وهيبة قوية - تونس

قراءة في "الحياة أغنية"

المغاني والمعاني في "الحياة أغنية"

قراءة في بنية مغنى "الحياة أغنية" ومَعنى أغنية الحياة

"الحياة أغنية" قصة للكاتب موسى أبو رياش (منشورة في العدد 69 من "عود الند")

مقدّمة

شدّتني كثيرا القصّة القصيرة "الحياة أغنية" للأستاذ موسى أبو رياش وكنت أريد التّعليق في خانة التّعليقات فوجدتني أشرحها حسب ما وصلني من لغتها ومعانيها، إذْ كثيرا ما وجدتني أغنّي وأنا أنجز بعض أعمالي. إضافة إلى أنّه ذكّرني بأبي رحمه الله الّذي كان يستهويه الغناء وهو يقوم ببعض الأشغال اليدويّة. وكنت أعجب كثيرا بمهارة ما يفعله إذا غنّى. فإلى روح أبي الطّاهرة فاتحة بأعذب الأصوات.

التّعليق

لو كنت سليمان النّجّار لأجبت السّائل بمثل ما أجاب به: السرّ أن لا سرّ في غنائه. وحجّتي في ذلك عنوان القصّة، الّذي يجعل سؤال من يسأل لا يتعدّى الفضول أو التملّق لرجل حسُن صوته ومَهَرَتْ يدُه في حرفته ويعيش سعادته في أسرته ومع المارّين به وزبائنه وفي انسجام تامّ مع كلّ ما يحيط به، ويجد مفهوم الحياة عنده في الأغنية الملائمة للمقام الملائم.

قراءة النصّ

مع ذلك إجابة سليمان النّجّار بدت مثيرة. فما الّذي مهّد لها في القصّة وفي العنوان؟ وهل استجابت بنية القصّة للتّدرّج بخطّة مفاجأة القارئ عند مستوى "ملحة الختام"؟ (*).

العنوان

قد جاء متبنّيا لموقف مسبق عن الحياة فوَسَمها بالأغنية. وورد في جملة إسميّة تخبر عن الحياة خبر يقين بأنّها أغنية: "الحياة أغنية". فلا تراجع في الموقف من بدايته. وحينها يجوز لنا طلب تفسير لهذا الموقف المسبق. فما هو تفسير القصّة لهذا الموقف؟ وكيف يسير بناء النصّ في جُمَلِهِ السّرديّة لتحليل وجهة نظر تفاجئ كثيرين ممّن يرون الحياة بعين سوداويّة: الحياة ليست أغنية أو أغنية موصوفة بالحزن والتّشاؤم؟

بنية النصّ وجُمَلُه السّرديّة

(أ) بنية النّصّ

تتوزّع القصّة على جمل سرديّة ثمانية يمكن تأليفها عند ثلاث وحدات معنويّة هامّة، بدأت بالإجمال في تعريف الشخصيّة القصصيّة (المقاطع السّرديّة:1 و2 و3) وانتهت بالتّفصيل لما يميّزها (6 و7 و8 )، مرورا في وسطها (4 و5 ) بنوع المواقف المتّحدة إزاء الشّخصيّة الرّئيسيّة والّتي تعدّ مرحلة هامّة في تكثيف الحدث والسّير به من النّقص إلى سدّ النّقص عند نهاية القصّة.

(ب) الجمل السّرديّة

=1= تعريف الشخصيّة اسما ومهنة وشهرة وعلاقات بالآخر في المكان وخارج حدوده الضيّقة.

=2= تعريف بما لازمه وكان أكثر سِمة له بين معارفه، ففضلا عن إتقانه لعمل النّجارة هو بارع في اكتساب صداقات وزبائن وجلب حبّ الآخرين باختيار الأغنية المناسبة للمقام المناسب تعبيرا عن الحياة ودون تفريط في صَلاته ولا تشويش على زبائنه. فكلّ شيء عنده بمقدار يصلح له فلا إفراط ولا تفريط، في حسن توزيع ومراعاة لحسن الاستعمال، فجمع المهارة والشطارة وهو المهنيّ اليدويّ، بحكمة "سليمان" وبراعة "نجّار".

=3= المقطع الثّالث يعرّف بطل القصّة بما لزمه والتزمه في عمله وهو الغناء، على أنّه جزء من حياته.

فما الجديد الّذي عرفناه في هذا المقطع الثّالث؟ ألم يكن بطل النصّ كذلك منذ بداية القصّة وانفتاحها؟ ألسنا منذ البداية مع نجّار ماهر الصّنعة يحسن الغناء ويلازمه في عمله؟ بل يدعونا هذا المقطع إلى التّساؤل عن مستوى حبكة النصّ وتصميم بنائه ومدى تقدّمه بجمل السّرد والحكاية ووظيفته السّرديّة، فماذا أضاف إلى ما عرفناه؟ ألا يمكن اعتبار هذا المقطع من باب الحشو في القصّة القصيرة؟

نجد الجواب في كلّ أغنية وفي كلّ فعل، فإذا علمنا مقال الأغنية ومقام غنائها وجدنا الإجابة. فهو نمط حياة اتّخذه بطل القصّة. وصار المقطع حجّة للعبارة "سليمان النجّار والغناء صنوان لا يفترقان" في المقطع السرديّ الثّاني وتعليلا لها. بل نجد متعة في متابعته إذا انخرطنا معه في التزامه بالغناء. فيمكننا مثلا أن نتصوّر الأغنية الّتي ستصاحب فعله، بل نستأنس بسليمان ونغنّي معه أو نسمعه ونصبح من معجَبيه، وقد نتمنّى أن نكون من زبائنه فنستفيد من حسن صنعته ونتمتّع بأغنياته.

بل نكاد نقترح عليه أغنية من الأغاني الّتي نعرفها توافق المقام أكثر، وهذا طبعا بحسب ثقافة القارئ ونوع الأغنيات الّتي يسمعها ورصيد بلده من الأغنيات الّتي لا يعرفها سليمان النجّار. فنصبح من أصدقائه المقرّبين، وتنبعث فينا الحياة أغنية مثلما هي عند صاحبنا سليمان النجّار.

وفي هذه اللّحظة ينكشف لنا سرّ من أسرار صاحبنا النّجّار. فرغم ما أحاط بها من طرافة ولزوم المقال بالمقام وغنائه ومرحه نجده لا يتعدّى في أغانيه قاموسا عاديّا من معرفته الغنائيّة وسينكشف آخر النصّ بأنّه من العتيق. هو رصيد بسيط. جدّا، فكلّما كرّر الفعل كرّر الأغنية وإن تنوّع الفعل والغناء في الظّاهر، لنتفطّن أنّه يكرّر نفس محفوظه في الباطن.
هكذا هي حياة النجّار البسيط الماهر بيده في عمله والشّاطر في استجلاب الزّبائن وإن لم يكن غناؤه حيلة وشطارة في الأصل. لأنّه يتواصل في البيت ومع الضّيوف كما في الورشة بالأغاني. ونكاد نرى أنّ يده لا تفارق مهارتها في النّقر، كان نقرًا على الخشب فأصبح نقر تنغيم لما يدندنه.

إذن، فالشّطارة عنده في الغناء ليست إلاّ من ظاهر التّناسب بين الحركة والصّوت. مهارة اكتسبها بالزّمن فصار لحركة يديه قرين هو صوته يحدوها بالغناء فتسير في ركب المهارة والشّطارة.

=4= يتحوّل الغناء حسب الرّاوي إلى هوس عندما يرصد موقف الآخرين، وهذا ما لم نتبيّنه في العلاقات في الوحدة الأولى. فالغناء لم ينفّر منه النّاس بل كانوا في انسجام معه، أمّا موقفهم فأمرٌ آخر: تعجّب واستغراب وتساؤل. لماذا يهتمّون لأمر غنائه؟ ألا يُغنّون مثله وهم يعملون؟ في واقعنا نعرف كثيرا من الصنّاع لا تحلو لهم ممارسة أشغالهم إلاّ بالغناء مهما نشزت أصواتهم، أو بسماعها أيّا كانت النّغمات.

نلامس في هذا المستوى من القصّة تطفّلا في موقف من يعرفون النّجّار، فهم يريدون معرفة سرّ يتصوّرونه في أذهانهم ويرون أنّ صاحبهم يخفيه عنهم. ويزداد إلحاحهم لمعرفة السرّ كلّما وجدوا بساطة في جوابه "إذا كثرت همومك غنيلها". ويبدو أنّنا هنا ما بين "المخبر" و"الجوهر" هم يرون في الأمر سرّا في الباطن وهو لا يرى غير ظاهر الأمر. ولكن أيّ من الفريقين يحمل الصّورة الحقيقيّة؟

ونحن القرّاء، من نصدّق؟ سليمان وبساطة تعامله مع الغناء في حياته اليوميّة وقد رصَدَتْها المقاطعُ الأولى بسيطة بل أقرب إلى السّذاجة، أم نميل مع أصحابه ما دمنا صرنا تقريبا منهم ونبحث عن سرّ يخفيه؟

لنتابع المواقف معا.

=5= يظهر الرّاوي عليما بكلّ ما يدور عند صاحبنا منذ بداية القصّة ولكنّه أيضا عليم بخفايا نفوس بقيّة الشّخصيّات وأمزجتهم. حتّى أنّه جعلهم في مواجهة سليمان بحبّ اطّلاعهم لتصبح العلاقة قائمة على نوع من علاقات غيرة اجتماعيّة، إذْ يشعرنا الرّاوي أنّ الجميع يغبطون سليمان على غنائه والحال أنّه يدّعي في إجاباته: "خليها في القلب تجرح أحسن ما تطلع وتفضح". ممّا يزيد من استفزاز حفيظتهم لمعرفة سرّ غنائه وهو السّعيد في حياته.

وتأتي مواجهة سليمان بشخصيّة لم يقنعها قوله ليصبح الفردُ جماعةً، فكيف يغنّي لهموم هم لا يعرفونها، ولا يرون في حياته غير السعادة ؟

=6= نتعرّف إلى سليمان النّجّار في بيته، هو رجل سعيد له قناعاته حول اسمه والكنية. وكنيته الّتي رفضها وخالف بها عادة القوم لا يمكن أن تمثّل له همّا يغنّي له.

=7= سليمان له شهرة واسعة جلبها الحظّ وجلبت له غيرة أهل مهنته. وهذه هي المهارة المطلوبة في أهل الصّنائع لم يخالفها. ولم تختلف بها علاقات الناس به لأجل ما يميّز شخصيّته. بل زاد الرّاوي على البشر العصافير الّتي صارت ورشة سليمان مقرّا لها وكأنّها تصاحبه جوقةً في غنائه المتواصل وتتواصل معه عبر الغناء فتزيد من حظّه في عمله ومن شهرته عند المارّين من الجنسين رجالا ونساء ومن العاملين في الورشات المجاورة. فنحن أقرب إلى "استديو" غناء أو "إذاعة محلّيّة".

وننعم نحن أيضا بجوار سليمان ونتّخد من ورشته محلاّ لنا نرتاح فيه من تعب الحياة بمغانٍ للحياة تعطيها معنى مميّزا فيه انسجام وتناغم تصدره مختلف الأصوات وتؤلّفه حركات المارّين بالورشة والقارّين بها أو بجوارها.

بل صارت الورشة مصدر إلهام لمن يريد مشاريع مربحة. في كلّ هذا سليمان مستمتع بالعمل وبالغناء يغنّي من رصيده العتيق يردّ به بغير وعي على هوجة الغناء العصريّ، متشبّثا بأصالته لا يشغله غير العمل مقترنا بالغناء وصنوا له.

محمد إبو رياش=8= ما سرّ الغناء؟ طاف بنا الرّاوي في عالم سليمان النّجار، في بيته وفي ورشته وفي علاقاته بكلّ من يعرفونه وأسمعنا غناءه وغاص في نفسه ومبادئه حول الاسم والكنية وموقفه من الغناء الجديد وكأنّ لا شاغل له غير الغناء وحركة اليدين، في مهارة العمل وشطارة الغناء. لا نشعر بغير هذه الحياة البسيطة الّتي تحيط بصديقنا الّذي سيدفعنا إلى الغناء معه: "ما احلى الحياة ، أو عايش كالطّير في وكري نغنّي أو ربّي عطاني كلّ شيّ بكمالو أو اضحك للدنيا يا سلام ع الدّنيا" (وهي أغان تونسيّة، لو كان يعرفها لردّ بها عن سؤال المتطفّلين). تمرّ على خاطري كثير من الأغنيات للمقام الّذي أجد فيه سليمان وفي ما نقله الرّاوي من تفاصيل حياته.

ولكن يعود بي الرّاوي إلى سؤال المتطفّلين: ما سرّ الغناء؟ وهل للغناء أسرار؟ ألم يكن أولى أن يسألوا أنفسهم: لماذا لا نغنّي مثله؟

في الحقيقة ما كان السؤال ليكون مثيرا لولا إلحاح الملحّين، ولولا ردّ سليمان الواثق منذ البداية وعدم موافقة إجابته لما في نفوس السّائلين من تصوّرات.

المغنى والمعنى

أُرْجِعُ كلّ هذا إلى عدم قبول الآخر حياة أحد منّا بالطّريقة الّتي يحياها. يرى الآخرون دائما سرّا وراء كلّ موقف إنسانيّ متكرّر أو وراء نجاح أو وراء محبّة مميّزة لشخص أو أيّ شيء بسيط الظّاهر.

هو بسيط الظّاهر نعم، ولكنّه عميق المعنى. أليس لمثل هذا الرّجل البسيط الحياة والقابل لمبادئه وسنن حياته أن يعيش حياته كما يريدها هو؟ ألا يحقّ له أن يغنّي لهمّ في قلبه أو لسعادة تعتريه؟ ألم يكن ربّما يحلم أن يصير مغنّيا فأصبح نجّارا؟ هو لم يرى تعقيدا لحياته في تفاصيلها فكيف تكون له أسرار؟ وهو لم يكذب على القوم باختلاق أيّ سبب يقنعهم ولا يكون حقيقيّا فلمَ يدفعونه إلى حياتهم المعقّدة وهو الرّجل البسيط؟

هل عليه الانخراط في نظام المجموعة بمبادئ المجموعة وترك خصوصيّته وتميّزه ليكون منهم؟ هو منهم. فأين المشكلة؟ لمَ لا يقبلونه بصوته ومهارته، بمغناه وبمعنى حياته الّذي اختاره؟ لمَ يرفضون صدقه وإجابته البسيطة. هي بساطة حياته في الظّاهر وبساطة تعامله مع مفاهيمها وفهمه لعمقها في الباطن عند الآخرين.

السرّ أنّه لا سرّ. بل السرّ أنّه يفهم لعبة الحياة في بساطتها وتبسيطها وتركها تأخذ مجراها في حياته ما دامت تُرضيه.

في هذه الخاتمة يكمن السرّ في القَصّ كلّه، في الفكرة والموضوع ووحدة الحدث وبنية القصّة القصيرة. هنا في "ملحة الختام" أو "القفلة" (*) يكمن سرّ القصّة: الحياة أغنية لكلّ من يفهم سرّها البسيط، أن يعيشها ببساطتها ويأخذها ترنيمة لأيّامه ومغنى لا يفارقه.

ملحة الختام

وفي هذه الخاتمة نجد سرّ سليمان: الحكمة الّتي بلغها ولم يبلغها غيره، لسنا في حاجة إلى أسباب وأسرار لنجعل من حياتنا أغنية، وليس ضروريّا أن نتّهم الفرد المتميّز بحفظ سرّ دفين لأنّه خالف نسق الجماعة في فهم الحياة. فالحياة أغنية في كلّ حركة من حركاتها وفي كلّ هيأة يتّخذها الإنسان متى تعامل معها بمبادئ تُرضيه وإن لم تُرضِ الجماعة. وليست من باب خالف تُعرف. وإنّما من باب الحكمة الّتي تغيب عن العقول في زحمة أغنية الحياة النّشاز الّتي توهمهم بأنّ الحياة معقّدة.

وما كنّا لنعرف السرّ لولا بنية النصّ المتماسكة والّتي سارت في مسار أحاديّة الحدث لتعليل العلاقة بين كلّ جملة سرديّة وأخرى وتعليل ما بين العنوان والخاتمة الّتي سارت إليها ثنائيّة الفرد بمبادئه وغنائه وثوابته، والجماعة التّي بدت في ظاهرها في تواصل مع البطل الفرد ولكنّها باطنا في قطيعة معه، ثنائيّة الظّاهر والباطن أو "الوجه" و"القفا" في التّعامل مع الفرد الّذي صالح نفسه مع الحياة فجعلها أغنية فخالف الجماعة الّتي لم تصلها بعد بساطة التّعامل مع الحياة فكانت حياتهم نشازا متغيّرا لا يثبت ظاهرا ولا باطنا.

خاتمة

تحيّة راقية إلى مجلّة "عود الندّ" الّتي تتيح لنا الخوض في غمار النّصوص والمغامرة بين سطورها ومعانيها، وتحيّة إكبار للأستاذ الجليل موسى أبو رياش الّذي أعاد إليّ جزءا من صورة أبي في بعض أعماله، فقد كانت حياته أغنية رغم كلّ مصاعبها.

= = = = =

(*) القفلة أو ملحة الختام هي مصطلح استعمله التّونسيّ عليّ الدّوعاجيّ الّذي يُعتبر من أوائل من كتب في جنس القصّة القصيرة الواقعيّة في تونس (1909/1949) وكان من جماعة "تحت السّور" الأدبيّة زمن الاستعمار الفرنسيّ.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3257098

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC