: الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل، ص 52.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3105817

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC