سعيد عبيد - المغرب

محمد بنعمارة: شاعر الحب الإلهي

محمد بنعمارة شاعر الحب الإلهي من خلال ديوان "الذهاب بعيدا إلى نفسي"

اَلشِّعْرُ أَوْصَلَنِي إِلَى رَبِّ ٱلْعُلا --- فَرَكَعْتُ بَيْنَ ٱلرَّاكِعِينَ السُّجَّدِ

وَأَقَمْتُ فِي مِحْـرَابِهِ مُتَبَتِّـلاً --- مُتَفَكِّرًا مُتَأَمِّـلاً فِي مَعْبَـدِي»

 في الحب الإلهيّ:

يقسم الديلمي (تـ 385هـ) المحبة إلى خمسة أنواع، فيقول: "إن المحبة التي يتحاب بها المحبون خمسة أنواع لخمسة أصناف: نوع إلهي لأهل التوحيد، ونوع عقلي لأهل المعرفة، ونوع روحاني لخواص الناس، ونوع طبيعي لعامة الناس، ونوع بهيمي لرُذال الناس".(1) غير أن هذا التقسيم الخماسي لم يشع شيوع التقسيم الثنائي الذي يجعل الحب قسمين رئيسين جامعين، هما الحب الإلهي والحب الطبيعي، وهما حبان مشتركان بحكم التسمية لفظا، ولكنهما متباينان مفهوما تباين ما أضيف كل واحد منهما إليه. ويمكن رصد ذلك التباين من خلال ما يميز الحب الإلهي على مستويين: مستوى التعريف، ومستوى الإنجاز.

يعرف بعض العشاق من المتصوفة المحبة بأنها "الميل الدائم بالقلب الهائم، وإيثار المحبوب على جميع المصحوب، وموافقة الحبيب في المشهد والمغيب، ومحو المحب بصفاته، وإثبات المحبوب بذاته، ومواطأة القلب لمرادات الرب، وترك الحرمة، مع ملازمة الخدمة"(2). ويختصر عبد الله القرشي ذلك في أن "حقيقة المحبة أن تهب كُلَّك لمن أحببت، فلا يبقى منك شيء"(3). وهكذا، فإن موضوع الحب الإلهي هو الله تعالى ذاته، ذو الجلال والجمال والكمال. وهذا هو التسامي الذي أجمع الدارسون على رقيه به عن فكرة الحب الطبيعي المظروف المحسوس، من حيث إن موضوعه الصورة الزائلة، والجسد الفاني. يقول الديلمي مقارنا بين الحبين: "واعلمْ أن المحبين من أهل الطبيعة تناهت محبتهم إلى ذهاب العقل والدهشة والتوحش، ثم أدى ذلك منهم بهم إلى الهلاك والموت(4). وليس هكذا حال الإلهيين منهم، فإن حال تناهيهم إما إلى اتحاد بالمحبوب، وهو الحياة الدائمة، أو إلى مقام التوحيد، وهو الوصول [إلى المحبوب] بالمحبوب، وشهود الشواهد بالشاهد المحبوب، حتى كأنه هو حقيقة كل شيء، ومنه كل شيء، وبه كل شيء، وله كل شيء، وعنه كل شيء"(5).

أما على مستوى الإنجاز، فإن التمييز بين الحبين الإلهي والطبيعي يتم عبر خطة
قوامها(6):

=1= خص الذات الإلهية بالمطلق: وتتم هذه العملية بمجموعة من الأساليب منها:

* الاستغراق: وهو أسلوب إثباتي يجعل كل شيء داخلا في حكم الله.

* النفي: وهو أسلوب يضطر إليه المتحدث عن الخالق بلغة يتخاطب بها المخلوقون، فهي عاجزة تبعا لذلك عن الإحاطة بوصفه سبحانه.

=2= التمييز بين العشاق الطبيعيين والإلهيين على أساسين:

* خضوع الطبيعيين للوسائط، وارتفاع الوسائط عن الإلهيين؛ فهؤلاء يحققون الوصل بمعشوقهم الأسمى، ولا يحسون إلا محبوبهم.

* خضوع الطبيعيين بداهة لقوانين الطبيعة، وهي قوانين الكون والفساد والهلاك، يضاف إليها طلب الموت الذي يؤدي إلى قتل العشاق أنفسهم، في شوق يائس إلى ما فيه راحة نفوسهم وأجسادهم القلقة. وهذا الأمر منفي عن أهل المحبة الإلهية بالمرة، كما سبق أن سجلناه فيما قرره الديلمي.

لا شك أن فكرة الحب الإلهي فكرة قرآنية حديثية في أصلها، إذ كثيرة هي الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي تؤصلها في وعي المؤمن، ومنها قوله تعالى: "والذين آمنوا أشدُّ حبا لله"(7)، وقوله كذلك "فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه"(8)، ومنه أيضا دعاؤه صلى الله عليه وسلم: "أسألك حبك، وحب عمل يقربني إلى حبك"(9)، وكذلك حديث الرجل الذي سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الساعة، فقال له: "ما أعددت لها؟" قال: "ما أعددت لها من كثير عمل، إلا أني أُحب الله ورسوله", قال: "المرء مع من أحب"(10). بناء على هذا اعتبرت محبة الله تعالى أسمى مُنية النفوس المؤمنة المشرئبة إلى الكمال، لذلك عقد ابن الخطيب القسم الرابع في ما يخص خشب المحبة الذي يتخذ منه النشب، تحت عنوان: "في أن المولى هو بالحب أولى"، قائلا: "فكيف لا يقع الشوق والحنين من النفوس الصافية الزكية إلى العالم الإلهي الذي كل كمال وجمال، ونور وإدراك، وإشراق وبهجة... هو معناه، ومنه استفيد؟"(11)

على أن هذا الحب ليس صعيدا واحدا، ولكنه رتب مدرَّجة في سلم تصاعدي، يحددها أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد الأعرابي (تـ 340هـ)، صاحب الجنيد في عشرين درجة: "فأولها التعرّف، ثم التأمل، والتعجب، والتولّع، والتشرف، والتطلع، والتعلق، والتتبع، والتألف، والود، والحب، والغرام، والصبابة، والاستهتار، والكلَف، والعشق، والشجَن، والتتيم، والتوله، والتهالك"(12). وقد شرح الديلمي هذه الرتب بتأويل إشاري خاص لا تربطه صلة مباشرة بالأصل المعجمي الذي منه كل لفظة؛ فالتعرف – وهو بداية المرقى - هو "أول حس النفس بموضع الموافقة"، والحب – وهو وسط المرقى - هو "استحلاؤها عذوبة العاطفة"، والتهالك – وهو أسمى الرتب - هو "إسقاط قدر الحياة في جنب المواجهة", وكذلك الشأن بالنسبة لباقي مفردات الرتب(13).
 

شعر الحب الإلهي:

لما التقت فكرة الحب الإلهي بسحر بيان الشعر، تفتق اللقاء عن اكتشاف مساحة بكر واسعة لم تطأها من قبل أقدام الشعراء، ساحة غنية بالأنغام القدسية، والألحان العلوية التي أبدعها شعراء تغنوا بالحب الإلهي عشقا وهياما، وفناء وذوبانا، بعد أن سموا بإدراكهم وتذوقهم للجمال إلى ما فوق رغبات الحس الطيني، ودواعي المتعة الحسية. وهكذا "استطاع هؤلاء الشعراء الذين امتلأت قلوبهم ووجداناتهم بأقباس الحب الإلهي أن يبدعوا عالما شعريا له مفرداته ورموزه وإيحاءاته، وله معجمه الخاص الذي لابد من الإحاطة به لمن يحاول الاقتراب من حدود عالمهم الشعري، خشية أن يزل أو يضل"(14). ولقد كانت الشاعرة العارفة بالله رابعة العدوية (تـ 185هـ) صاحبة القصائد الذائعة التي سارت بها ركبان المحبين، وفي مقدَّمها القصيدة التي مطلعها:

وارحمتَا للعاشقيـن، قلوبهـم --- في تيه ميدان المحبـة هائمـهْ!

أول من صاغ هذا الحب غرضا شعريا خالصا، لتتطور مدرسة شعر الحب الإلهي بعدها على يد كثيرين، كابن الفارض، وابن عربي، وابن يزيد البسطامي، وسهل بن عبد الله التستري، وأبي عبد الله القرشي، والشلبي، وابن عطاء الله السكندري، والحارث المحاسبي، والجنيد، وعبد الله بن المبارك، وغيرهم... وقد أحسن الشاعر الكبير المرهف فاروق شوشة صنعا لما جمع مختارات من قصائد الحب الإلهي(15)، بدءا بالإمام الشافعي رضي الله عنه، في قصيدته التي مطلعها:

إليك إلهَ الخلق أرفع رغبـتي --- وإن كنتُ يا ذا المن والجود مجرما

وانتهاء بالشاعر المصري طاهر أبي فاشا المتوفى عام 1989، صاحب ديوان "راهب الليل"، الذي مطلع قصيدته المختارة:

غريب على باب الرجاء طريح --- يناديك موصول الجوى وينوح

مرورا بأسماء شعرية كثيرة، قديمة وحديثة، تغنت بهذا الحب العظيم الموصول بالسماء. 
 

محمد بنعمارة والرحلة من الحب الطبيعي إلى الحب الإلهي:

يرتحل الشاعر باستمرار في تجربته الحياتية والفنية إلى حيث يقوده الترقي في معراج الأفكار والقيم والمواقف والرؤى. وهكذا يمكن رصد تحول رحلة الحب عند محمد بنعمارة في ديوانه الأوسط المفصلي "نشيد الغرباء" (صدر سنة 1401-1981)، حيث يعلن – بعد صراع ذاتي مستمر عنيف بين قبضة الطين ونفخة الروح - عن تحويل وجهة حبه من الطبيعي إلى الإلهي بوضوح. يقول مطلّقا حبه الأول(16):

كنت في شهوتي مدمنا

فاعتنقت الخرافات في شكلها الأنثوي

كنت... كنت غريقا

مددت يدي

"لا تجيب العصور الكهوف"

عائدا بعد تيه طويل إلى مولاه، في تواضع ونكران ذات، رجاء القبول(17):

أنا لست قديس هذا الزمان

ولكنني عائد

بعد تيه طويل

والعودة هاهنا عودة إلى الأصل المطهر الموصول بالسماء حيث كانت نفخة الروح أول مرة(18):

يارفيق الإتجاه

أمامنا وهج الرحيل إلى السماء

ثم يزيد الشاعر هذا الارتحال العشقي تأكيدا وترسيخا هائما في هواه، في دواوينه التالية تباعا. يقول مثلا في الديوان اللاحق "مملكة الروح"(19):

وانثر شوقك في بدء سجودك

واشهد ألا رب سواه

ويقول في الديوان الذي تلاه، ديوان "السنبلة"(20):

إني رفضت الحب حربا

ذاك صوتي: نخلة أثمارها الحب الإلهي

وذاك الصوت منها

ثم يؤكد مفاصلة الحب الأرضي في الديوان السابع، "في الرياح وفي السحابة"(21):

اسألي عني

فإني

في جِنان الله

خارج هذه الأرض المصابهْ

 غلاف كتاب محمد بن عمارةديوان الحب الإلهي:

"الذهاب بعيدا إلى نفسي" هو ثامن وآخر دواوين الشاعر رتبة، صدر له –رحمه الله - بُعيد وفاته. وهو يتضمن –بعد التقديم الذي كتبه الناقد محمد شراك(22)- سبعة وعشرين نصا شعريا، أولها عبارة عن قصائد شذرية حِكمية، وآخرها ثلاثيات أغلبها في المناجاة الإلهية، ختمت بخمسة أبيات هي آخر ما كتب الشاعر وهو على فراش الموت قبل أن يفضي إلى مولاه(23).

وقد تنوعت قصائد الديوان من حيث موضوعاتها بين التجارب والمكابدات الروحية والعاطفية والمعيشية، والتأملات الحِكمية، والإخوانيات، والقصائد السياسية النقدية والقومية، والقصائد الغزلية، مع مرثية واحدة. كما أنها تنوعت إيقاعا بين سنة عشر نصا على نظام العروض الخليلي، وأحد عشر على نظام التفعيلة.

غير أن السمة التي تكاد تكون مشتركة بين جميع قصائد الديوان هي حضور تيمة الحب بشكل لافت على طول الديوان وعرضه، حتى إن القارئ الأولي للديوان – لشدة إلحاح هذه التيمة - يخرج بانطباع مفاده أن الشاعر يدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه، وقد توجهت ركائبه فعلا على صفحات الديوان وجهات أربعا رئيسة، هي وجهة الله جل جلاله، ووجهة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ووجهة الأنثى، ووجهة المكان (مقصورا على المدينة المنورة وبغداد). وهو كله حب فائر متدفق من روح الشاعر الشفاف الذي ينفعل به، ويغذيه، ويرعى ناشئته المشبوبة كما ترعى الشتلةَ الأرض المعطاء. يقول الشاعر عن نفسه(24):

الحب منك تفجـرت أنهـاره --- وهو الرباب تأوهتْ أوتاره

وهو اللهيب إذا اشتعلتَ صبابة --- شبّت حرائقه وزادت ناره

ولكي يتضح حجم حضور تيمة الحب الإلهي في الديوان، يجدر بنا أن نستعين بإحصاء لزوج اللفظ الذي يشكل هذا المركب الإضافي، ولنبدأ تأدبا باسم الله عز وجل:

**اللــه: ورد اسم الله تعالى في الديوان ثلاثا ومائتي (203) مرة ما بين العلم والصفة والضمير، موزعة على الشكل الآتي:

- اسم الجلالة "الله": 34 مرة.

- الأسماء الحسنى والصفات العليا: 88 مرة، أهمها "الرب" (20 مرة)، أكثرها مسندة إلى ضمير المتكلم (ربي)، و"المولى" (10 مرات)، أغلبها بصيغة المنادى (مولاي)، و"الخالق" (8مرات)، و"الحبيب" و"المحبوب" (7مرات)، و"الإله" (7 كذلك)، ثم "الرحمن" و"الرحيم" و"السيد" و"الواحد" و"الأحد" و"العظيم" و"الحق" و"المعبود" و"النور" و"الوهاب" و"المجيب" و"القريب" و"الجليل" و"العلي" و"عظيم الجاه" و"الجواد" و"المعطي"، مع "المنادي" و"السند" و"الاعتماد"، واسمي موصول عائدين عليه تعالى في قوله "من غفرانه لي شفيع"، وقوله "الذي نمضي ويبقى".

- الضمائر: 81 مرة، ما بين ظاهر (متصل ومنفصل) ومستتر، توزعت بين 47 ضمير خطاب، و34 ضمير غيبة. مع الإشارة إلى أن أغلب تلك الضمائر حوتها الثلاثيات الممتدة على مساحة ثماني عشرة صفحة في آخر الديوان.

**الحـب: لو تتبعنا ما دل على مفهوم الحب في الديوان لوجدناه غزيرا، ولاسيما مرادفاته من مثل العشق والهوى والصبابة والشوق والغرام والذَّوب ومَلْك الفؤاد وغيرها... ولكننا سنقصر إحصاءنا على لفظة "الحب" ومشتقاتها، لنسجل حضورها بعدة أربع وأربعين (44) مرة، أغلبها بصيغة المصدر "الحب" (20 مرة)، ثم الصفة المشبهة "الحبيب" و"الحبيبة" (13 مرة)، وما تبقى موزع بين صيغ المصدر: "المحبة"، والفعل "أحب" و"تحب"، واسم المفعول "المحبوب"، والجمع "أحباب".

وبالنظر إلى السياقات الدلالية لورود هذه الألفاظ يمكن أن نلاحظ ارتباطها بالله تعالى في الأعم الأغلب (في 16 موضعا)، وبالنبي صلى الله عليه وسلم (في 6 مواضع)، وبالحب مطلقا (في 8م)، وببغداد (في 7م)، وبالأنثى (في 5م) (25).

إذاً، لا شك أن هذا الحضور المتكرر القوي لاسم الجلالة وما دل عليه، و للفظة "الحب"، بما تعداده –في الحاصل - سبع وأربعون ومائتي (247) مرة، مؤشر قوي على كثافة حضور موضوعة الحب الإلهي في الديوان، بشكل يجعل من بعض قصائده أسفارا فريدة خالصة في المناجاة، وتراتيل عذبة للعاشقين الآيبين المؤوّبين، كما هي الحال بالنسبة للثلاثيات.
 
 تجليات الحب الإلهي في الديوان:

يتجلى الحب الإلهي في التجربة الشعرية لمحمد بنعمارة من خلال ديوان "الذهاب بعيدا إلى نفسي" في الوجوه الآتية:

=1= الرحيل إلى الله: إذ من شأن المحب أن يرتحل إلى جهة الحبيب، ويقتص أثره أينما حل وارتحل، طمعا في القرب منه. يقول الشاعر(26):

ومررتُ مثل الطيف

أركب ومضة نور نحو حبيبهم

وحبيبي

ورحيل الشاعر إلى الله هنا لا شك أنه هجرة كل ما من شأنه أن يبعده عنه، أو يحول بينه وبين القرب منه، والنهل من معين حبه، وفيض نوره. إنها هجرة ولاء، عودة إلى أصل الروح الأول كما رأينا من قبل.

=2= إفراغ القلب من سوى الله: إذ الحب الحق يعمي ويصم؛ يعمي عن النظر إلى ما سوى المحبوب، ويصم عن الأنس بغير صوته أو حسه أو ذكره. يقول الشاعر:(27)

إلى أرض النبي أطير شوقــا --- ولست بطائر لكن قلبـي

يرفرف مثل عصفور تسامـى --- وما في القلب إلا الله ربي

=3= سريان حب الله في شغاف القلب: يقول(28):

تدفق فيه كالـدم حب ربـي --- فحلق ثم رفرف ثم تاهـا

وكما أن الدم لا يغفل عرقا من عروق القلب السليم إلا وصله وأمده، فكذلك حب الله ملك على الشاعر قلبه وروحه من أقطارهما.

=4= رؤية نور الله: من علامات باطن المحب المراقبة التي يعرفها ابن الخطيب بأنها "مراعاة السر لملاحظة الحق"، أو "دوام ملاحظة المقصود"(29). ومقتضى ذلك أن يظل الحبيب حاضرا في سويداء فؤاد المحب، وبين عينيه، ليحلو له العيش ويطيب. يقول بنعمارة(30):

يا سيدي وحبيبي

يا من يراه القلب نورا يتجلى

في رحاب الحب

صار الحب أحلى

=5= لزوم حب الله: وذاك توطين للنفس على عدم مبارحة ما وقر فيها من سامي الهوى، وقدسي العشق. يقول(31):

بلاد المصطفى ملكت فؤادي --- هواها لا يفارقني وربـي

على تقدير "هواها لا يفارقني وهوى ربي". وإن قدرت عدم حذف المضاف، كان الله بذاته دائم الحضور معه، ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾(32)، وكان استحضار هذه المعية في مقام الهوى من باب الهوى.

=6= الاعتزاز والأنس بحب الله: يقول(33):

وحب الله عــز ثم جاه --- وأنس في ضيافته جميــل

فأما الاعتزاز، فلأن محب الله حاز ما لا يحوزه عاشقو الأعراض والصور، فقويت بربه شوكته، وعز به جانبه، وهانت الدنيا عنده، ويكفيه أنه يستمد اعتزازه من محبوبه الأسمى الذي له العزة جميعا. وأما الأنس به تعالى، بما هو "سرور القلب بشهود جمال الحبيب، من غير استشعار رقيب، وهي حالة توجب انتعاش المحب"(34)، واستيحاشه بالبعد عنه، فإنه من لوازم المحبة لا ريب.

=7= الولاء لله: إذ مقتضى الحب الولاء للمحبوب جل وعلا، والبراء من كل ما يقف بين المحب وبينه ليبعده عنه، أو ليصرف –في زمن شراء الذمم- ولاءه إليه. يقول على لسان الحلاج(35):

- وبمن توصي يا حلاج؟

- بالشعر يكون نواحا

بولائك لله، وليس لخلق الله المغرورين

=8= اختصاصه تعالى بالسجود: والسجود قمة الحب، لأنه فيه يتجسد كمال العبودية، وتمام الطاعة، ونهاية القرب، ولذلك يفزع إليه أهل المحبة كلما أرادوا وصالا. يقول الشاعر(36):

أراد الخلائق مني انحنـاء --- لغيرك لم أحن هذا الجبيـنا

=9= ارتباط حبه تعالى بعبادته: فالحب الإلهي عند الشاعر ليس مجرد شطحة فكرية أو تجربة فنية، ولكنه مرتبط بالسلوك والممارسة ارتباطا لزوميا، لذلك لا يكتفي بأن يقر حبه في الجنان، ويلهج به اللسان، ولكنه يترجمه إلى عبادة عملية تشارك فيها بصدق حار -رغم وهن الجسم- كل الجوارح. يقول(37):

هبْ أنك يا ولدي أحببت

وعبدتَ الواحد والمحبوب

وهي العبادة التي تلحظ في مثل قوله(38):

أصلي في هزيع الليل أبكـي --- وأخشع يا إلهي في السجـود

أو قوله(39):

بكل جوارحي للـه أرقـى --- وأطمع في رضى الحق الرحيم

=10= ذكر الله تعالى: وأظهر معالم ذلك الذكر اللهج باسم المحبوب، وقد رأينا كيف أن الشاعر قد ردد اسم الله تعالى بمختلف الصور ثلاثا ومائتي (203) مرة، وهو ما يتيح للمحب التلذذ باسم محبوبه، لأن "من أحب شيئا أكثر من ذكره، إذ اللسان ترجمان القلب"(40). ويروى أن قيسا كان يدور في الأزقة ويقول: ليلى ليلى دائما، لا يخلط باسمها شيئا. وإذا كان هذا ثمرة حب ليلى، فكيف بمجنون الحب برب ليلى؟(41) ولعل ذلك التلذذ واضح في مثل قوله(42):

واذكرْ مولاك إذا ضاقـت --- فالذكر لذيذ كالعســلِ

بل إن روح الشاعر الشفاف يرى الكائنات الجوامد أيضا تلهج بذكر مولاها، وهو ما لا يتأتى لمن أغلق التعلق بالأعراض والشهوات سمعه وبصره وفؤاده، أو أقست جرأته على مولاه قلبه، وأغلظت حسه، ونسيه فأنساه من وراء الحُجب نفسه. فهاهو الشاعر يصيخ السمع، فإذا بساقية غافية في نعيم الحب، تسبّح باسم حبيبها بكرة وعشيا(43):

ويتبع ساقية غافية

تذكر ربا معبودا

=11= الانقياد لله تعالى: يقول الشاعر:(44)

ويهتف بي منـاد في عـلاه --- ودعوته يقابلـها انصياعـي

إن هذا الانصياع لدليل على صدق الحب ومسؤوليته، إذ من العلامات الذاتية للمحب "
الطاعة للمحبوب، وإيثار مراده، لأن ثمرة المحبة الموافقة"(45). وهو ما تفطن إليه ابن قيم الجوزية في أول ما استهل به كتابه "روضة المحبين ونزهة المشتاقين" بعد البسملة قائلا: "الحمد لله الذي جعل المحبة إلى الظفر بالمحبوب سبيلا، ونصب طاعته والخضوع له على صدق المحبة دليلا"(46).

محمد بن عمارةولنلاحظ أن الشاعر آثر في الاستعمال كلمة "الانصياع" بدل مجرد "الطاعة"، وفي ذلك إشارة إلى سرعة البدار بالاستجابة للأمر الإلهي، مع عدم التلكؤ بالاشتغال بما يحول دون تحقيق ذلك من إيثار لهوى، أو تعلل بالبحث عن علة أو حكمة، أو مجرد اختلاق للأعذار، لأن مقام العبودية تنتفي منه كل هذه المثبطات، ﴿وما كان لمومن ولا مومنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخِيَرة من أمرهم﴾(47). لأن المحب الحق يجد في التزام أمر مولاه المحبوب مَهر القرب منه، وصداق نيل مودتة المرتجاة:

أحب الله عبدا قد تسامـى --- تقيا نال من نبع اليقيـن(48)

=12= طرق بابه تعالى بذلة وإلحاح: يقول(49):

طرقت الباب باب الله شوقا --- وقفت وقوف محتاج ذليل

هذا الخطاب يتكرر في الديوان مرارا، مما يشي بشدة لزوم باب المحبوب، وطرح الافتقار إليه بين يديه، من غير تدلّه أن تألٍّ، ولكن بدافع الشوق كما هو منصوص عليه في البيت أعلاه. "والشوق حركة النفس إلى تتميم ابتهاجها، بتصور حضرة محبوبها. وهو من لوازم المحبة وذاتياتها، إذ النفس أبدا تحن إلى من تحب... ولا ينقطع الشوق إلى الاستكمال بالله في الدنيا ولا في الآخرة"(50).

=13= مناجاة الله تعالى تبتلا وتضرعا: يقول في واحدة من مناجياته العذبة(51):

إلهـي خالقـي مـولاي إنـي --- مع النفـس الشقية في صـراع

وحينا –خالـقي- أسمو عليـها --- وحينا – خالقي- تلوي ذراعي

فكن لي – سيدي- سندا وكهفا --- وثبتـني إلى يـوم الــوداع

إنها مناجاة حرَّى منبعثة من شغاف قلب محب، وتبتل وضراعة نابعان من صميم الضعف الإنساني والمرض الذي صقل إحساس الشاعر وقلبه، فإذا هو مرآة حب شفيفة صافية، ولا غرو، فقد كان الأولياء يستعذبون البلوى، لحلو المناجاة مع المولى. ولعل قصيدتي "مناجاة"(52) و"دعاء"(53) أنموذجان كاملان لذلك.

=14= مكابدة حب الله: مع ما تقتضيه هذه المكابدة من سقم مقرون باشتعال النار بين الضلوع وفي الأحشاء، وشحوب المظهر. يقول الشاعر(54):

مكابدة المحبة شأن قـوم --- لهم في الحـب أفئدة تذوب

نهارهم اشتيـاق ثم تيـه --- وليلهمُ تسامـره القلـوب

وسقم ناره اشتدت وقودا --- وسيماهم يداهمها الشحوب

والصفرة والشحوب والنحول الناجمة عن مكابدة الحب معروفة لدى العشاق، مما يدل على صدق المحبة، ودوام الفكر في المحبوب. قال السُّري الرَّفَّاء: "لو شئت أن أقول ما أيبس جلدي على عظمي، ولا سل جسمي إلا حبُّه، لقلتُ"(55).

=15= الطمع في رضى الله: إذ غاية المحب أن ينال رضى الحبيب، فإن هو ناله منه، كان ذلك بشارة بالقبول، ومن ثمة بالقرب منه، والوصل به. يقول الشاعر(56):

بكـل جوارحي لله أرقـى --- وأطمع في رضى الحق الرحيم

خاتمــة:

يحتاج النبش في حفريات الحب الإلهي عند محمد بنعمارة إلى تتبع الجذور الأولى الموغلة في تربة التصوف الإسلامي كما تجلى عند كبار شعراء العرفان العرب والعجم، وهو ما كان الشاعر على مقربة من نهره المتدفق بحكم اشتغاله ردحا من الزمن بالتصوف في الشعرين العربي والمغربي المعاصر (57). ورغم أننا قصرنا بحثنا هذا على تتبع ما بدا لنا من صور تجلي الحب الإلهي في شعر الشاعر من خلال آخر دواوينه، فإن المحبة تبقى مفهوما كليا لا يتبعض، ويذاق تجربة، ولا يحد حدا أو يوصف لفظا إلا على سبيل التقريب. وقد لاحظنا الحضور القوي لتيمة الحب الإلهي الذي كان تتويجا لتجربة في الحب قديمة ممتدة منذ سني الطفولة:

منذ العام العاشر

وإلى الآن

مازال الشاعر مشدوها

في بوابة بستان

يستلقي تحت ظلال نبات الحب (58)

لتتبلور –في نضجها– حبا إلهيا نقيا يمتاح من عين المطلق الثرة الصافية كليات المعاني، وأسرار الوجود. لذلك لازم الشاعر هذا الحب – كما عاهد نفسه في شعره كما رأينا - إلى آخر رمق من عمره، وهو يجود راضيا بأنفاسه الأخيرة، في إقبال على محبوبه الذي طالما غناه أحلى أشعاره، فكان من آخر ما كتب مقدِّسا(59):

أنت الخالـق المولى تعالـت --- صفاتك يا حبيبـا في فؤادي

ولسان حاله يقول: ما أسعدني الليلة بلقائك يا حبيبي!

ولئن كان الشاعر قد ترك هذا الأثر الفني الجميل في زمن تقطع فيه حبل الوصل بالله، مضافا إلى روائع أشعار الحب الإلهي التي وقفنا عند الإشارة إلى بعض أصحابها في مطلع هذا المقال، ومؤسسا صوتا شعريا متفردا في القصيدة المغربية والعربية المعاصرة، فإنه لم يقنع بذلك، ولكنه ضمَّنه وصيته لبني البشر في شخص حفيده نزار، ليستمر حب الله سلوكا في الأرض، بكل ما يقتضيه من سمو في الفكر، وشفافية في الحس، ورهافة في العاطفة، ولطف في السلوك:

كن أنت الهادي والمهدي

قل أوصاني جدي

أن أحمل وردة حب الله

وحب الناس...(60)

كثيرون هم أولاء الذين سيحملون هذه الوردة النابتة في رياض بهاء الله أيها الشاعر الكبير، مادام ماء سقياها فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله. فقر عينا لدى مولانا ومولاك الحبيب، وطب مُقاما في جوار أكرم جار.

= = = = =

الإحالات

1- أبو الحسن علي بن محمد الديلمي، عطف الألف المألوف على اللام المعطوف، تحقيق حسن محمود عبد اللطيف الشافعي وجوزيف نورمنت بل، دار الكتاب المصري، القاهرة، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط1، 1428-2007، ص15.

2- فاروق شوشة، أحلى عشرين قصيدة في الحب الإلهي، دار الشروق، القاهرة، ط1، 1411-1991، ص22.

3- نفسه.

4- انظر مثلا "مصارع العشاق" لأبي محمد جعفر بن أحمد السرّاج القاري، دار صادر، بيروت، د ت.

5- الديلمي، م س، ص207.

6- رجاء بن سلامة، الكتابة والعشق، منشورات الجمل، كولونيا، ألمانيا، ط1، 2003، ص224، 225. أوردنا هذا رغم أننا لا نتفق مع الباحثة في كثير من مقدمات أطروحتها ونتائجها، لأنها اعتمدت وسائل بحث مستعارة من التفكيكية ومدرسة التحليل النفسي، وهو ما لا يسمح بالنظر إلى تراث العشق في الأدب العربي من داخل دائرته نظرة موضوعية بعيدة عن كل إسقاط فلسفي أو منهجي غربي متحيز، هذا الإسقاط الذي أوصلها إلى خلاصات جنسانية أقل ما يقال عنها إنها غريبة.

7- البقرة، الآية 164.

8- المائدة، الآية 55.

9-عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي، 12/115،116.

10- مسند أحمد، الحديث 12692.

11- الوزير لسان الدين بن الخطيب، روضة التعريف بالحب الشريف، تحقيق وتعليق وتعليم عبد القادر أحمد عطا، دار الفكر العربي، د ت، ص 403.

12- الديلمي، م س، ص40.

13- نفسه، ص41.

14- فاروق شوشة، م س، ص11.

15- انظر المرجع السابق.

16- قصيدة "بين جناحيها يخضر نشيدي"، نشيد الغرباء، مطبعة النور، تطوان، المغرب، ط1، 1401-1981. ص16. وتتكرر تيمة ذم الهوى الشبقي هذه مرارا في شعر الشاعر. منها مثلا (مملكة الروح): مجنون أنت لأنك لطخت يدا بدم الفاكهة الممنوعة، وتسلقت جبالا صخرية لتنادي من فوق القمة عاشقة بوذية.

17- نفسه.

18- ق الطريق إليك حزن أو جهاد، نفسه، ص38.

19- ق نجواك سقوطي وصعودي، ديوان "مملكة الروح"، منشورات المشكاة، المطبعة المركزية، وجدة، ط1، 1407- 1987، ص 15.

20- ق الإيقاع الخامس، ديوان "السنبلة"، دار الأمان، الرباط، ط1، 1410-1990، ص39.

21- ق في الرياح وفي السحابة، ديوان "في الرياح وفي السحابة"،منشورات اتحاد كتاب المغرب، مطبعة فضالة، ط1، 2001، ص59.

22- التقديم الذي صدر به الديوان تحت عنوان "على سبيل الرحيل"، كان أقرب إلى التأريخ المختصر لرحلة الشاعر الفنية، وأبعد ما يكون عن روح الديوان وروح العالم الشعري الذي أثثه الشاعر فيه، لذلك يحس القارئ بالفجوة الواضحة بين التقديم والمقدم له، ولا غرابة في ذلك من ناقد ينظر إلى الإلهي بمفهوم "التيولوجي"، وإلى الغزل الذي كان الشاعر واضحا في الجنوح بلغته إلى جهة السماء، بمفهوم "الإيروتيكا"، مدعيا أن الشاعر مازال " يغازل ذاته في أدق التفاصيل، ويحتفي بجاذبيات الجسد وغواياته وفتوحاته" على حد تعبيره! رغم أنه حاول الاستدراك بالإشارة إلى قوة حضور المناجاة الصوفية في تجربة الشاعر التي ليست على منوال.

23- كانت وفاة الشاعر رحمه الله مساء السبت 24 ربيع الثاني 1428، الموافق 12 مايو 2007.

24- ق الرباب، ص29.

25- تجدر الإشارة إلى أن مفهوم الأنثى عند الشاعر لا ينبغي أن يحمل على المعنى الظاهري المتداول، وذلك واضح في تبرئه منه في قصيدة "ليلى" التي يقول في مطلعها(43): وليلى عند غيري محض أنثى — وفاتنـة مدللـة لعـوب
ولقد كان من عادة شعراء الحب الإلهي التكنية بمثل هذه الكنايات، فيكون الظاهر غزلا حسيا، ولكن باطنه هداية إلى أسرار الهيام بالذات الإلهية السَّنية، مما جعل ابن عربي ينبه القارئ إلى ذلك في مقدمة ديوانه "الفتوحات المكية" قائلا: "والله يعصم قارئ هذا الديوان من سبق خاطره إلى ما لا يليق بالنفوس الأبية، والهمم العلية، المتعلقة بالأمور السماوية".

26- ق غجر السماء، ص15.

27- الثلاثيات، ص63.

28- نفسه، ص75.

29- ابن الخطيب، م س، ص640.

30- ق غجر السماء، ص15.

31- الثلاثيات، ص63.

32- الحديد، الآية 4.

33- الثلاثيات، ص66.

34- ابن الخطيب، م س، ص650.

35- ق محاكمة الحلاج، ص31.

36- ق دعاء، ص58.

37- ق محاكمة الحلاج، ص30.

38- الثلاثيات، ص72.

39- ن، ص63.

40- ابن الخطيب، م س، ص645.

41- نفسه.

42- ق مناجاة، ص57.

43- ق محاكمة الحلاج، ص29.

44- الثلاثيات، ص73.

45- ابن الخطيب، م س، ص642.

46- ابن قيم الجوزية، روضة المحبين ونزهة المشتاقين، تحقيق أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط3، 1424-2003.

47- الأحزاب، الآية 36.

48- الثلاثيات، ص71.

49- ن، ص70.

50- ابن الخطيب، م س، ص639.

51- الثلاثيات، ص72. ويبدو لي أن "فحينا" في الشطر الأول من البيت الثاني أنسب من "وحينا".

52- ق مناجاة، ص 56.

53- ق دعاء، ص58.

54- الثلاثيات، ص75.

55- ابن الخطيب، م س، ص657.

56- الثلاثيات، ص63.

57- أنجز بحثين جامعيين: "الأثر الصوفي في الأدب العربي" و"الصوفية في الشعر المغربي المعاصر، المفاهيم والتجليات".

58- ق منذ العام العاشر، ص23.

59- الثلاثيات، ص79.

60- ق جدك يوصيك، ص36.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3147719

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC