د. إبراهيم دشيري - المغرب

الورود الحمراء

إبراهيم دشيريفتحت كيس النخالة، ثم أخذت حفنة واحدة فوضعتها في قصعة خشبية صغيرة، ثم توجهت نحو البئر فألقت دلوها فأخرجت ماء نميرا كالقمر أفرغته في سطل حديدي صغير، ثم رجعت إلى القصعة فصبت الماء فوق النخالة.

وما أن شرعت في الخلط حتى هرعت الكلبة تتمسح بالقصعة تحاول أن تلتهم النخالة. لكن المرأة كانت تخلط النخالة بيد وتدفع الكلبة باليد الأخرى. وما أن انتهت من الخلط حتى هجمت الكلبة على القصعة فأخذت تلتهم النخالة بشراهة تنم عن جوع شديد.

جلست المرأة على حصيرة دومية تستجمع أنفاسها، فكانت تارة تنظر إلى الكلبة وتقول مسكينة هذه الكلبة كم هي جائعة، وتارة ترفع بصرها إلى صورة معلقة على الجدار وتقول: "المكتوب ما عليه هروب".

لقد كان في زهرة الطفولة، لكن القضاء حكم. تذكرت يوم زارها في قميصه الأصفر الزاهي، كانت ترى فيه زهرة عمرها وأمل حياتها الذي من أجله تعيش. تذكرت ضحكاته البريئة التي كانت تملأ المكان سعادة وحبورا، مشاغباته الرقيقة، نظراته الوديعة ، رنة صوته المبحوحة.

تخيلته داخلا عليها حاملا بين يديه باقة من الورود الحمراء، التي كان يقطفها لها من حديقة الدار، فأشرق المكان كله، ها هو يقترب منها ليقدم لها الورود الجميلة، فتمد يديها، إلا أن اليدين تركتا الورود وتوجهتا لتمسكا بالغلام، لكنهما لم تظفرا بشيء.

اختفت صورته كلها وأظلم المكان كله، وأجهشت المرأة بالبكاء، وأخذت تصيح ابني ابني فلذة كبدي، لكن كان الصدى وحده هو الذي يجيب. أخدت تبكي ثم أخرجت منديلا ورديا فمسحت به دموعها.

ثم خرجت إلى الحديقة فرأت الورود الحمراء نفسها تطل من جوار غصن الدالية القريب من الأرض، فتوجهت إليها بسرعة البرق وأخذت تزيح الورود والأوراق والأغصان والعناقيد لتفتش عن فتاها الجميل، لكن دون جدوى، فلما أعياها البحث جلست على غصن الدالية فعاودها البكاء مرة ثانية.

لقد كانت تعرف أن البكاء لن يعيد المفقود إلا أنها تجد فيه راحة وسلوى. قررت أن تقطف تلك الورود الحمراء، لكنها تراجعت عن قرارها، واختارت أن تبقيها تذكارا لتلك الزيارة الجميلة.

أخبرت جارتها، فذاع الخبر بين الجارات فجئن جميعا لتهنئتها، أحست بنشوة الفرح لكن مرارة الذكرى كانت أكبر من الفرح، وبعد ذلك اليوم صارت جاراتها يرثين لحالها، إلا أنهن كن يكتفين بالنظر إليها نظرة إشفاق معتقدات أنها فقدت شيئا من عقلها، غير أنها لم تكن تعبأ بشيء من حولها، وكانت دوما تردد أنشودتها المعتادة:

ابني حبيبي كالقمر

زارني طيفه عند السحر

ثم غاب عني واختفي في الشجر

كان يقطف لي باقة من زهر

صارت تأوي إلى بيتها وحيدة تحدث نفسها، كانت تشعر أن البيت بعده لم يعد فيه بهجة ولا فرح، لفه الحزن من جميع جنباته، حتى الكلبة صارت حزينة، لا تجد من يلاعبها ولا من يصطحبها معه إلى الغابة، كان يلون كل شيء بلون السعادة والمرح ويضفي على المكان ألقا وبهجة.

لا شيء كان يعزيها سوى ورود الحديقة التي ازداد جمالها إشراقا وازدادت رائحتها طيوبة.

ومنذ ذلك اليوم صارت المرأة تستيقظ كل صباح فتتوجه نحو البئر لتأخذ ماء نميرا كالقمر تسقي به الحديقة، وتعانق تلك الورود الجميلة التي كانت تشم فيها رائحة ابنها الجميل، ثم تقبلها بحنان الأم الرؤوم، وفي المساء لا تغلق باب دارها حتى تفعل مثل ذلك.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3177366

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC