موسى أبو رياش - الأردن

رجل الشاي

محمد إبو رياشكان بيته يقع في طريق مؤدية إلى مجموعة شركات متقاربة، وقد اعتاد موظفو هذه الشركات على رؤيته كل صباح، وهم في طريقهم إلى عملهم، يجلس أمام بيته المتواضع، يحتسي الشاي بمتعة، وأمامه إبريق شاي صغير.
اعتاد أبو فاتك على جموع الموظفين يمرون أمامه كل صباح، وكان من عادته أن يدعو من يُلقي عليه تحية الصباح لتناول كأس من الشاي. في البداية كانوا يشكرونه ويتابعون سيرهم نحو شركاتهم، فقد اعتادوا على دعوات رفع العتب، خالية المضمون. ولكن مع مرور الأيام، وتجدد الدعوات، لم يستطع البعض أن يقاوم سحر منظر الشاي الصافي الذي يتصاعد بخاره في إغراء لا يصمد أمامه من أدمن شرب الشاي، ولبى الدعوة أحدهم وجلس بمعية أبي فاتك يتعارفان ويتجاذبان أطراف الحديث، ومع الوقت ازاد عدد ضيوف أبي فاتك من الموظفين، وكبر في المقابل إبريق الشاي شيئاً فشيئاً حتى ليكفي خمسين كأساً، يحتسيها الجميع بتلذذ خاصة وأن نكهتها تتنوع مع الأيام، فمرة شاي بالنعناع، ومرة شاي بالميرمية، وشاي بالزعتر، وشاي بالليمون، وشاي بالريحان، وشاي بالعطرية، وشاي بالهيل، وشاي بالزنجبيل، وشاي ...

أصبحت ديوانية أبي فاتك الصباحية عادة يومية لا يتخلف عنها روادها المعتادون إلا لسبب قاهر، وكانت تضم الموظفين وبعض رؤسائهم ومديريهم في العمل، منهم مدير عام إحدى الشركات، ولكنهم كانوا في ضيافة أبي فاتك سواسية لا يختلف أحدهم عن الآخر، والفضل كل الفضل لمن بكّر وسبق غيره عند أبي فاتك.

وقد حاول البعض أن يساهم في شراء الشاي والسكر، فرفض أبو فاتك بحزم، واعتبر هذه العروض معيبة بحقه، بل إنه رداً على عروضهم التي اعتبرهاً مساً بكرامته أحضر لهم في الصباحات الأخرى بسكويتاً وكعكاً وخبزاً مسمسماً، وخبزاً بلدياً لا يقاوم، وتقبل الجميع كرم وضيافة أبي فاتك ببالغ الشكر وعظيم الامتنان.

كوب شايكان احتساء شاي أبي فاتك ضرورة ملحة ليوم عمل جديد، ينطلق بعدها الموظف بهمة ونشاط، أما من فاته أن يتناول الشاي فقد كان يمضي يومه بالحسرة والندم على تأخره أو انشغاله، ويعتزم أن يعوض ذلك في الصباح التالي، وكان يسأل من حضر جلسة الشاي عن طعم الشاي ونكهته؛ عله يعوض بالسماع شيئاً عن شهود الحقيقة.

لم يدخل أحد بيت أبي فاتك المتواضع، ولم يُشاهد أحد يخرج منه. سأله أحدهم يوماً مازحاً:
"يا أبا فاتك، أين فاتك؟"

فأجاب بشرود وهو يصب كأساً من الشاي:

"سيأتي يوماً ما."

وشعر جميع الموجودين أن أبا فاتك لا يحب أن يتحدث عن أموره الشخصية، فكفوا وابتعدوا، واحترموا رغبة أبي فاتك التي يجلونها ويقدرونها، بل يعتبرونها أمراً واجب التنفيذ.

تحولت ديوانية أبي فاتك مع الأيام إلى مقهى ثقافي، يتبادل فيه الجميع الأخبار والأفكار، ويتحاورون حول السياسة والاقتصاد وحراك المواطنين والتحولات الاجتماعية، وكم كانوا يعجبون بآراء أبي فاتك السديدة النافذة المستندة إلى فهم عميق وإدراك واسع لما يحدث.

ذات صباح لم يجد الموظفون أبا فاتك. انتظروا، فلم يخرج من بيته. تجمعوا جميعاً وقد ساورهم القلق بشأنه. طرق أحدهم الباب مرات عديدة دون أي رد. ازداد خوفهم وقلقهم. سأل بعضهم جاراً وحيداً لأبي فاتك فأخبرهم أنه توعك في أثناء الليل، فذهب إلى المستشفى القريب ولم يعد حتى الآن.

دون تفكير أو تردد سار الجميع تجاه المستشفى ليطمئنوا على أبي فاتك، ولم يثنيهم العمل، فقد نسوا العمل ونسوا الدوام، وشاركهم من معهم من الرؤساء والمديرين، فقد كانت حياة أبي فاتك عندهم أهم من العمل.

دخلوا المستشفى كتظاهرة صغيرة، ولفت دخولهم كادر المستشفى وموظفيه. سألوا في وقت واحد عن أبي فاتك، لم يعرفه أحد بكنيته، أخبروا عن أوصافه، فدلهم أحد الموظفين على غرفته مع رجاء الهدوء وعدم ازعاج بقية المرضى.

أذهله دخولهم الاحتفالي عليه، ولهفتهم على رؤيته والاطمئنان على صحته، وشعر أنه استعاد عافيته بمجرد رؤيتهم وتكالبهم على معرفة أخباره ووضعه الصحي.

أكد لهم أنه بخير، وأنه بحاجة إلى تدخل جراحي مستعجل، ولكن ... .

توقف ولم يكمل. فهم وفد المحبة الموقف، فأكدوا له أنهم معه، وأنهم على استعداد لكل التكاليف، وأنه يسعدهم، بل مناهم، أن يقدموا له أية خدمة. ذهبوا جميعاً لمقابلة الطبيب المختص الذي فوجئ بهذا العدد الكبير الذي يسأل عن حالة أبي فاتك وتكاليف العملية، فأخبرهم بالتكلفة التقريبية، وأنه بحاجة إلى خمس وحدات دم خشية من حدوث نزيف في أثناء العملية.

تجمع ضعف المبلغ المطلوب في دقائق على شكل أوراق نقدية، أو شيكات بنكية، وامتدت جميع أيدي الوفد للتبرع بالدم، ولما أكد لهم الطبيب أنه بحاجة فقط إلى خمس وحدات، صمموا أن يتبرع الجميع دون استثناء مع مراعاة صلاحية الدم.

أجريت العملية لأبي فاتك، وكان نجاحها باهراً أذهل الطبيب، ولم يحتاج إلى أية قطرة دم لضخها في أوردة أبي فاتك، وكان تحسن حالته سريعاً، وتماثله للشفاء مثيراً، وتحلق الجميع من جديد حول سرير أبي فاتك، بعد أن كانوا يتابعون حالته أولاً بأول.

ارتسمت ابتسامة عريضة على وجه أبي فاتك، وشكر الجميع على وقفتهم معه، ولكنهم أوقفوه عن مواصلة الحديث حفاظاً على صحته، وأكدوا له أنهم لم يصنعوا إلا أقل القليل تجاه شخص جمعهم على المحبة والألفة، شخص أكد لهم أن الدنيا بخير، وأن اجتماع الاضداد ممكن، وأن الكرم والثقافة شيمة متأصله عند البعض بغض النظر عن منصبه وثروته وتعليمه.

أخبرهم الطبيب الجراح أن حالة أبي فاتك حالة فريدة لم يتعامل معها سابقاً، وأن الحب يصنع المعجزات، وأن محبة الناس من حولك هي سر الشفاء.

خرج أبو فاتك من المستشفى بعد مدة قصيرة، وعاد إلى ديوانيته من جديد، والتف الموظفون حوله كدأبهم في الصباحات السابقة، وهبت في الأرجاء رائحة تشرح الصدور، وتشفي القلوب، وامتدت أجنحة الرضا تظلل ديوانية أبي فاتك وروادها الذين تضاعفوا مرات ومرات، وتعددت أباريق الشاي، وزاد الديوانية جمالاً فاتك الصغير يشارك أباه في تقديم الشاي لرواد الديوانية الأفاضل.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3202835

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC