أيمن خالد دراوشة - الأردن

تحليل لقصيدة الأرز لو حكى

تحليل لقصيدة الأرز لو حكى: نص روحاني مذهل يتجاوز حدود القصيدة الطبيعية

"الأرز لو حكى-رجاء القيامة" قصيدة من ديوان بعنوان "عاشقة في هيكل الأرز" للشاعرة اللبنانية أنجل (ابنة الأرز). الناشر: دار الرحاب الحديثة، لبنان (2012)

نص القصيدة


كم مرّة سَتُقبّل يا ثغري جرحي وتداوي بِمِلحِكَ تلك الجراح

إلى متى ستبقى أناملي تعزف

على أوتار الألام أناشيد الأفراح

ومتى سيشكوني قلمي إلى الأوراق: نبضي يَسلَمُ لو نَبضِها استراح.

تَئِنُّ أوطاني وتَغزوني شجون بلدي وسُكّاني، تعتَصرُ قلبي هتافات للإصلاح

ليتكم ترمون الحِمل يا قادةً سُيّاح على أرض لم تعرفوا طهرها فما عَرَفَتكُم

لبنان، لبنان لك البقاء ولهم الزّوال استرجع شعبنا من أنيابهم المتشدّقة وأرحمنا من أعاصير القلوب والأحقاد

نتلوك صلاة نعبر معك أزمنة جرداء

لبنان

تَعِبتُ من عَزفِ الفَرَح من غَزلِ الأمَل من نَسجِ السّلام في القلوب

تَعِبتُ يا بلدي من الحُب

بات كحربة تواجه أحقاداً وأحقاد

كبيرهم يأكل الصغير وحاميهم حراميهم وراعيهم مشتت للقطيع

يا ألله

إرحمني من أعاصير الحروف تجتاحني، إرحمني من غضب يتآكلني، إرحمني من ظلم
فاعله مستتر والمفعول به جرحه تقتات منه الشّمس

إرحمني يا ألله، وإن لم تشأ

فاغضدني

وانصرني فالحق لا يُلَمّحُ به بل يُعلن باسمه

لا تجعلني أسكت على ظالمٍ

ولا على من يسرق أرضي وعرضي

ومصير فلذاتي

شعبك يا لبنان

مُحاصَرٌ بخيوط الهزيمة وهدر دم الشّهداء

شعبنا يا بلدي

تتآكله السّياط جلدَة تلوَ الجلدة والجلاّد لا يرتاح

وشعبك

يلثُمُ ثراكَ رجاءً كي لا تضيع انتصاراته من أجل البقاء

يا كهنة الأديار اقرعوا أجراس القلوب

وأيا آذان نادي لا إله إلاّ الله في السماء وعلى الأرض لبنان من بعده

تحليل القصيدة

أيمن خالد دراوشةيظهر لنا من العنوان معاناة وقهر لدرجة طلب الأرز رجاء القيامة بسبب ما آل إليه الوطن من تمزق وآلام كما تظهِر لنا القصيدة عمق التعلق بحب الوطن وعشق ترابه –لبنان– إنه حب من نوع مختلف حب متفرد ومتجذر غرسته هذه الشاعرة ذات الإحساس المرهف في قلوبنا جميعاً لبنانيين وعرب إنه حب الوطن والأرض وهذا ما تؤكده لنا الأبيات الآتية:

تَئِنُّ أوطاني وتَغزوني شجون بلدي وسُكّاني، تعتَصرُ قلبي هتافات للإصلاح

ليتكم ترمون الحِمل يا قادةً سُيّاح على أرض لم تعرفوا طهرها فما عَرَفَتكُم

لبنان، لبنان لك البقاء ولهم الزّوال استرجع شعبنا من أنيابهم المتشدّقة وارحمنا من أعاصير القلوب والأحقاد

وإذا عدنا إلى المقدمة وهي الدخول إلى القضية الأساسية نجدها تبدأ بتساؤلات كم التكثيرية –متى التعجبية– وهي تساؤلات تنم عن حالات التشرذم والتآمر والأحقاد على الوطن بسبب فئة ضالة لم تراع قدسية وطهارة هذا الوطن المغروس في الوجدان.

كم مرّة سَتُقبّل يا ثغري جرحي وتداوي بِمِلحِكَ تلك الجراح .

إلى متى ستبقى أناملي تعزف

على أوتار الآلام أناشيد الأفراح

ومتى سيشكوني قلمي إلى الأوراق: نبضي يَسلَمُ لو نَبضِها استراح.

لقد تعب القلم من الكتابة لدرجة الشكوى إلى الأوراق كما تعبت الأنامل من العزف على الرغم من الظلم والأحقاد.

لقد بنت لنا ابنة الأرز هيكلاً للقصيدة وبنية تحتية يصعب هدمها وهذا ليس غريبا لشاعرة بحجم انجل التي عانت كثيراً لعشقها للأرض/الوطن لكن في هذا النص الوضع يختلف فالقدرة الفنية والألفاظ التعبيرية واضحة لنا وضوح الشمس بأول النهار...
لقد منحت الشاعرة لهذا الهيكل أبعاداً مذهلة فنجد الأرض/الوطن يتحول من حالة السكون والجمود إلى حالة الحركة والنشاط ليصبح كائناً حيا له البقاء وعابر للأزمنة الجرداء فهو يتحول من الإطار المكاني الجامد إلى بعدٍ آخر تدب فيه الحياة.
وتستمر الشاعرة في مخاطبة وطنها لبنان لتشكو له حالها فتقول:

لبنان

تَعِبتُ من عَزفِ الفَرَح من غَزلِ الأمَل من نَسجِ السّلام في القلوب

تَعِبتُ يا بلدي من الحُب

بات كحربة تواجه أحقاداً وأحقاد

ومن الملاحظ أن الشاعرة استخدمت في بداية قصيدتها الأفعال المضارعة التي تدل على الاستمرارية والحركة سَتُقبّل - تداوي – ستبقى – سيشكوني – يَسلَمُ – تعتَصرُ- تَئِنُّ – تَغزوني- ترمون –تعرفوا.

ثم نجدها تتحول إلى أفعال الأمر التي اتخذت معنى الدعاء والرجاء للخالق سبحانه وتعالى:

يا الله

ارحمني من أعاصير الحروف تجتاحني، ارحمني من غضب يتآكلني، ارحمني من ظلم
فاعله مستتر والمفعول به جرحه تقتات منه الشّمس

رحمني يا الله، وإن لم تشأ

فاغضدني

وانصرني فالحق لا يُلَمّحُ به بل يُعلن باسمه

هذا الانتقال لم يأت اعتباطاً بل أضفى على القصيدة موسيقى وترانيم روحية مشجية.

الشاعرة بنت الأرزلقد سخرت لنا الشاعرة القصيدة بأبعادها الجمالية والفنية والدلالية الهائلة إلى نص روحاني متجاوزاً القصيدة الوطنية فهو نص متجدد في كل وقت وفي كل زمان حيث نشعر بأن للقصيدة عالمها الخاص والمنفصل فنحن حينما نقرأ هذه القصيدة فإننا لا نجد ما يحوِّطنا بسياج ضيق ينتهي عند حدود لبنان الذي هو المكان، ولا يتوقف بنا عند فترة زمنية محددة الفساد والأحقاد والظلم، بل نجده نصا مفتوحاً على قيم جمالية وأخلاقية خارج إطار الموضوع، مما يضفي على القصيدة روح التجديد.

وقد تضمنت القصيدة عدة صور وتشبيهات واستعارات لها أبعاد فنية وأدبية ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر (يشكوني قلمي) و(نبضي يَسلَمُ لو نَبضِها استراح) و(تعتَصرُ قلبي هتافات للإصلاح ) و(بات كحربة تواجه أحقاداً وأحقاد) و(ارحمني من أعاصير الحروف تجتاحني، ارحمني من غضب يتآكلني، ارحمني من ظلم فاعله مستتر والمفعول به جرحه تقتات منه الشّمس)

لقد امتلأت القصيدة بالحس الموسيقي والإيقاع الشعري حتى نشعر بأنها ليست قصيدة كلمات وأبيات وإنما سيمفونية حيث يظهر لنا الانسجام الموسيقي من بداية القصيدة حتى نهايتها.

فقد لاحظنا منذ البداية انسجاماً كبيراً بين الحروف والمقاطع، فمثلا مطلع القصيدة، هناك انسجام تام بين كلمتين متطابقتين (الجراح–الأفراح وكذلك أغلب أبيات القصيدة وقد ركزت الشاعرة على إيقاع خارجي تمثل في تكرار بعض الصوامت كالراء، والكاف، واللام وبعض الصوائت، سواء منها الطويلة كالألف والياء أو القصيرة الفتحة، السكون، الكسرة.

ونجد أيضا التكرار على مستوى الكلمات مثل لبنان – ارحمني – شعبك.

لقد أشغلتنا الشاعرة برؤية فلسفية وإنسانية تجاوزت الإطار الضيق لتعانق هموم الإنسان في العالم العربي أجمع هذا بالإضافة إلى التحكم بكل مقومات القصيدة الفنية والدلالية
والتعبيرية.

ستقرع الأجراس يا أنجل وسيرفع الآذان فالديانة واحدة والرب واحد والعروبة واحدة والوطن واحد.


غلاف عاشقة في هيكل الأرز

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3203787

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC