موسى أبو رياش - الأردن

الحياة أغنية

محمد إبو رياشسليمان النجار أشهرُ من نارٍ على علمٍ. تعدَّت شهرتُه مدينته إلى المدن المجاورة، ليس لمهارته الفائقة، وجودة عمله، وإتقانه الشديد فحسب، بل لغرابة أطواره التي جعلته هدفاً للزوار والفضوليين والسياح أحيانا.

سليمان النجار والغناء صنوان لا يفترقان، فهو لا يُرى إلا مغنياً أو مستمعاً للأغاني، ولا يتوقف إلا عندما يسمع صوت الآذان من المسجد القريب، التي لا تفوته الصلاة فيه مهما كانت الظروف. وعندما يأتيه زبون، يتوقف عن الغناء، أو يُخفِّض صوت الراديو بالقدر الذي لا يشوش على الزبون ولا يحرمه لذَّة السَّماع في الوقت ذاته.

كان الغناء جزءاً أساسياً من عمله، يُغنّي على لحن المهمة التي يؤديها، ويختار لها الأغنية المناسبة، فإذا استفتح عمله صباحاً غنى "وابتدى وابتدى ابتدى المشوار ..."، وإذا صعد إلى السِدَّة غنى "يا بيت ياللي في العالي ... "، وإذا نشر لوح خشب، ترنَّم بأغنية تناسب المقام مثل: "لاكتب على أوراق الشجر .... "، وإذا كان يثبت قطعة خشب بالمسامير، غنى "تك تك يا أم سليمان ..."، وإذا نادى على صبيه عارف قال له: "عارف يا عارف ... مش عارف إيش عارف يا عارف ... جيبللي يا ابن الشطار ... جيبللي أحسن منشار"، وإذا أراد عملاً من مساعده حسن قال له: "اترك إللي في إيدك يا حسن ... وتعال بيكفي لت وعجن"، وإذا دخل زبون غنى: "أهلا وسهلا بللي جاي ... حضر له يا عارف كاسة شاي"، وإذا غادر الزبون غنى: "مع السلامة يا أغلى الحبايب ... مع السلامة والقلب ذايب."

عندما كان يعود إلى بيته القريب، كان يمشي مدندناً بإحدى الأغنيات القديمة التي يعشقها، وفي بيته وبين أفراد أسرته، ينتهز كل فرصة ليغني أو يستمع إلى الغناء، وحتى في وجود ضيوف عنده كان لا يمنعه ذلك من الغناء والدندنة أو الطرق المنغم على أي شيء أمامه.

هوسه بالغناء كان حديث كل من عرفه، يتعجبون. يستغربون. يتساءلون، ولا إجابة عند سليمان النجار إلا قوله: "إذا كثرت همومك غنيلها". وإذا استزادوه إيضاحاً لمعرفة همومه، يقول: "خلي إللي في القلب في القلب"، أو "خليها في القلب تجرح أحسن ما تطلع وتفضح".

وذات يوم ضاق أحدهم ذرعاً بجوابه الذي لم يقنعه، بل استفزه، فقال له: يا رجل لو كل واحد فينا غنَّى لكثرة همومه لوجدت أغلبية الناس مطربين، ولوجدتني أنا شخصياً راقصاً لا يشق لي غبار، لأنَّ همومي تنوء بحملها الجبال.

في الأمر سرّ، في الأمر لغز، ثمة شيء وراء الستار. كان هذا رأي كل من عرف سليمان النجار، فمن عرفه وعرف أسرته، علم أنَّه يعيش كأي أسرة عادية دون أية مشاكل، بل هي أسرة أقرب إلى السعادة، فالبيت واسع ونظيف وملك لسليمان النجار، والدخل كبير نسبياً، وصحة أفراد العائلة ممتازة، ولا ديون ولا مشاكل مع الجيران.

سليمان النجار متزوج ولديه أولاد وبنات، ومع ذلك فإنه لا يستجيب إلا إذا نُودي باسمه الصريح "سليمان"، سألوه يوماً: لم يرفض أن يُنادى بكنيته رغم وجود ابنه البكر خالد؟ فأجاب بعد أن ماطل مدة طويلة: خالد ابني الكبير، ولكن شروق هي البكر، أردتُ أنا أن أُكنَّى بأبي شروق كونها أول الفرح، وأصرت زوجتي أن أُكنَّى أبا خالد كونه الذكر الأول حسب عادة الناس، وبعد أخذ ورد، وشد وجذب، قررت أن أبقى كما أنا "سليمان" دون أية إضافات.

بقدر ما جلبت شهرة سليمان له الزبائن، فقد ولدت له كثيراً من الغيرة والحسد والضغائن، وبالذات من منافسيه في مهنة النجارة، فقد ازدهرت ورشته حتى اضطر أن يتوسع وأن يستعين بعاملين آخرين، وبقيت حال منافسيه كما هي، يعملون ويأتيهم نصيبهم من الزبائن، ولكن لا مقارنة مع سليمان. ولكن –والحق يقال- أنَّ كلَّ منافسيه لم يحاولوا أن يؤذوه أو يكيدوا له، فمهارته يشهد له فيها القاصي والداني، وشخصيته المرحة المحببة منعت عنه كل عداوة أو مكيدة.

حتى العصافير اتخذت من ورشة سليمان لها أعشاشاً، تتجمع بالعشرات تنصت لغناء سليمان وشجنه الذي يلفت انتباه المارة فيتوقفون للسماع مفتونين بجمال ما يسمعون. بعض النساء كنَّ يتوقفنَّ بُرّهةً للاستماع بدهشة وتعجب ثم يمضين حياءً، وبودّهنَّ أن يمكثنَّ إلى الأبد، فالغناء فالغناء مهوى قلوب النساء.

وكان جيرانه في الورش المجاورة يستريحون أقرب ما يكون إلى ورشته ليسمعوا له، ويمتعوا بعذوبة صوته، وروعة أغانيه، حتى إنَّ أحدهم فكَّر أن يقلب ورشته إلى مقهى مستثمراً صوت سليمان، ولكنه استبعد ما عزم عليه، خوفاً من أن يُغضب سليمان ويخسره إلى الأبد.
ولم يمنع ذلك من أن تكون ورشة سليمان محطاً للعديد من معارفه ومحبيه، يجلسون أمامها يجذبهم صوته الجميل، ولحنه الشجي، وأغانيه اللطيفة، وخاصة أنه لم يكن يغني إلا الأغاني القديمة التي تكاد تندثر جرّاء عاصفة الأغاني المجنونة التي لا يعيرها سليمان أي اهتمام، بل يعدها أي شيء إلا أن تكون من جنس الأغاني.

معرفة سر الغناء ما زالت تحوك في صدور الكثيرين، وخاصة الذين هم على صلة مع سليمان النجار، من جيرانه في الورشة، ومعارفه الكثر، لأنَّ معرفة السر سوسة، دودة تهرش الفضوليين، وتدفعهم إلى السؤال والاستفسار ومحاولة الاستنتاج إذا عُدم الجواب. ظلَّ سليمان يضحك كلما تعرض لسؤال أجاب عنه عشرات المرات، يسخر من إلحاحهم، ويدعوهم لتناول كأس من الشاي وهو يغني بسعادة تغيظهم في كثير من الأحيان.

ذات ساعة صفاء استحلفه صديق لا يرد له طلباً أن يخبره عن السر، وقال: لا تقنعني أنَّ همومك هي التي تدفعك إلى الغناء، فأنت تعيش في أسرة سعيدة دون أية مشاكل أو منغصات، وأنا أعرفك أكثر من نفسك، وحتى الهموم –إن وجدت- فهي لا تدفع المرء أن يغني بمثل هذه العذوبة التي يحسدك عليها نجوم الغناء، وبإمكانك أن تكون منهم لو أردت، فما هو السر الحقيقي إن كنت تعتبرني صديقاً لك؟

أجابه بعد صمت قصير: السر يا صديقي أن لا سر هناك، لا يوجد سبب.

لم يقتنع صديقه بهذه الإجابة التي لم يكن يتوقعها، فسأل: هل تسخر مني؟ يبدو أنك تريد أن تخسرني إلى الأبد.

أجابه بسرعة: صدقني أنَّ هذه هي الحقيقة كاملة غير منقوصة، أغني لأني أحب الغناء، تعلقت بالغناء صغيراً، فارتبطت به كبيراً، ورضيت بالحياة، فغنيت. وما يمنعني من الغناء؟ وأي عيب في الغناء إن كان لا يعيقني عن عملي، بل ويحبب فيَّ الناس، والزبائن يأتونني من كل مكان؟

فاستفسر صديقه متعجباً: هل يعقل هذا يا سليمان؟ والسر الذي أصرَّ الجميع على وجوده في حياتك؟

ردَّ سليمان ضاحكاً: هنا يكمن السر يا صديقي، فالناس لا تأخذ الأمور ببساطة، وترى وراء كل أمر سبباً أو سراً، وقد أجبت في البدايات أن لا وجود لسر، ولكن في ظل عدم تصديقهم وإصرارهم أنَّ هناك سراً، سايرتهم وجاملتهم، وقلت: ربما هناك سر. والسر كما ترى يا صديقي أنَّه لا يوجد أي سر.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3224415

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC