إبراهيم قاسم يوسف - لبنان

قليلٌ من عزّةِ النفس

كانا قد اتْخذا من الحديقةِ في دارِ العجزة موطناً. ومن شجرةِ الكينا العاليةِ مكاناً آمناَ لبناءِ بيتِ الأسرة المُنْتَظَرة. والطبيعةُ كانتْ تصحو من غَفْوَتِها وتُزْهِر، في نفسِ الموعد كما في كلِّ عام، تبشِّرُ بفرحِ العرسِ القادم والولادةِ الجديدة، وتنشرُ في الكون ترنيمةً رخيمة، حَمَلها نسيمٌ عليل وبلغتْ مسامعَ العصفورة فانتشتْ لها، وألهبتْ مشاعرَها عاطفةٌ طارئة، فانثنى لها العصفورُ وتحركتْ كوامِنُهُ وهرموناته، وعصفتْ بكيانِه حالُ مراهقٍ مسَّتْهُ امرأة.

ثم لاقى صديقتَه في منتصفِ الطريق، فوقعَ المنقارُ على المنقار، والتَفَتِ الساقُ على الساق، وتعانقَ الريشُ مع الريش، واختلط الرُّضابُ بالريق، والتنهيدةُ جاوبتْها الآه في حالٍ من النشوةِ والسكرِ اللذيذ. ثم كانَ بينهما من الطقوس ما كان في الزمن بين ذكرٍ وأنثى، منذُ الكينونةِ الأولى وبدايةِ الخلق.

لهذا وضعا مخططاً لشهرِ العسل وبيتِ الأحلامِ؛ بعاطفةٍ مُتَّقِدَة وثقةٍ بالمستقبل. ثم تعاهدا على المودَّةِ والوفاء، وشرعا في تنفيذِ البناء، فتولتِ العصفورةُ هندسةَ الدار بمنقارِها وعقلِها وما أوتيتْ من العواطفِ والإيمان. أما صديقُها العصفور، فراحَ يرتادُ الشواطئ القريبة بهمةٍ عالية ينقلُ إليها الحصى والطين، ويفتشُ عن القشِّ والريشِ يحملهما باندفاعِ العاشقين. هكذا تعاونا على بناءِ بيتِ الزوجية، يداً بيد وقلباً على قلب، يحدوهما الحبُّ والسعادةُ والأملُ المنشود.

وما إن انتهى بناءُ العشّ حتى وضعتْ عليه لمساتها الأخيرة وفرشتْه بالوسائدِ الملونة، وريشٍ ناعم كالحرير، واتخذتْ لنفسِها مكاناً قصياً في إحدى زواياه. أما شريكُها فاكتفى في الليلِ بمكانٍ ضيقٍ ينامُ فيه على عتبةِ الباب، لا يقيهِ برودةَ الليل، أو يتسع لجسمِه المُتْعَبِ النحيل.

عش عصافيرثمَّ باضتِ العروسةُ العصفورة بيضتين رائعتين؛ واحتضنتْهما بحرارةِ المشتاق. هكذا راحتِ الأيامُ تتوالى والعصفورةُ تحضنُ بيضَها، وتراودُها أحلامُ الأمومةِ العذبة، وتستعيدُ في ذاكرتِها الحَدْوَ والسَّقْسَقَة، وترنيمةَ الأطفالِ الصغار؛ تلك التي تعلمتْها من أمِّها، حينما كانتْ لا تزالُ طفلةً في مهدِها الورديِّ الحرير.

أمّا العصفورُ فقد عاودتْه الرِّغبةُ الغلابة. وابتدأ يعاني ضجراً وهجراناً موجعاً. في البداية لم يكنْ مستاءً من فترةِ الحريةِ هذه، فقد استفادَ من الفرصة وزارَ بعضاً من أصدقائِه القدامى، أولئك الذين كادَ ينساهم بعدما انقطعتِ السبيلُ إليهم، وغابتْ عنه أخبارُهم منذ انشغلَ قلبُه وعقله بصديقتِه الجديدة. لكنّه كانَ كلّما انقضى الوقت، كلّما ازدادَ ضيقُه وبرمُه بالدنيا من سوءِ أحوالِه ولهفتِه من جديد، وكلما عادَ منهكاً في المساء، لم تكنْ شريكتُه تعفيهِ من الشكِّ وغيرةٍ ترتسمُ واضحةً في مُقْلَتَيها، ومن مُساءلةٍ دقيقة يخضعُ فيها لاستجوابٍ طويل.

"كان يتراءى لي يا حبيبتي أنّ المسألة ستمضي أسرع ممّا كنتُ أتوقّع"، هكذا كان يُوَشْوِشُها. وتجيبُه العصفورة: "هل حقّاً ما تقول؟" فيردًّ عليها: "نعم أشتاقُ كثيراً أن أرى أحبّتنا الصغار، وأن أفتّشَ لهم عمّا يأكلون، لو تعلمينَ بما أجِنُّ من الهوى لرؤيتِهم. لقد اكتشفتُ مكاناً مدهشاً فيه طعامٌ وفير، فاستعجلي يا حبيبتي؛ استعجلي؛ أرجوكِ أن تسرعي".

العصفورُ مضطربُ الخاطر، تخونُه أعصابُه وتتحكمُ فيه رغبَتُهٌ من جديد، فينطُّ من مكانٍ إلى مكان، لا يكادُ يستقرّ على حال. إنّه بالقربِ من صديقتِه الّتي تتحوّلُ في العامِ المقبل إلى عصفورٍ آخر، فالعصافيرُ لا تَخْضَعُ للمحاكمِ الشرعيَّة، ولا تعنيها القواعدُ والأعراف، ولا تكتبُ ميثاقاً بالزواج لتميِّزَ بين حلالٍ وحرام. تكفيها المساكنة والعشرة بمودةٍ طيِّبَة، وترفضُ علاقةَ القسرِ والإكراه ولو كانتْ بالحلال.

وصديقتُه المُرْتابة راحتْ تلعنُ ظنَّها؛ وتراقبُه برأفةٍ وتأثرٍ شديد، وهو يقفزُ من غصنٍ إلى غصن، مُوَتّراً مُستنفَرَ الأحوال؛ يطيرُ يميناً وشمالاً بلا أملٍ أو رجاء. لقد عِيلَ صبرُه واستبدتْ به هشاشتُه، فهو قريبٌ منها يعذّبه بعدُه عنها. وتتوجَهُ إليه العصفورةُ قائلة له: "مهلاً، مهلاً.. توقفْ. لقد أضجرتَني. قليلٌ من الصّبرِ، ومن عزّةِ النفسِ، يا صديقي، فكلّ شيءٍ في أوانِه".

العصفورُ المتيَّمً الملهوف، يُمضي معظمَ يومِه هائماً يروّحُ عن نفسِه وحيداً عندَ الغدير، وعندما يعودُ في المساء تتبدّلُ الدُّنيا في ناظريه. تسكنُ أعصابُه، يهدأ باله ويرقّ قلبُه لفرخيه الجديدين، وشريكتُه التي عادَتْ إليه بعد شوقٍ وانتظار.

هكذا تبدّلَتْ أحوالُ الأسرة، وراح العصفورُ يزاولُ واجبَه في دورَ المُعيل، فيطيرُ بعيداً يفتشُ لهم عن القوتِ، ويحملُه إليهم باندفاعِ الأبِ الحنون وربِّ البيت المسؤول، وسعادةٍ تفيضُ حباً وسلاماً على الجميع. هكذا أيضاً تنتهي كلُّ الحكاية، ويتهيأ الأبُ من جديد ليدربَ فرخيْه على التحليق.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3224415

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC