إبراهيم دشيري - المغرب

لحظة انتظار

إبراهيم دشيريأطل من غرفته الصغيرة فرأى حمامة بيضاء تجلس على غصن لوز اخضر، أخذ يستمتع بهذا المشهد الذي أثار في نفسه معاني جميلة وذكرى حب قديمة، أحس بنشوة الفرح تسري بين جوانحه، وصار عنده للحياة معنى آخر لم يتذوقه منذ أمد طويل.

إنه التفاؤل والأمل الجميل الذي يدفع الإنسان إلى حب الحياة، إنه لأول مرة يرى حمامة عن قرب وهي لا تراه. كان مغتبطا غاية الاغتباط وهو ينظر إليها تمارس إرادتها بكامل الحرية، تسجع حينا وتلهو حينا آخر بالتحرك بين عيدان الغصن الأخضر الذي زادته الأمطار الأخيرة نضارة واخضرارا، فقال في نفسه: ما أجمل اللون الأبيض وهو يتحرك داخل لون أخضر! وما أجمل الألوان حين ترمز إلى أشياء جميلة! لكن ما أبشعها حين تتخلى عن جماليتها فترمز إلى أشياء بشعة!

أدرك لأول مرة كيف أن الإنسان إذا أحس بالأمان مارس إرادته وعاش لحظة السعادة، لكن لا أحد اليوم يحس بالأمان الحقيقي. وتمنى لو استمر هذا المشهد الممتع طويلا، لكنه كان يدرك أن ذلك يبدو شيئا مستحيلا، فقد يزول المشهد بأقل حركة تشعر بها الحمامة، ضربة واحدة من مقلاع ابن الجيران قد تقلب كل شيء، لكن لا ينبغي أن ينشغل المرء بمثل هذا التخوف، فقد يضيع عليه كثيرا من الوقت ويفوت عليه كثيرا من المتعة والسعادة.

أحس بنشوة الفرح تسري في كل جزء من أجزاء جسده النحيل. إنه الآن يتأرجح بين الامتلاك والفقدان، لكن خوفه من الفقدان دفعه للتساؤل عما يجب عليه أن يقوم به لمقاومة كل طارئ يمكن أن يتسبب في هذا الفقدان، ماذا سيفعل كي يحتفظ بهذا المشهد الجميل لمدة أطول.

فكر قليلا ثم توجه بسرعة إلى ركن من أركان غرفته الصغيرة، فتح حقيبته الخضراء ويداه ترتعشان ثم أخرج منها ريشة ومصبغة الألوان ولوحة صغيرة مستطيلة الشكل ثم أشار إلى اللوحة ثم قال:

"هنا سأضع الحمامة البيضاء ذات العيون البنية والأجنحة الحنونة، هنا سأضعها بين عيدان غصنها الأخضر"..

ثم رجع بسرعة إلى الشرفة، فلما أطل رأى الغصن ولم ير الحمامة. هنالك أدرك أنه ليس من السهل أن تمتلك جمال اللحظة، فجمال اللحظة ينفلت منك كلما حاولت إمساكه.

قرر أن ينتظر في الشرفة حتى تعود الحمامة إلى مكانها، أخذ يجيل بصره بين أغصان الأشجار لعله يراها، نظر إلى الأرض حيث الأزهار تحتفل بربيع ملكي، لكنه لم ير لها أثرا.

كثيرة هي الطيور التي رآها تشقشق ما بين الأغصان، أعجب بجمال ألوانها وأشكالها لكنه رغم هذا الإعجاب فهو يفضل تلك الحمامة وحدها وينتظر عودتها، ولكم كانت فرحته كبيرة حين رأى حمامة متجهة إلى نفس المكان، فوقعت بطريقة بديعة فوق الغصن الأخضر.

تأملها فرآها أجمل شكلا من الحمامة المنتظرة إلا أنها تفتقد شموخها وكبرياءها، ظل ينظر إليها إلا أنها لم تمكث إلا بضع دقائق حتى طارت بطريقة أبدع من طريقة وقوعها.

ظل ينتظر الساعة الأولى والثانية والثالثة فلم تأت الحمامة الجميلة، راودته أفكار سيئة فقال في نفسه:

"لعل صيادا اقتنصها أو لعلها هاجرت مع الطيور، أو لعل طفل الجيران رماها بحجر".

شعر باليأس من عودتها فرجع إلى غرفته الصغيرة فخطر له أن يرجع إلى ذاكرته كي يرسمها وهي تتحرك بين عيدان الغصن الأخضر التي زادته الأمطار الأخيرة نضارة واخضرارا.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3258609

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC