د. ابراهيم دشيري - المغرب

رأيت الجمال في الجبل

إبراهيم دشيريتركنا المدينة أسفل منا، موشومة بصحونها المقعرة، مترنحة تحت وطأة ضجيج المرور التي أصبحت حبالا تخنق الراجلين والسائقين على السواء. وماهي إلا سويعة من المشي حتى انخرطنا في منعرجات الجبل وكانت القصبة عن يسارنا، وأشجار اللوز عن يميننا، لانعرف كيف تضوع نشر أزهارها البيضاء حتى ملأ المكان كله.

أحسسنا بنشوة عارمة تسري في نفوسنا تحثنا على السرعة في تسلق الجبل، كان العرق يتصبب من جباهنا دون أن نحس بالعياء أو الملل، كان الجبل كله مكسوا بأشجار اللوز، التي بدت أزهارها كعروس حسناء في حلة زفافها، أو كنجوم تزين الأرض في رابعة النهار.

كنا جميعا نتساءل عن سر هذا الجمال، الذي لون هذا المدى كله ببياضه الطاهر، وكيف يمكن للمرء أن يحقق اكتفاءه الذاتي من المتعة. سندرك بعد ذلك أن مثل هذا الجمال هو من النوع الذي ينفلت من بين أصابع الشعور، فلا تكاد تمسك به حتى ينسل ضاحكا دون أن تدري كيف حدث ذلك.

اغتبطنا جميعا بهذا المنظر المفعم بالطهر والجمال، ومن شدة الاغتباط قال أحدنا: "أتمنى لو اتخذت هنا كوخا كي أستمتع بهذا الجمال بقية عمري".

وقال الآخر: "أتمنى لو تبقى هذه الأشجار مزهرة فآتي كل يوم لرؤيتها والتمتع بمنظرها الرائع الجميل".

أما أنا فقلت: "أتمنى لو أن كل أهل مدينتي غرسوا أشجار اللوز أمام منازلهم، ولو أن البلدية أنشأت في كل حي حديقة لوز وياسمين".

كانت المنعرجات وعرة المسالك ، لكننا لم نكن نشعر بشيء من وعورتها ، لما نحن فيه من نشوة الاغتباط، وبوصولنا إلى قمة الجبل تراءت لنا بقايا الثلوج هنا وهناك، فوجئنا بحركة أرنب بري يجري بين الصخور، لكنه اختفى سريعا كأنما شعر باقتحامنا للمكان فلاذ بالفرار.

أخذنا ننظر يمينا وشمالا، كان منظر أشجار اللوز بأزهارها البيضاء يضفي على الجبل كله سحرا وضياء لم نعهد لهما مثيلا، أينما التفتنا زادنا النظر ابتهاجا وانتشاء.

ترآى لنا النهر وراء الجبل، كانت أشجار اللوز المزهرة تحف ضفتيه الجميلتين في حنان ومحبة، وكانت مياهه تترقرق بطيئة كأنما أعجبت هي الأخرى بهذا المنظر الفتان فخفضت من سرعتها كيما تتملى به لمدة أطول.

لاح لنا سرب حمام متجها نحو الجنوب، وفوجئنا بمنظر طفل يرعى غنيمات، إلا أنه كان منشغلا عنها بقطف الأزهار التي نسجت على الأرض زربية صفراء مزركشة بوريدات حمراء.

وفي طريق عودتنا حينما كنا نعبر الطريق المعبدة إذ تقلب الجو واحتل الفضاء سحاب داكن وبدأ رذاذ الأمطار يتساقط على رؤوسنا ووجوهنا، وبدأت رعشة البرد تسري في أوصالنا، تخوفنا جميعا من تزايد الأمطار، لكن لم تكن لدينا مظلة وليس هناك مكان قريب نختبئ فيه حتى تتوقف الأمطار.

قال صديقي مبتسما كعادته: "سينمو لكم شعر جميل". وقال الآخر: "لن تصلوا إلى الحي إلا مبللين بالمطر كأنما وقعتم في نهر". أما أنا فقلت لأصدقائي: "تفاءلوا فقد يأتي فرج لم نكن نحتسبه".

ضحكوا جميعا، ثم قال أحدهم: "أنت جد متفائل، لكن ماذا نصنع بالتفاؤل والأجواء تستعد لليلة ماطرة، ألم تنظر إلى السحب الداكنة كيف ألقت بسوادها على الأرض؟"

بدأت حبات البرد في التساقط، وكان الريح يهب باردا والطيور تتجه نحو أوكارها في اتجاهات مختلفة، ثم ازداد تهاطل الأمطار وإذا بصوت رجل أمازيغي ينادي قائلا:

"تعالوا إلى منزلي لتحتموا من هذا السيل العارم، مرحبا بكم، امكثوا عندنا حتى تستقر الأجواء".


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3099447

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC