زهرة يبرم - الجزائر

عندما اغتالوني

لم أعهد نفسي رجلا بكاء ولا شكاء، بل كنت دوما أكتم غيظي وأساي وحزني. أقاوم دموعي حين ترغب في اجتياحي فأزجرها وأقمع ضعفي. لكني اليوم أستسمح كبريائي عذرا لأبكي بحرقة. أبكي أحرفا من حبر على الورق على عمر ضيعوه مني لذنب لم أرتكبه ولم تكن لي يد فيه، بل لفق لي في عمري البرعمي. فمتى كان للأطفال مكان في لعبة شطرنج يمارسها الساسة الكبار بكل ما أوتوا من شطارة وحقارة؟

أخرجوني من طفولتي عنوة ورموا بي في متاهات الكبار، دوخة الأحزاب والإيديولوجيات، الانقسامات والنزاعات، الصراعات على المناصب والكراسي. لقنت درسا بليغا في الكره لن أنساه ما حييت.

لاذت الكروب بوجداني، فقررت أن أكتب أحزاني وأدون مأساتي، أن أسرد قصتي التي قد لا يراها البعض مأساة، بل مجرد حكاية طفل عاكسته الأقدار في زمن رديء من الأزمان، حيث طاله جور طغاة الأوطان. سأكتب للإنسان، وإلا، فللشمس والبحر. سأكتب بلا أمل.

سنوات حالكة الظلمة عرفت بالعشر السود، وأهوال جسام طوقت البلاد والعباد بكل ما يعصر النفس ويوغل فيها تقطيعا وتنكيلا. بالنهار، يحضن الإنسان قدره ويسيح في الأرض ليمثل على ما تسمى حياة بأنه يحياها ويعطيها حقها الذي وجد على الأرض من أجله. لكن روحه مثخنة بالجراح، وقلبه مدمى. يصرخ علنا أن قد فاض كأس الأسى. وبالليل حين يعود إلى منفى الروح، يضم جراحه ويتوسد همومه عله يظفر ببعض السلام فينام.

عرفت عدة أيام قاتمة وأنا طفل، ثم مراهق أحث الخطى نحو الشباب واكتمال الوعي. أيام لو قارنتها لا أدري أيها أشد قتامة. لعل أكثرها تشبثا بخلايا الذاكرة هو ذاك اليوم الذي تذوقت فيه طعم الظلم العلقمي، حين سحبوا بساط الأمل في المستقبل من تحت أقدامي فسقطت سقوطا حرا في خيبة الحياة.

طوقوني بطوق من حديد، وعلموني بألا أفك قيد الحديد وأن أظل العمر كله أدق على أبواب من حديد. من يومها وأنا أجتر المرارة، ما غادرني الإحساس بالنقص. شيء ما ينقصني ويلح علي كما الجوع أو العطش المزمن. شيء يكملني سُلبته وحُرمت منه.

كنت تلميذا في المرحلة المتوسطة أنافس زملائي على المراتب الأولى، أعلل النفس بالآمال العظيمة. والآمال تفسح مساحات في الحياة الحقيقية. هي بدايات مؤشرات النجاح لأي هدف نصبو إليه. كنت أمتلك الأمل بالله وبنفسي وبما بين يدي، كان علي أن أدعم الأمل بالعمل. كنت أدرك قيمة أي لحظة في الحياة. اللحظة هي كنز لا يتكرر، أغتنمه وأستعد فيه لأيام الامتحان لنيل شهادة التعليم المتوسط. وجاءت الأيام الموعودة.

على مقربة من المدرسة المتوسطة يوجد مخفر للشرطة. وقبالته، في باحة، من الجهة الأخرى للطريق نُصبت ألواح تعلق عليها صور المترشحين للانتخابات بأشكالها، وما أكثرها في تلك السنوات! حين لا ترق لهم نتائج اقتراع ما يلغونه، ولا يتعذر عليهم تنظيم اقتراع آخر مع حصر الشروط وتفصيل النتائج على مقاسهم.

في اليوم الثاني للاختبارات، وبعد انتهاء الفترة الصباحية ظهرت تلك الملصقات. تسارع التلاميذ بدافع الفضول لمشاهدة صور المترشحين لانتخابات. لم أهتم لماهيتها بعد أن فقد الكثيرون الثقة في نتائجها. امتدت يد عابثة. مزقت بعض الصور. جاء شرطيان من الضفة الأخرى للطريق يحثان الخطى، فتدافع التلاميذ للفرار إلا أنا. لم أجد في نفسي دافعا للهروب، كنت قد وصلت للتو، تسمرت في مكاني متسلحا ببراءتي. أمسكا بي وكأنهما قد ظفرا بغنيمة. اقتاداني إلى مركز جهاز الأمن. مشيت بينهما رخي البال، ثابت الجنان، رابط الجأش. سلماني إلى ضابط ضخم الجثة ليبدأ التحقيق معي.

بدأت مساءلتي. ما أن عرف الضابط البدين اسمي الثلاثي واسم عائلتي حتى أومأ إلى مرافقيه وهمهم: "إنه ابنه". خفت حينها وعرفت أن التهمة ستلبسني. اتهمني بأني مأمور من أهلي بتمزيق الأوراق. دافعت عن براءتي بكل قواي بدليل عدم هروبي، لكنه أصر على اتهامي بشهادة أنه رآني رؤية العين.

* * *

عندما هبت عاصفة هوجاء تهاوى الشجر. الشجر لم يتهاوى كله. ثمة مقاومة من بعضه للعاصفة. وحدها شجرة "الكاليتوس" الباسقة شدت انتباهي. بقيت صامدة في المكان بعنفوان تنحني للريح لكن لم تنكسر. تلكم هي أمي. أقصد أن الشبه بينها وبين أمي كبير.

في ليلة ليلاء كان أبي في زيارة لجدتي في مرضها الأخير. تأخر عندها فداهمه الليل والبلاد معلنة حالة الطوارئ، والمدينة تعيش حضر التجوال. اضطر أبي للمبيت عندها. عند الساعة الصفر طرقوا بابنا، فهم يصطادون ضحاياهم والناس نيام. أتت أمي توقظني بحذر لأكون جنبها، رجلها في مواجهة الأغراب وأنا ابن الثالثة عشر وأكبر إخوتي.

قالت: من؟

قالوا: نريد فلانا.

قالت: زوجي غير موجود.

قالوا: افتحي الباب يا أختنا، نحن متأكدون من وجوده ولا ينفعه الاختباء.

قالت: هو ليس جبانا كما تظنون، لوكان موجودا لما تركني أكلمكم.

قالوا: افتحي ولا تضطرينا إلى كسر الباب يا أختنا.

قالت: أختكم؟ وهل أخواتكم ونساؤكم وبناتكم يفتحن أبوابهن لرجال غرباء بعد منتصف الليل؟ إن كن يفعلن ذلك فما أنا بفاعلة في غياب زوجي. انصرفوا أرجوكم لقد أخفتم صغاري.

وكان كل إخوتي متكوكبين خلفها يصرخون.

تشاوروا فيما بينهم وأمي تنظر من العين السحرية. هم أحدهم بكسر الباب لكن الآخرين منعوه، وانصرفوا في آخر الأمر.

منذ تلك الليلة صار أبي يبيت بكامل ملابسه تحسبا لأي مداهمة لاعتقاله. فهم ينقضون انقضاضا، وقد اقتادوا رفاقه بثياب النوم في عز البرد حفاة.

صحا والداي في هزيع الليل على جلبة في سلالم العمارة، وارتطام قوي كان كافيا لإيقاظي أنا أيضا. وقفت في ظلام الغرفة وكان بابها مواربا، فشاهدت ما يجري. رأيت أبي مرتديا كامل ملابسه، جرى إلى المغسل فتوضأ، لم يطرقوا الباب بعد. انتعل حذاءه، وهرولت أمي إليه فدست مصحفا صغيرا في جيبه، ورشته بعطر فاخر، لم يطرقوا الباب.
مشط شعره وحسن هيئته ولسانه يلهج بالدعاء، لم يطرقوا الباب. أوصى أمي بنفسها وبنا خيرا، فنابت عيناها الطافحتان بالدمع عن لسانها، لم يطرقوا الباب. صعقنا مواء قط بائس يتسلق الدرج يبحث عن الأمان والدفء والغذاء.

بعد يومين، وبعد أن غربت الشمس في خجل تتوارى من ظلم الزمان، اعتقلوا أبي وغيبوه في محتشدات الصحراء مع الأفاعي والعقارب وحرارة كما الجحيم.

أبي من حزب مغضوب عليه بموجب فوزه على شركاء الديمقراطية من الديناصورات المتحجرة على الكراسي كالحفريات، رفضت التخلي عن أماكنها حين نطق الصندوق الزجاجي بالكلمة الأخيرة، وشهد العالم والتاريخ شفافية الصندوق لأول مرة في هذا الوطن. صار أبي برلمانيا بموجب هذا الفوز- وهي تهمة اعتقاله. حينها قلبت طاولة الشراكة في وجه الفائزين، واعتقلت الديمقراطية متهمة بالقصور، كبلت وكممت واغتصبت ورجمت بتهمة الفجور.

رسبت تلك السنة، وترتب على ذلك الرسوب أن ضاعت فرصتي في الفشل سنة أخرى. تكالبت علينا بنات الدهر، ومسنا من الإهانة شيء. بدأ مالنا ينفذ، ودخل أمي من الحياكة على آلة النسيج التي تعلمتها اضطرارا قليل، وأنا وإخوتي صغار، والسعر غال. ترملت أمي وتيتمنا لست سنوات. عضنا البؤس بأنيابه. إلا أن اليأس لم يدب في قلب أمي. دأبت تشجعنا وتقوينا على المذاكرة للنجاح. فهي إن خسرت زوجها فلا يمكن أن تخسر أطفالها أيضا وتستسلم.

* * *

في مخفر الشرطة، جاءت أمي تستجلي الأمر. أخبرها السمين أني متهم في قضية ستؤدي بي إلى سجن الأحداث. أكدتُ له براءتي من جديد وأني لم أر الفاعل. أصر على اتهامي، ولم يرحم توسلات أمي. أوليست امرأة البرلماني المعتقل، الشجاعة، التي تصدت لهم من خلف بابها؟ إنها قضية كره أعمى وثأر بين التيارات الفكرية، وقد وصل الأمر إلى تبادل ضربات صاعقة طالت حتى براءة الأطفال.

ترجته أن يطلق سراحي ليومين فقط حتى أنهي امتحاناتي ثم تعيدني إليه، إذ هي فرصتي الأخيرة، إما النجاح أو الفصل النهائي، وأني مجرد طفل. لم يستجب لها ولم يرحم دموع عينيها وروحها.

* * *

أيها المعتل نفسيا كم بقي من العمر؟ كنت أرمق الساعة المعلقة في المكتب المقابل لحجرة اعتقالي، وقد وقف عن يميني ويساري شرطيان شاكي السلاح. كنت أترجى الدقائق أن تتأنى في تعاقبها. أتوسل الزمان أن يتوقف. كانت أمي هناك تصارع اليأس وتطلب ما لا ينال. ولما تسربت دقائق الزمن، ودنا عقرب الدقائق من الثانية عشرة معلنا الثالثة تماما بعد الظهر، أصابني القنوط وأدركت أن آمال أمي قد تحطمت وأصابها التلف.

صرت أرمق أسلحة السجانين وقد جردوني سلاحي. كيف لي أن أخوض الحياة وقد علمني ابن باديس أن العلم سلاح الحياة؟

يا نشء أنت رجاؤنا - - - وبك الصباح قد اقترب

خذ للحياة سلاحها - - وخض الخطوب ولا تهب

الظلم له يد وليس له فؤاد. في تمام الخامسة، موعد انتهاء الاختبار المسائي، منحوني البراءة لعدم كفاية الأدلة. أطلقوا سراحي فخرجت إلى هذا العالم المأزوم بكل ما في واقعه من نقائص. تهت وضيعت الطريق الصحيح. عجزت عن العودة إلى نفسي وفقدت كل آمالي وتطلعاتي وأماني في الحياة. هربت وانزويت وانطويت، واكتفيت بأمل قضى عليه الدهر. رفضت التحدي وأهملته.

منحتني أمي صدرها منفى أدفن فيه بكائي وأنيني، وأجس فيه جراحي، وأتلمس أيامي وسنيني. وبعد ست سنين عاد أبي كفيف البصر.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3251095

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC