موسى أبو رياش - الأردن

فائض عن الحاجة

محمد إبو رياشاستيقظ كعادته كلَّ فجر. توضأ. صلّى. قرأ أذكاره وأوراده. أعدَّ فنجان شاي، تناوله على مهل مع لقيمات من الخبز، وقطعة جبن بيضاء؛ إفطاره الصباحي منذ خمسين عاماً أو يزيد. همَّ أن يرتدي ملابسه؛ استعدادا للخروج، عندما تذكر أمراً لطمه، وأحدث غصَّة في قلبه. لا داعي للخروج هذا الصباح، فقد باع بقالته لأبي سعيد يوم أمس، وغدت ملكاً له، لا يحق له أن يدخلها إلا زائراً أو زبوناً. ارتمى على فراشه خائر القوى. مشتت الذهن. يسقط في هاوية بلا قرار. اندس تحت لحافه مهزوماً، يستذكر عمره الذي قضاه في هذه البقالة التي أصبحت جزءاً منه، فلا تُذكر البقالة إلا به، ولا يُذكر إلا والبقالة قرينة له.

منذ توفيت زوجته، وهو لا يكاد يفارق البقالة، فأولاده تزوجوا، وانشغلوا بزوجاتهم وأولادهم وأعمالهم، ولا شيء يغريه بالعودة إلى البيت. أما رفاق العمر، فكانت البقالة مكاناً لتجمعهم وحديثهم وسمرهم أحياناً. يجلسون أمامها، يتحدثون، يستذكرون ماضيهم، يحللون الأوضاع الراهنة: سياسية واقتصادية واجتماعية. وقد كانت البقالة مكاناً للتجمع عند الذهاب إلى أي فرح أو عزاء أو زيارة مريض أو جار صديق عاد من العمرة أو الحج أو السفر. كانت بقالة أبي خالد معلماً هاماً في الحي، يكفي أن تسأل عن بقالة أبي خالد حتى تجد العشرات ممن يدلونك عليها، ويستحيل أن تجد سائق تاكسي في المدينة لا يعرف بقالة أبي خالد.

منذ سنتين وابنه الأصغر سائد، يحاول أن يقنعه أن يترك البقالة ويرتاح، فيكفيه ما عاناه من كد وتعب وجهد، وهم –أي أولاده- سيوفرون له كل ما يحتاجه، وهم على استعداد لتأمين كل طلباته حتى لو أراد السفر والسياحة بل والزواج. رفض طلب سائد بحزم، مؤكداً أنه سيبقى في بقالته ما دام قادراً على الحركة، فالمسألة لا تتعلق بالنقود، ولا يظن أنهم سيفهمون عليه.

رجاه أولاده الآخرون، وتدخلت بناته الأغلى على قلبه ورائحة زوجته، فوعدهم خيراً، وطلب مهلة للتفكير. حاول المماطلة والتأجيل واختلاق الأعذار، ولكن ذلك لم ينطل على سائد الذي كان كثيراً ما يراجعه ويذكره بوعده. أخيراً، وافق أن يبيع البقالة بشرط أن يكون المشتري ابن أصل ولا يهمه السعر. وما أن وضع إعلان البيع حتى تهافت العشرات لشراء البقالة، ليس لقيمتها المادية، ولكن لمكانتها الأدبية في الحي، وتاريخها العريق، وسمعتها الطيبة في كل مكان.

رفض أبو خالد أن يبيع البقالة إلا لأبي سعيد الذي يتمتع بصفات يراها ضرورية فيه ليخلفه في البقالة، فقد كان أبو سعيد أصغر منه بعشرين سنة على الأقل، وكان معروفاً في الحي بطيبته وخلقه وسمعته الحسنة وكرمه ونخوته. طلب أبو خالد من أبي سعيد مهلة أسبوعين ليسلمه البقالة، ريثما يودعها، ويرتبها جيداً، ويجرد محتوياتها، ويحصي الديون المترتبة على بعض سكان الحي.

ولما حانت ساعة التسليم، بكى أبو خالد كأنه يدفن فلذة كبده، وسلَّم المفاتيح لأبي سعيد بيد مترددة راعشة، وغادر البقالة بخطوات واهنة إلى بيته، لينهي رحلة عمر ما كان يتخيل أنه سيقدم عليها.

في البيت، استقبله سائد وزوجته وأحفاده بترحاب، مؤكدين استعدادهم لخدمته وتوفير كل أسباب الراحة له، فما عليه إلا أن يأمر فيطاع، راجين منه أن لا يتردد في طلب أي شيء في ليل أو نهار، فهو الأغلى عندهم، ولا أحد مقدما عليه كائناً من كان. شكرهم بصوت خافت، وانسحب إلى غرفته، محاولاً أن يتناسى أمر البقالة، فلم يستطع، وأرَّقه التفكير واسترجاع الذكريات، وأخيراً غلبه النوم وسهام الحسرة تمزق قلبه.

أخذته الذكريات بعيداً، وهو يستذكر أجمل أيام العمر. تعرَّف على معظم سكان الحي، وخالطهم، وشاركهم كل مناسباتهم وأفراحهم وأحزانهم، وكان يعتبر نفسه فرداً في كل أسرة من أسر الحي، وهم يعدونه كذلك. تذكر وابتسامة تعلو شفتيه كم ربت على أكتافهم عندما يرجونه أن يصبر على سداد ديونهم، يطمئنهم أن لا بأس عليهم، ويرجئهم إلى حين ميسرة، يغادرونه وقلوبهم تلهج بالدعاء له ولأولاده، ويدخر عند الله وحده ديوناً أسقطها عن المعوزين والمحتاجين والأرامل والأيتام دون طلب منهم، فكان للجميع الأخ الأكبر، يسرون إليه ما لا يسرون لأقرب الناس إليهم، يطلبون رأيه، ويحرصون على الأخذ بنصائحه، فهو فيهم حكيم فهيم صاحب تجربة وفراسة ونظرة صائبة.

استفاق من ذكرياته على صوت ابنه سائد يدعوه لتناول طعام الإفطار معهم. حاول الاعتذار، ولكن ابنه ألحَّ عليه، فقام بوهن ليمارس حياة جديدة لم يتعودها من قبل. جلس معهم، تناول بضع لقيمات ثم حمد الله وشكره، ثم عاد إلى غرفته وسط استغراب ابنه وزوجته وأحفاده.

أحاطه أولاده بالحب والرعاية، وسارعوا إلى خدمته عند أقل إشارة منه، بل كانوا يسبقونه أحياناً قبل أن يطلب، يساعدونه في ارتداء ملابسه، يناولونه الماء، يساندونه أحياناً إذا أحسوا منه تعباً أو ضعفاً. شكر لهم كل ما يفعلونه لأجله، ولكنه شعر في قرارة نفسه أنهم يحيطونه برعاية العاجز الضعيف الذي لا حول له ولا طول. وأنه أصبح عبئاً عليهم. لا يقوم بأي خدمة مهما صغرت، يمنعونه من ذلك حرصاً على راحته.

حاول أن يذهب إلى المخبز لشراء الخبز، فعاتبوه أنه لا ينبغي له أن يخدمهم وهم جميعاً في خدمته. حاول أن يرتب فراشه، فسارعت إليه زوجة ولده سائد محذرة أن سائدا لو رآه لأنبها بشدة متهماً إياها بالتقصير تجاه والده. أسقط في يده، وشعر أنه لا لزوم له في هذه الحياة. لا فائدة ترجى منه. لا أحد يطلب منه خدمة. لا أحد ينتظر منه شيئاً.

أظلمت الدنيا في وجهه، وشعر أنها أضيق من خرم إبرة، فهو صفر في نظرهم، وجوده وعدمه سواء. عذَّبه هذا الإحساس، وأرَّقه، وأحال أيامه إلى ليال سوداء، ولياليه إلى سهاد طويل. فكّر في ما تبقى من حياته. هل من المعقول أن يقضيها بين جدران أربعة أشبه بطفل رضيع، بل شعر أنه مسجون برعايتهم وحرصهم ومحبتهم له، أسير لا عمل له إلا شكرهم والدعاء لهم.

لم يعد يطيق ذرعاً بهذه الحياة التي أفقدته كل معنى للحياة، وكل قيمة للوجود. انتهز نومهم صباحاً أكثر من مرة، وخرج يتمشى في الحي؛ يسترجع أيامه السالفة، وذكرياته: حلوها ومرها، فكلها في نظره جميلة. وغالباً ما كان يعود، ونظرات العتاب تنتظره على مدخل البيت من ولده سائد، يعاتبه خوفاً عليه، مؤكداً أن سيارته رهن إشارته، وأنه مستعد أن يذهب به إلى أي مكان. يشكره بعينيه، ويدخل إلى غرفته ساهماً واهناً.

استيقظ سائد ذات صباح، فلم يجد والده في غرفته، انتظره على باب البيت كعادته. تأخر كما لم يفعل من قبل. حدَّث نفسه: لعل جولته بعيدة هذا اليوم، ولكنه حتماً سيعود. تنبه على رنين جهازه الخلوي من الداخل، فأسرع إليه، وقلبه يتوجس خيفة.

كان أبو سعيد على الطرف الآخر، يرجوه أن يسرع بسيارته. دقائق، ووصل سائد إلى بقالة أبي سعيد، وجد تجمعاً. أخذه أبو سعيد جانباً، وأخبره أنه عندما حضر إلى البقالة، وجد والده جالساً على عتبة البقالة، مسنداً ظهره إلى الحائط، فظنه نائماً، فلما همَّ بإيقاظه وجده قد فارق الحياة.

أذهله الموقف. لم ينطق بكلمة. تساقطت دموعه بغزارة، وهو يقبل والده، ويرجوه أن يسامحه، ويصفح عنه. أبعده الناس، وحملوا جثة أبي خالد إلى السيارة؛ لنقلها إلى أقرب مستشفى.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3111273

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC