مليكة فريحي - الجزائر

مفهوم التناص: المصطلح والإشكالية

اختلفت الدّراسات النقدية العربية في تحديد مفهوم التناص، وإعطاء الجذور التأصيلية له، فهناك من يرى أنه مولود غربي ولا يمكن أن ينسب لغيره، وأما البعض الآخر فخرج عن حيز هذه الفكرة، وفتح الشهية للمعركة النقدية، من خلال العودة إلى جذور الثقافة العربية، رغبة في إيصال مفهوم التناص إلى نسبه الحقيقي، وأن ظهوره إلى الساحة الغربية لم يكن إلا عن طريق التبني، بحيث أعطت المحاولات النقدية التي احتكت بالموروث العربي القديم بوادر للتنقيب عنه، ومدى احتواء الوعي العربي على تجاوب العناصر الثلاثة للاتصال، والمتمثلة في المرسل والرسالة والمرسل إليه، وقد دخلت فيه عدة مفاهيم من السرقات، ووقع الحافر على الحافر، والحفظ الجيد، وتوارد الخواطر، وانصب ذلك على الجانب الشعري كموضوع للدراسة.

برزت عن هذا الحديث الرؤى المعارضة مؤكدة أن التناصية ظهرت بوادرها في الحقل الروائي، أما معيار النقد القديم فانصب اهتمامه على معالجة التجربة الشعرية ومدى تناقلها بين الشعراء، وتظهر هذه العلاقة من خلال البيت الواحد أو القصيدة، فرغم أن معالجة النقد العربي القديم كانت جزئية في معالجة هذا الموضوع والحكم عليه، من خلال تجزئة النصوص في التناول الجزئي، وذلك باعتبار أن القصيدة العربية، كانت أبياتا شعرية، والحكم أن التحليل كان جزئيا وليست كليا، ووصفها بمحاولة التوصل اللاهثة إلى النص. وتاليا، المفهوم القديم كان مجرد تحليل جزئي للنصوص في إطار علاقة أحادية.

ولكن مفهوم التناص جاء بنتائج أوسع وأشمل من خلال البحث في النص النثري، فعلى اختلاف مادة الدراسة إلا أن التجربة أعطت صفة البداية للتناص في النقد العربي القديم والتأصيل لهذا المصطلح وساقت المفهوم إلى موطنه الأصلي، فيكفي وجود إرهاصات أشارت إليه وأبرزت سيولة التقاطع الحاصل بين عدة مفاهيم.

أولا: التناص لدى الغرب

يعتبر التناص (Intetextuality) جينية الفكر النقدي المعاصر الذي حملته الستينيات، فهو من مبادئ وأدوات المقاربة النقدية، بواسطتها يمكن قراءة النص في ضوء استنطاق التأويلات من علاماته، التي تقوم بطرح إشكالية الإنتاجية، فمن خلالها يفرز العمل الفني في علاقته بالأعمال الأخرى، نتيجة تحويل النص إلى مجموعة نصوص سابقة، ويكون بذلك مفهوم التناص العام في تذويب عدة مفاهيم لهذا المصطلح بعد أن أضحى جدال الفكر النقدي الحديث.

فالتناص هو تشكيل نص جديد من نصوص سابقة وخلاصة لنصوص تماهت فيما بينها فلم يبق منها إلاّ الأثر، ولا يمكن إلا للقارئ النموذجي أن يكتشف الأصل، فهو الدّخول في علاقة مع نصوص بطرق مختلفة "يتفاعل بواسطتها النص مع الماضي والحاضر والمستقبل وتفاعله مع القراء والنصوص الأخرى"[1].

هذه العملية الإنتاجية التي يقوم بها كل نص بتحويله إلى عدة نصوص تعرض أسئلة تستحق أجوبة، فأين الناص من النص إذا كان هو صاحب النص وليس صاحبه في عملية تناقضية بين الإثبات والنفي، باعتبار أن النص عالم معقد ولا يرافق صاحبه إلا في عملية المخاض.

ويتساءل عبد الملك مرتاض في هذا الصدد:

"ألم يئن أن يعتقد كل من يعنيه أمر الأدب بمفهومه المعاصر أن النص الأدبي ذو وجود شرعي مستقل عن مؤلفه إلى حد بعيد على الرغم من أنه ينتمي إليه؟ فالنص الأدبي، بالقياس إلى مبدعه يشبه النطفة التي تقذف في الرحم فينشأ عنها وجود بيولوجي، لكن الوليد على شرعيته البيولوجية والوراثية لا يحمل بالضرورة كل خصائص أبيه النفسية والجسدية والفكرية، إنه يستقل بشخصيته عن الأب، مهما حاول الأب أن ينشئه على بعض ما يجب ويشق في الغالب لنفسه طريقا خاصا به"[2].

إذن تربط الشرعية البيولوجية المؤلف بنصه على الرغم من أن علاقته تفرض استقلال كل من المبدع وإنتاجه الفكري، والتي تؤول إلى رفض المؤلف كما جاءت به البنيوية الصورية، من خلال آلياتها المطبقة لدراسة أي نص، وذلك بعزل سياقه بما فيه المؤلف والاهتمام بنسقه وقراءة النص من الداخل، بدراسة العلائق اللغوية التي تنتج بتقاطع عدة نصوص، فالدّراسة التزامنية جعلت من النص وثيقة وصف تقاطعاتها اللّغوية دي سوسير، وقد ضرب لنا نقطة الالتقاء بين كل من لعبة الشطرنج وأفكارها والنص والعلامات التي يفرزها.

إن مصطلح التناص بما فيه من عملية لغوية تفرض إلغاء صاحبها، فوجوده إذا كان مرتبطا بالستينات على يد جوليا كريستيفا تقودنا إرهاصاته إلى النزعة التأسيسية التي جاءت بها فكرة موت المؤلف، "فمسألة رفض المؤلف ابتدأت إرهاصاتها قبل تأسيس النزعة البنيوية وازدهارها في الأعوام الستين من القرن العشرين، ولعل أهم من ألح عليها في أكثر من مقولة، هو الشاعر الفرنسي فاليري (1945-1871) الذي كان يزعم أن "المؤلف تفصيل لا معنى له". ولقد ذهب هذا المذهب فيما بعد، جملة من المنظرين الفرنسيين منهم: جيرار جينات، ورولان بارث، وميشال فوكو، وكلود ليفي ستراوس"[3].

يقوم هذا الطرح بوصف المؤلف واسطة بين الصيغة اللفظية للنص والواقع الفني الذي قذف بهما من نصوص سابقة تحتاج فترة لتحقيق التماهي والتمازج في سلسلة من التحولات نتيجة الحوار الواقع بين عدة كتابات، ففكرة التناص يمكن تأصيل بذورها عند فاليري، الشاعر الفرنسي، الذي يرى أن المؤلف ليس له معنى داخل النص.

يشير عبد الملك مرتاض أيضا إلى مشكلة الكتابة الأدبية ويجعل أسئلتها في خاتمة مقال يتحدث فيه عن المشكلة نفسها، وكأنه بذلك يريد للمشكلة أن تظل مفتوحة على المناقشة والإثراء، فهو حين يتسائل قائلا: فهل الكتابة انبثاق عن صميم الذات؟ أم هي إبداع متولد عن أشتات الغير؟ أم هي مزيج من هذا وذاك، يتساءل عن صفاء النص وعدم حضور الآخرين بين ثنايا السطور، مادام ذلك الحضور يشكل ما يدعوه النقد المعاصر بالتناص بدل التناصية "لأنها العملية التي تقع أثناء الفعل لكتابي دون أن يعبأ بها المبدع أو يعبأ بسبل تسربها من اللاوعي إلى الحضور الإبداعي"[4].

يتكون نتيجة لذلك تصور يطرح عدة تساؤلات، منها موقع المؤلف من نصه، وهل لكاتب النص السيادة على نصه أم أن حضور الآخرين هم الذين لهم النص الأول؟ وهو لا يصاحب نصه إلا في مرحلة المخاض، مما يخلق ذلك توليد دلالي يتسرب بطريقة غير شعورية تلتمس في النص الإبداعي حيث تقوم العملية التوليدية الإنتاجية بتفاعل عدة نصوص سابقة التي تأخذ صفة الفحولة، باستثناء النزر القليل من الكتابات العربية الجادة التي لم تسهم في مناقشة جدية لمقولة موت الإنسان، التي كان لها الأثر القوي في دعوة بارث الصحيحة لموته، فالكتابة المحايدة والبيضاء في حد ذاتها تعمل على إقصاء كل صوت، وكل أصل والأصل – هنا - يقصد به القضاء على الأبوة النصية التي شرعت سلطتها في الزوال في باستكشاف مبدأ الحوارية في الرواية المتعددة الأصوات كما ذهب ذلك ميخائيل ياختين(1995-1975) وتطور على يد جوليا كريستيفا وبارث نفسه.

تؤول جينية فكرة التناص إلى البنيوية الصورية التي ألغت صاحب النص، فالمهم هو تعالي النص، الذي يظهر من خلال العلاقة الخفية والجلية التي تربطه بالنصوص الأخرى، أي أن مسار مقاربة النص يقوم على طريق التواجد اللغوي كما حدده دي سوسور في مستوى التشابه مع لعبة الشطرنج، التي يتم فيها اللعب بتوظيف أحجارها، "فالناتج النصي يكون حصيلة لسلسلة من التحولات النصية السابقة التي تنصهر وتتمازج فيما بينها التي يظن المبدع أنه صاحبها لكنها تتسلل إليه بطرق لا شعورية فهي عملية كيميائية تتم في ذهن المؤلف"[5].

كما يشير البحث عن التناصية أنها "سوى ذلك الحوار الواقع بين الكتابات المختلفة التي تقع للكاتب قبل أو أثناء كتابته، لأن الكاتب لا يكتب انطلاقا من عدم، واستعماله للغة مشتركة تتقاطع فيها نصوص لا تعد ولا تحصى تشكل محفوظة الذي يؤسس ثقافته، ويهذب ذوقه، ويخلق دراية لسانه، ففي ذلك الزخم الطامي من النصوص تتشكل ملكته، مستفيدة من اجتهادات سابقيه، والكاتب - حينها - لا يكتب جديدا،وإن ظن أنه يبدع ويجدد لأنه يغترف من المشترك العام للغة والأفكار والأذواق"[6].

تنعى كل التعاريف السابقة إلى أن تصب في مفهوم واحد للمصطلح، من خلاله يمكن لأي تعريف أن يكون عطف بيان للآخر، فسواء كان المصطلح تناصا أم حوارا، تداخلا أم تعالي أم تما هي أم نظير نصي، فهو تقاطع لنصوص اختمرت في الشبكة الذهنية للمبدع، فهذه الاختراقات تتم بصفة لا شعورية تكون جلية أو خفية يستقرئها القارئ النموذجي، الذي يستطيع أن يكتشف ما وراء السطور، وهذا الذي سماه مايكل ريفاتير "بالقارئ الخارق وسماه نقاد آخرون القاريء المطلع أو القارئ الكفء"[7]، فالقارئ الذي توكل له مهمة البحث بين ثنايا السطّور يختلف عن القراء العاديين، فهو يقبل على النص بمعرفة مسبقة، التي تكسبه القيم التأويلية التي تظهر من خلال روافد النص، وذلك بربطه بالنصوص الأخرى، ومعرفة جينية الفكرة التي يكون المبدع بصدد التعريف بها، في طريقة يتفاعل بها مع الماضي والحاضر والمستقبل.

وتاليا تعتبرإشكالية موت المؤلف كانت فكرة لميلاد التناص إلى درجة كبيرة فالاستغناء عنه والاكتفاء بما وراء السطور يجعل مهمته تنتهي بمجرد الانتهاء من هذا النص: "فهو يقدم إلي نص، هذا النص يضجرني، لكأنه يثغثغ، وثغثغه النص، لا تعدو كونها لا رغوة اللغة التي تتشكل تحت مجرد الحاجة إلى الكتابة، ونحن هنا لسنا في الانحراف بل في الطلب، إن الكاتب ليتخذ حين يكتب نصه لغة الرضيع، لغة آمرة آلية، خالية من العواطف كأنها دفق من الطقطقات (هذه الصويتات اللّبنّية التي وضعها اليسوعي المدهش، فان جينيكن (بين الكتابة واللغة)، إنها حركات مص غير ذي الموضوع، حركة حالة فمية غير متمايزة، مقطوعة الصلة بالحلة الفمية التي تنتج لذائد فن الطبخ ولذائد اللغة"[8].

وفي هذا دلالة واضحة أن محتوى النص ليس ملك مبدعه، وإنما هو امتصاص لنصوص سابقة يكون فيها صاحب النص غائب، فيخلق التفاعل النصي بإقامة علاقة مع نصوص سابقة، وشبهها بدفق من الطقطقات تحدث نتيجة الرغبة في الكتابة، تتفاعل فيها بنيات نصية سابقة مع بنية النص المدروس ترصده العملية النقدية، من خلال وضع خارطة النص المدروس، التي يظهر فيها نسوج النصوص السابقة وبصماتها.

تبقى فكرة الحوارية التي تجسدت عند باختين، مساهمة في إحلال مصطلح التناص 1967 على يد جوليا كريستيفا، "التي اعتمدت في دراستها لهذا المصطلح على مجمل دراسات باختين في الرواية، حيث أقامته على بناء الباختيني حول مفهوم الحوارية، وخصصت جهدها لتعميقه وفحصه، فانبثق منه كثير من المصطلحات الإجرائية الفرعية المتنوعة، وقد عدت كريستيفا رواية جيهان دوسانتري، الرواية الوحيدة من كتابات دي لاسال التي تكون نسخا وتجميعا أو مرسلات سفر أو رسائل مواساة، وهي حكايات تبنى كخطاب تاريخي أو فسيفساء لا متجانسة من النصوص"[9].

شارك ميخائيل باخثين (1895-1975) بصورة فعالة في بلورة مفهوم التناص، لكن جهوده لم تظهر إلا في بداية الستينات رغم بذور الإيديولوجية التي كانت تسيطر على هذا المفهوم، والدعوة إلى الماركسية بين ثنايا السطور، التي تدعو إلى تبني فكرة الجماعة وإلغاء الصوت المفرد وإدماج أصوات الجماعة، من خلال إضفاء الطابع الجماعي للغة. ويشير محمد داود إلى مساهمة جوليا كريستسفا بقوله: "وإذا كانت جوليا كريستسفا قد أغفلت في بحثها كتاب باختين التأسيسي في اللسانيات، وإلى كيفية تأصيل مفهوم الحوار، فإن ذلك لم يمنعها من الإحاطة بكيفية ومغزى توظيف الكلمة كمفهوم في بنية الحوار، وتاليا أسست مفهوما إجرائيا جديدا انطلاقا من كتابات هذا المنظّر، هو التناص، الذي يتبناه، فيما بعد تودروف وغيره من المنظرين"[10].

فمفهوم الحوارية التي جاء بها باختين التي تدعو إلى حوارية اللغة، وأن الكلمة طاقة منفتحة وفعالة، ولا يمكن أن تكون مبنية من العدمية، بل تنشأ نتيجة التفاعل اللفظي بين الكلمات، فميله إلى إعطاء اللغة السمة الاجتماعية، يبقى التوجه الماركسي (1929)، "فحسب ما أكده محمد داود عن مفهوم الحوارية عند ميخائيل باختين بدا بشكل واضح في كتابه (مسائل شعرية دوستوفسكي) إلى بحثه في (الخطاب الروائي) حيث تشكلت عنصر البنية الروائية عن طريق الحوار "وهو خالق الرواية المتعددة الأصوات"[11]، والبعد اللغوي للكلمة وتقاطعها مع كلمات أخرى.

صفوة القول لا يمثل النص وعي المؤلف فقط بل هو تبادل لعدة أشكال من الوعي الإنساني، وتاليا يدخل أصوات عدة أبطال لبناءه، بحيث تدمج الرواية المتعددة الأصوات من خلال دراسة شعرية دوستويفسكي في علاقة الفضاء النصي وتقاطعه مع نصوص أخرى، وهنا تغيب الرواية التقليدية للنقد القديم القائلة بأن النص وحيد الصوت، بحيث ينتقل المؤلف من صاحب النص إلى منصت لأصوات سنفونيات العالم، ويقف محاورا نصوصا أخرى حتى لا يعطي مبرر العدمية التي لا يمكن أن ينبني عليها النقد الحواري، الذي يرصد فيها صوت المؤلف والقارئ والمجتمع.

سعى ميخائيل باختين إلى البحث عن الأصوات التي تنبعث من البنية السردية للرواية، من خلال بعض النصوص الإغريقية والرومانية القديمة، "فكان أقرب تعريف أو تحديد لحالة التناص هو ذلك الذي يقدمه ناقد روسي متعدد الانتماءات، واكتسب شعبية متأخرة كتفكيكي متقدم وهو ميخائيل باختين."[12]، بحيث كان له الفضل في التنظير النقدي الذي اغترفت منه البلغارية (جوليا كريستيفا ( كما اعتمد عليها الناقد الفرنسي رولان بارث من خلال كتابه (لذة النص)، وأيضا الناقد الفرنسي جيرار جينيت من خلال كتابه "بالمبسيست (Palimpsestes)، الذي حدد أنماط التعالق النصي إلى خمسة أنواع في إطار يتداخل فيه النص مع نصوص أخرى، بشكل ضمني أو مباشر يظهر في الاقتباسات، ولا يمكن أن يصل إليه إلا القارئ النموذجي وهذا لاستخراج طاقاته الدلالية المتوالدة.

التناص في النقد العربي القديم

شكل مفهوم التناص محط الاهتمام في العالم العربي مما خلق إشكالات عديدة ظهرت مع بداية الثمانينيات، وحقق انتشارا تمثل في الدراسات النظرية والتطبيقية، لكنه أفرز التساؤل من خلال الرؤى المتعددة حول هذا المصطلح ورغبة في التأسيس له فراح البعض يبحث في النقد القديم في مفاهيم تتصل بالتناص، لتضع جوابا لعدة أسئلة أفرزها النقد العربي الحديث، فدمج الحديث عنه في السرقات والمعارضة والمناقضة والتضمين والاقتباس والتداول.

أحمد أمين

البحوث التي قدمت من طرف العديد من النّقاد الغربيين ممن احتضنوا مفهوم التناص، كجوليا كريستيفا ورولان بارث وتدروف يجعلنا نميل إلى تجذير هذا المصطلح، لما خلقه من تقارب نقدي مع النقد العربي القديم، لأن كلمة التناص قد لا نجد لها وجود في الفكر النقدي القديم، لكن هي انصهار لعدة مباحث نقدية قديمة. ويرى أحمد أمين أن "النقد الأدبي ككل علم ناشئ عن ملكات خاصة تنمو بالتربية والتمرين، فلو سئلت عن ناشئ يريد أن يعد نفسه ليكون ناقدا أي طريق يسلك؟ أقول أنه يجب عليه أولا أن يكثر من قراءة الأدب ويتفهم ويحاكي جيده، كالذي روى أن ناشئا عربيا سأل أستاذه كيف يشدو في الأدب؟ فنصحه أن يحفظ ديوان الحماسة ثم يجتهد أن يجعل شعره نثرا بليغا، فلما فرغ من ذلك طلب منه الإعادة، ثم أمره أن ينساها، والظاهر أن الشيخ نصح بذلك لأن الناشئ إذا نساها نسي مادتها وبقيت أنماطها في ذهنه يستمد منها عند حضور ما يناسبها"[13].

تنفتح بتأويلنا لسياق هذا النص إجابات لإرهاصات التناص، فجملة بقيت أنماطها في ذهنه ما يناسبها، هنا تقودنا إلى أن مفهوم التناص يتقارب مع ما أدلى به ناقدنا الكبير إلى درجة ما، كما أشار عبد المالك مرتاص إلى فكرة الحفظ الجيد التي تتبلور في مقدمة ابن خلدون ،"فالتناص وهو يعبر عن الاستمرارية الجينية للنص يكشف أن الإبداع نص واحد أزلي مستمر"تعبر الإنجازات المتتالية عن تمظهراته التي تتناسب طرديا والمواقف التي أملتها فقط، فإذا تغيرت هذه الإقتضاءات الخارجية، تغير شكل النص ليناسبها، ويناسب حدة التوترات التي تسكنها"[14].

فالقاعدة التي يرتكز عليها التناص في المفهوم الغربي، لها أنماط تأسيسية في الفكر النقدي العربي القديم، وتؤدي إلى الاقتراب والتقاطع مع هذا المصطلح الجديد في أبواب نقدية عربية قديمة،كما جاء في كتاب تلخيص المفتاح في المعاني والبيان والبديع للخطيب القزويني في فكرة الاقتباس والتضمين والعقد والحل والتلميح، وعند ابن رشيق في كتاب (العمدة)، من خلال باب السرقات، وابن خلدون من فصله الذي سماه (في صناعة الشعر وتعلمه)، في إطار الحفظ الجيد، وأبي هلال العسكري في كتابه (الصناعتين) في الفصل الأول من الباب السادس في حسن الأخذ، أو وقع الحافر على الحافر، وظهر أيضا عند عبد القاهر الجر جاني في كتابه أسرار البلاغة الذي استدل حديث في وجه الاتفاق في الغرض على العموم والاتفاق في وجه الدلالة الغرض، لينتفي وجود سرقة على الإطلاق إلا في حالة تكون فيها نسخا.

الأصول العربية للتناص: الخطيب القزويني في كتابه "تلخيص المفتاح" في المعاني والبيان والبديع (٦٦٦هـ-٧٣٩هـ).

يقترح الخطيب القزويني بعض المفاهيم التي يمكن من خلال استنطاقها العودة لتأصيل مصطلح التناص إلى المفهوم العربي بتتبع واستكشاف لحركة نقدنا القديم، وليس من باب أننا سبقناهم كما جاء به صالح الغامدي، الذي دعا إلى عدم الاندفاع وراء عواطفنا، لكن يمكننا قول أن التناص لم ينشأ من العدمية لكن سبقته تحولات كانت نتيجة لقراءات سابقة، وما على الناقد العربي إلا أن يترصد الخطوات ويبحث عن الجذور التأصيلية لهذا المصطلح، وقد حدد القز ويني بعض المفاهيم يمكن أن نستدرجها من فكرة الاقتباس وهو "أن يضمن الكلام شيئا من القرآن أو الحديث"[15].

يظهر من هذا المفهوم، وجود بذور لفكرة التناص في النقد العربي القديم، من خلال التقاطع الحاصل بين كل من الاقتباس والتناص المباشر، كما أن حديثه عن مفهوم التضمين يبقي جذور التناص لديه، لكن مع اختلاف أساليب تحديد نوعية الأخذ "وذلك أن يضمن الشعر شيئا من شعر الآخرين"[16]، وإلى مفهوم العقد، وهو تنظيم نثر على طريق الاقتباس، أو بمفهوم الحل وهو جعل النظم نثرا، أو إلى مفهوم التلميح الذي يكون بالإشارة إلى قصة أو شعر من غير ذكر مصدر هذا الأخذ، وهنا يتطلب حضور القارئ النموذجي ليستقرأ هذا الأخذ.

كتاب العمدة لابن رشيق

تثمر الدراسات الجادة في كتاب العمدة لابن رشيق على اكتشاف مدى اشتمال الموروث القديم على بوادر مفهوم التناص، فالنظر إلى السرقات التي أشار إليها ابن رشيق شكلت هاجس البحث ومدى التقارب المحقق بين كلا المفهومين، بحيث أن باب السرقات "باب متسع جدا، لا يقدر أحد من الشعراء أن يدعي السلامة منه، وفيه أشياء غامضة، إلا عن البصير الحاذق بالصناعة، وآخر فاضحة لا تخفى عن الجاهل المغفل، وقد أتى الحاتمي في "حيلة المحاضرة" بألقاب محدثة تدبرتها ليس لها محصول إذا حققت: كالاصطراف، والاجتلاب، والانتحال، والاهتدام، والإعارة، والمرافدة، والإستلحاق وكلها قريب من قريب"[17].

يظل الشاعر مهما كانت فطنته وسليقته الشعرية يظل في وصلة مع من سبقه من الشعراء ولا يمكن له أن يتجاوز هذا المنهج الذي خيط له بوعي منه أو بدون وعي، وقد حدد ذلك ابن رشيق في باب السرقات كما وضع أنواعا من خلالها يدور الشاعر في حلقته من الأخذ، فإن لم يكن مصطرفا كان مجتلبا أو منتحلا أو مهتد ما أو مغيرا، أو مسترفدا أو مستلحقا، فالخطاب الشعري "شخص له بعض الخصائص وان كان لا يختلف عن بقية الأشخاص من حيث خلقه، إلا أنه يتميز ببعض المقومات التي تجعل منه شاعرا دون سوا ه وأهم هذه الخصائص حساسيته المفرطة بما يدور حوله وقدرته على التعبير عما يختلج في نفسه من أحاسيس، وتلك القدرة ليست في أصلها فوقية ولا غيبية فهو ليس موهوب ولا يوحى إليه، وإنما من صنع مقومات منها النفسي ومنها الثقافي تساعده على بلوغ مآربه من قول الشعر، فلكي يكون ناجحا في خلقه الشعري لابد له من ثقافة شاملة واسعة تتطرق إلى كل العلوم وتضرب فيها بسهم وأهمها اللغة والشعر والتاريخ"[18].

تتم إذن المهمة الإبداعية في عملية استعمال الثقافة الواسعة والاستعانة بها في صنع النص الإبداعي،"والشاعر لا يصير في قريض الشعر فحلا حتى يروي أشعار العرب، ويسمع الأخبار، ويعرف المعاني وتدور في مسامعه الألفاظ"[19]، فالأسس المكتسبة تبقى من مقومات الخلق الفني، وذلك بالاعتماد عل آثار السابقين من خلال كثرة القراءة وسعة الثقافة.

أسرار البلاغة القاهر الجر جاني (471-474 هـ)

تحدث الجرجاني في فصل سماه الاتفاق في الأخذ والسرقة والاستمداد والاستعانة "وبذلك أن الشاعرين إذا اتفقا لم يخل من أن يكون إما في وجه الغرض على الجملة والعموم، أو في وجه الدلالة على الغرض"[20]، فاتفاق الشاعرين يكون إما في وجه العرض على العموم أو وجه الدلالة على العرض، فوجه الاتفاق في الغرض على العموم يجري في المعنى العقلي الذي لا يدخل في الأخذ والسرقة والاستمداد والاستعانة، وهو ما يجتمع في عقول العلماء، أما الثاني في وجه الاتفاق للدّلالة على الغرض، وعده في المعنى التخيلي وهو ما اشترك وتعارف عليه الناس، فهو يجري باشتراك الناس في المعاني، وأن هذه الأخيرة تتبادل صفة العمومية والخصوصية في تناول الموضوعات.

وبهذه الدّراسة نرى كيف استطاع عبد القاهر الجرجاني "أن يفلسف دراسة السرقات إلى حد ما، وأن ينقلها من دائرة الاتهام إلى دراسة فنية خالصة للمعاني ينتفي معها وجود سرقة على الإطلاق إلا إذا كانت نسخا"[21]، فهو يبرز فكرة الأخذ ويعطى لها سمة القبول من باب أن المعاني تشترك بين الناس وتتداولها العقول، فهي ليست سرقة وإنما تتبادل صفة العمومية والخصوصية يستطيع أن يمتلكها أي شخص ويدخل ذلك في باب الأخذ، فهذا الأخير نجد مفهومه يقترب بطريقة وبأخرى إلى حد كبير من مفهوم التناص.

أبو هلال العسكري في كتابه الصناعتين (ت ٣٩٥هـ)

تحدث في الفصل الأول من الباب السادس في حسن الأخذ "وأنه ليس لأحد من أصناف القائلين عني عن تناول المعاني ممن تقدمهم والصب على قوالب من سبقهم ولكن عليهم إذا أخذوها أن يكسوها ألفاظا من عندهم ويبرزوها في معارض من تأليفهم ولولا أن القائل يؤدي ما سمع لما كان في طاقته أن يقول وإنما ينطق الطفل بعد استماعه من البالغين وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: "لو أن الكلام يعاد لنفد"[22]، فصفة الأخذ التي لا يسلم منها أحد، أبرزت لنا طريقة اكتساب اللغة عند الطفل، فهو لا يتكلم ولولا سماع الآخرين، فمبدأ الكلام هو استمرارية ولا يمكن له أن يكون من العدمية، فإذا هو تفاعل حاصل بين الناس، فحديثه يميل إلى درجة كبيرة لمفهوم التناص، كما أدلى أبو هلال العسكري في الفصل الثاني من الباب السادس في قبح الأخذ "وهو أن تعمد إلى معنى فتتناوله بلفظه كله أو أكثره أو تخريجه في معرض مستهجن"[23].

حدد أبو الهلال العسكري في هذا الفصل كيف يكون قبح الأخذ في تناول المعنى بلفظه كله، أو أخذه بأكثره أو إخراجه إلى معنى مستهجن، فمن خلال هذين الفصلين عمل على دراسة فكرة الأخذ التي تكون إما مستحسنة أو مستقبحة، ويبقى المبدع مربوطا بها، فلا يمكن أن يكون إبداعه مبنيا من لا شيء وإنما من ذات اطلعت على نصوص سابقة وأخذت منها ولكن تختلف طريقة الأخذ، في تقاطع مع فكرة التناص الذي اقترب من مصطلح الأخذ.

= = = = =

الهوامش

[1] محمد عزام، النقد والدلالة نحو تحليل سمياني للأدب، منشورات وزارة الثقافة، طـ. 1996، ص 148.

[2] عبد الملك مرتاض، النص الأدبي من أين؟ وإلى أين؟، محاضرات ألقيت لطلبة الماجستير السنة الجامعية 1980–1981، ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر. 1983، ص 42.

[3] عبد الملك مرتاض، نظرية النقد، دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع،طـ.2002، ص215.

[4] حبيب مونسي، فعل القراءة النشأة والتحول مقار بة تطبيقية في قراءة القراءة عبر أعمال عبد الملك مرتاض، منشورات دار الغرب، طـ. 2001/2002 ص 193.

[5] أحمد يوسف، القراءة النسقيية ومقولاتها النقدية، دار الغرب للنشر والتوزيع، الجزء الثاني، طـ. 2001/2002 م، ص 125.

[6] حبيب مونسي، فعل القراءة النشأة والتحول، مقاربة تطبيقية في قراءة القراءة عبر أعمال عبد الملك مرتاض، ص194.

[7] لمياء باعشن، نظريات قراءة النص، مجلة علامات في النقد، النادي الثقافي بجدة، الجزء التاسع والثلاثون، طـ.2001، ص 119.

[8] رولان بارث، لذة النص، تر فؤاد صفا والحسين سبحاز، دار توبقال للنشر، طـ.1 1988، ص 14.

[9] رولان بارث، ترجمة فؤاد صفا والحسين سبحاز لذة النص، دار توبقال، للنشر، طـ.1، 1988، ص 14.

[10] محمد داود، مفهوم الحوارية عند ميخائيل باختين، مجلة تجليات الحداثة، يصدرها معهد اللغة العربية وآدابها، جامعة وهران، السانية، عدد خاص بأعمال الندوة الوطنية حول المفاهيم النقدية الحداثية، ديسمبر 1992، ص 81.

[11] المرجع نفسه، ص 78.

[12] عبد العزيز حمّودة، المرايا الحدبة من البنيوية إلى التفكيك، سلسلة كتب ثقافية شهرية يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والأدب، الكويت،سنة (1418 هـ/1998 م).ص 362.

[13] أحمد أمين، النقد الأدبي، مكتبة النهضة المصرية، 1963، ج 1، طـ.3، ص.

[14] حبيب مونسي، توترات الإبداع الشعري نحو رؤية داخلية للدفق الشعري وتضاريس القصيدة، دار الغرب للنشر والتوزيع،ط. 2001–2002، ص. 67.

[15] الخطيب القزويني، تلخيص المفتاح، في المعاني والبيان والبديع، قرأه وكتب حواشيه وقدم له ياسين الأيوبي، المكتبة العصرية سيدا، بيروت، طـ. 1، 1423 هـ/2002 م، ص 217.

[16] المصدر السابق، ص217.

[17] ابن رشيق، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، حققه، وفصله، محمد محي الدين عبد الحميد، دار الجيل للنشر والتوزيع والطباعة، بيروت، لبنان، ص 280.

[18] محمد عبد العظيم، في ماهية النص الشعري، إطلالة أسلوبية من نافذة التراث النقدي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، طـ. 1، 1415 هـ/1998م، ص39.

[19] يوسف حسن بكار نبناء القصيدة في النقد العربي القديم، في ضوء النقد الحديث، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، طـ. 2، 1403 هـ/1973م، ص56.

[20] عبد القاهر الجر جاني، أسرار البلاغة، قراه وعلق عليه محمود شاكر، الناشر دار المدني بجدة، ص 338.

[21] عبد العزيز عتيق، في النقد الأدبي، دار النهضة العربية للطباعة والنشر بيروت، 1972، ص 353.

[22] أبو الهلال العسكري، كتاب الصناعتين الكتابة والشعر، حققه وضبط نصه مفيد قميحة، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، طـ. 2، 1409هـ/1989 م، ص 249.

[23] المصدر نفسه، ص 249.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3310001

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC