غانية الوناس - الجزائر

هنا تصنع الحياة

غانية الوناسحينَ يسرقُون منك كلّ شيءٍ، وحينَ تُصبح حياتُك قُربانكَ الوحيدَ لوطنكْ، تُصبحُ عندها أنتَ منْ يَصنعُ الحيَاة.

غطّتهُ بجدائِلها، ومالتْ تُقبّلُ فيه الجّبين، ذاك الّذي توسّم بالغارِ كأجلّ ما يعبقُ الوقارْ، احتضنتهُ تبكيهِ وليدًا مفارقًا، تغمرُهُ فرحًا يُغادرهَا إلى حيثُ لا عوْدةَ إلى الدّار، وشوقًا مُرفرِفًا كما الفراشاتُ تُغازلُ الزّهور، ومضتْ برِقّةٍ تُداعبُ شّعرهُ الدّاكنَ ، كظلمةِ ليلٍ لا ينتهِي ، أكفٌّ تحنّتْ بدمِهِ، وغرّدتِ النّوارسُ احتفَاءً بالفرحْ، وزُفّتْ عرائسُ المجدِ إلى عزّ السّماء،

واستندتْ هي بظهرهَا المُنهك، إلى ذلك الهدوءِ المُؤجّلِ ، تقرأُ عليهِ آياتٍ من السّماء، تلثمُه شوقاً، لعمرٍ لنْ يعُود أبداً، تهمسُ في أذنهِ، تمسحُ بعطفها عن وجهِهِ البسّام ، وهناكَ في الخلفِ عمرٌ جديدٌ يُولدُ في ابتسامة، ودُعاءْ.

شمسٌ تُشرقُ في جبهةِ الشّهيدِ، ويُورِقُ ثرَى الأرضِ ثورةً في ميلادِ المجدِ تُختصرْ، يَنتصبُ الشّموخُ عاليًا، مُهلّلاً، وراياتنا تعْلُوهُ مُكبّرَة، شامخةٌ مُكبّرة.

أبدًا لا يمسُّها التُّرابْ ، يدًا بيدٍ ترتفعْ، لاَ تلمسُ التّراب، يحملها بيدهِ ماضيًا، فيسقطُ رافعًا رأسهُ إلى السّماءِ عاليًا، هُنا الموقفُ يختلفْ، هُنا تُصنع الحياةُ من عِزّةِ الرّجال، هُنا الشّرفُ يخجلُ منهُ فيعترفْ، هُنا الوُجودُ ينأى بنفسهِ جانباً، لعلّه يتعلّمُ منهمْ كيفَ يولدُ العزمُ من رحمِ الوجعْ.

وأمُّه الّتي عاشتْ فقطْ لتودّع الرّاحلينَ إلى السّماء، تجلسُ إليهِ تُهدهدهُ. نمْ يا صغيرِي، نمْ أيّها الشّهيدْ، تُهدهدهُ برفقٍ، فيعتلي الشموخُ مداهُ، ويرتفعُ الصّمودُ منادياً، برفقٍ تتركهْ، وترتقي الرّوحُ إلى حيثُ الخُلودْ، "لا وقتَ للدمعِ يا أمّي، أجلّيه ليومِ الّلقاءْ".

وأمُّه هناكَ ترقبهُ، تسبقهَا دُموعها، وتلحقُ بالرّكبِ تهمسُ في أُذنه:

"رضيتُ عنكَ أيْ بُنيّ، يا قُرّة العينِ يا شهيدْ".

يمْضُون بهِ، وهي تعُودُ لتجالسَ طيفهُ الّذي خلّفهُ في الدّارْ. ما ماتَ منْ دمهُ يسْقِي التُرابْ يا أمّي. هكذا كانتْ تُحدّثُ نفْسها، هكذا كانتْ تنبسُ بشفتيها، بينما راحتْ الدّموعُ تنسابُ دونَ توقّفْ.

كانتْ كاتيا غريبةُ عنْ كلّ تلكَ الطّقوسِ الّتي لمْ تشْهدها من قبلْ، ففي وطنها لاَ يمُوتُ النّاسُ هكذا. ذلك التّرابُ الّذي يُمسكونه بأيديهم، فيُقبّلونه كلّما اشْتاقوا. ذلك الفرحُ المخبّأ في عيونِ نساءٍ يوّدعنَ أبناءهنّ، وأزواجهن، وأشقاءهنّ بالدّعاءْ، رغمَ كلّ ذلك الحزنْ. هؤُلاءِ الصّبيةُ الّذين استبدلوا طفولتهم بالنضالْ، واسْتبدلوا اللّعبَ بالمواجهة، وشّبابٌ يمضِي إلى الموتِ مبْتسماً. لا شيءَ هُنا يُشبه وطنها الّذي تعرفْ. ببساطة، كلّ شيءٍ هُنا يخْتلفْ.

غصّةٌ ما كانتْ تختنقُ بدّاخلها، فهي المرفهّةُ هُناكَ على أرضٍ لمْ يسْرقها منهمْ أيّ أحدْ، لمْ يأتها يومٌ استيقظتْ فيهِ على صوتِ قصفٍ، ولا نامتْ يوماً بدونِ عشاءْ، ولا رأتْ بحياتها كُلّها، أطفالاً تُقاتلُ بالحجرْ.

تهاوتْ على الأرضِ، كأنّها قطعةُ أثاثٍ قديمٍ لمْ يعدْ يقوى على الوقُوفِ أكثرْ. اقْتربتْ أكثرْ من المشهدْ، وضعتْ توقيعاً صغيراً أسفلَ ما كتبتْ. بعثته إلى صحيفتها في لندنْ حيثُ تعملْ، مع عبارةٍ صغيرةٍ على الهامشْ: "هُنا تُصنعُ الحياةُ، كيْ يتعلّم العالمْ، هُنا كلّ شيءٍ يخْتلفْ".


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3150149

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC