أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 8: 84-95 » العدد 85: 2013/07 » كلمة العدد 85: ظاهرة اليساريين سابقا

عدلي الهواري

كلمة العدد 85: ظاهرة اليساريين سابقا


عدلي الهواري ناشر مجلة عود الند الثقافيةانتقال الإنسان من موقع إلى آخر، وتغيير موقفه وأفكاره ليس سيئا بالضرورة، بل على العكس يمثل حالة إيجابية إذا كانت نتيجة تطور فكر، وتأمل، ومراجعة ذاتية ونقدية.

لكن الانتقال المثير للشك والكثير من الانتقاد هو الانتقال الذي لا يبدو تطورا فكريا طبيعيا، من قبيل انتقال اليساريين إلى مواقع يمينية، مع الاستمرار في كثير من الأحيان في استخدام لغة يسارية في انتقاد من لم يغادر يساريته.

أما سبب الاهتمام باليساري أكثر من غيره فيرجع إلى أن اليساري يفترض أن يكون من المؤمنين بقضايا مهمة من قبيل العدالة الاجتماعية والتقدم وعدم التعصب قوميا أو دينيا، ولذا انتقاله إلى اليمين يلفت النظر.

في الدول الاشتراكية سابقا كان الانتقال من اليسار إلى اليمين انتقالا جماعيا. وفي الدول التي لا يوجد فيها نظام يساري ينتقل الأفراد اليساريون إلى اليمين لسبب ما، قد يكون مركزا سياسيا حكوميا، أو وظيفة مرموقة، أو مزايا مغرية.

هناك مقالات كثيرة تهجو اليساريين السابقين. من ينتقل من اليسار إلى اليمين نتيجة حوافز مادية يستحق الهجاء الذي يتعرض له. في المقابل، هل المتمسكون باليسارية ملائكة؟ الجواب في رأيي هو لا، ليسوا ملائكة، ولهم عيوبهم كبقية بني البشر.

أسوأ ما يلمس في بعض اليساريين اعتقادهم أن اليسارية تعطيهم مقدرة فكرية إضافية، وأنها تمنحهم مكانة خاصة. في بريطانيا، يوصف بعض اليساريين بأنهم اشتراكيو الشمبانيا نظرا لتمتعهم بالعيش الرغيد، رغم مناداتهم بالعدالة الاجتماعية.

الأسوأ من ظاهرة اليساري السابق ظاهرة اليساري الذي لا يغادر يساريته، بمعنى أنه لا يكف عن تحليل الأحداث السياسة والاقتصادية تحليلا ماركسيا مثلا، ولكنه في الوقت نفسه يكون متعصبا قوميا أو دينيا، أو مستعدا للترحيب بتدخل عسكري أجنبي في بلده أو غيره.

لا يختلف أمر هذا النمط من اليساريين عن ظاهرة المثقفين الذي كانوا (ولا يزالون) يعيشون في أحضان السلطات الحاكمة، ولذا في رأيي أن وصفا من قبيل مثقف ويساري ويميني وأممي وقومي وليبرالي وإسلامي وخلافه لا يكفي لمنح مكانة خاصة لأحد، فلا اليساريون سواسية، ولا المثقفون سواسية، وهذا ينطبق أيضا على أي مجموعة من البشر ضمن أي تصنيف آخر.

هناك دائما حاجة للتأكد من المصداقية الفكرية والشخصية، ومن وجود ترابط بين الفكر والتنظير والممارسة.

مع أطيب التحيات

عدلي الهواري

D 25 حزيران (يونيو) 2013     A عدلي الهواري     C 10 تعليقات

9 مشاركة منتدى

  • الف مبروك عالعدد استاذ عادلي , العدد مميز كعادة المجلــة, وهذا يرجع بلا شك لمجهودكم, اتمنى لكم ولها التوفيق دوماً والنجاح


  • أصاب الكاتب كبد الحقيقة بقوله :"أما سبب الاهتمام باليساري أكثر من غيره فيرجع إلى أن اليساري يفترض أن يكون من المؤمنين بقضايا مهمة من قبيل العدالة الاجتماعية والتقدم وعدم التعصب قوميا أو دينيا، ولذا انتقاله إلى اليمين يلفت النظر".وقد كشفت أحداث العالم وتداعيات الربيع العربي زيف الأقنعة التي يتستر وراءها بعض اليساريين العرب خصوصا وسلوكياتهم الانتهازية-الارتزاقية ، كما ابتعادهم عن المبادىء والقناعات اليسارية الصائبة ودخولهم لبازار الاصطفاف والطائفية المقيتة ! وحتى اليسار الاوروبي فقد كاد يصبح مجرد تقليعة خال من الروح والممارسة الحقيقية...


  • تحية طيبة أستاذ عدلي.أثار المقال اهتمامي بما يتضمنه من قضايا حساسة
    مثل اشكالية الانتماءو المرجعية الفكرية و خاصة في سياق الواقع الثقافي و السياسي العربيين .ما أثاره الاستاذ هو محطة لوعي فكري مبني على معرفة حضارية و انتماء على أساس الانفتاح بعيدا عن أي تعصب أو تميع.


  • كلمه العدد جميله جدا والمجله متنوعه وهذا بفضل مجهودكم الكبير.
    لقد كنت محقا دكتور عدلى عندما قلت "ولذا في رأيي أن وصفا من قبيل مثقف ويساري ويميني وأممي وقومي وليبرالي وإسلامي وخلافه لا يكفي لمنح مكانة خاصة لأحد".
    فعلا ان الشخص الذى سيتمتع بمكانه خاصه هو من سيكون مؤمن بما يحمله من قيم محاولا تطبيقها قدر المستطاع بعيد عن اى انتماء او مصلحه شخصيه، وهو فى النهابه من سيبقى.


  • تحليل رائع دكتور عدلي، فعلاً المبادئ هي التي ستبقى رغم إختلاف الفكر الذي يعتنقه صاحبها، حقاً كلمة رائعة، ووفقك الله دائماً.


  • شكرا للكاتب المبدع عدلي هواري القادر أن يكتب بالسياسة والثقافة بحيادية قل ان تجد مثلها هذه الأيام التي تعج بالمقالات الاصطفافية المتحيزة لهذا الطرف او ذاك . لقد احسنت تماما بوصفك لحالة التردد والضياع التي يمر بها اليساريين العرب دون افق للخلاص .


  • أصل الحكاية
    لا حقيقة مطلقة في الكون حتى في الرياضيات.. مادمنا لم نصل بعد إلى رقم لا أجزاء له. في نهاية "رحلة إبن فطومة" يقول الكاتب: تلك البقعة من الأرض حيث الخلاص لا يبلغها إلاّ الصفوة.. يبلغونها أفراداً لا جماعات.

    وفرع الحكاية.
    في الحي حيث نقطن نشتري حوائجنا من تعاونية الاتحاد العمالي العام، يديرها أعضاء يساريون، يتصرفون مع المستخدمين بكثير من التعسف والإجحاف. يجبرونهم على العمل في العطل والأعياد ما يزيد عن الأوقات المحددة في قانون العمل غير المنصف أصلاً، ويدفعون لهم أجراً أقل من الحد الأدنى.

    وكل الحكاية
    ما لم يكن "انتقال اليساريين إلى مواقع اليمين تطورا فكريا"..؟ فهو بالضرورة حالة من حالات الانتهازية والمنافع. : يساريون يتحركون بمفاصل رأسمالية.


  • أصبت كبد الحقيقة أستاذ، ولكنّ التزامك المفرط بالحياديّة-في اعتقادي- نأى بك قليلا عن أمر مهمّ بل وجوهري وهو أنّ اليسار لا يكون يسارا دون تغيير، وإنّ التّغيير هنا ليس التّخلّي عن المبادىء والثّوابت الوطنيّة والإنسانيّة وإنّما التّغيير الذي ينشأ من ملاءمة النّظريّ للواقع المتغيّر دائما..

    هذا الإنطلاق من الواقع يحصّن اليساريّ من آفة التّكلّس والجمود ويجعله قادرا على التّغيير وتقديم الجديد، ومن لا يمتلك هذه القدرة على التّجدّد دون المساس بالثوابت لا يمكن أن يكون يساريّا..

    تحيّاتي لقلمك الجميل


  • لن تختفي عود الند ولن يستقيل رئيس تحريرها فجأة كما يحدث ببعض الصحف العربية المهجرية المشهورة ، ويكمن السبب باستقلالها الفكري والثقافي والمالي وعدم ارتهانها لأحد ، وستبقى منبرا مضيئا للابداع العربي المتنوع .


في العدد نفسه

مفهوم التناص: المصطلح والإشكالية

ابن المقفع وتجديد النثر العربي

التجريب في رواية المتشائل

الحقول الدلالية في قصيدة...

قراءة في خرافات لافونتين

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  شهادة جانيت فتالة جوهرية

2.  اللغة الأمّ في الجزائر

3.  روحانيات: معرض للخط العربي

4.  قصيدتا أيها الساري والشهيد

5.  فجر النهاية ونص آخر