إبراهيم قاسم يوسف- لبنان

فستان سهرة راس السنة

النَّص من نسج الخيال. أي شبه مع أشخاص أو أحداث أو أماكن محض صدفة.

انتصف النهار ولمَّا يزلْ يغطُّ في نوم عميق، فمعالي الوزير تهالك ليلة الأمس على الفعلِ الحرام، وأفرط في الأكل والسهر والشراب، وحينما أقبلتِ الخادم توقظه من النوم، وتخبره أن وفدا من مؤيديه أتى يزوره للتهنئة بالعيد، فتح عينيه قليلا وقال لها حانقا برما: "قولي لهم البارحة كان العيد". وعاد فدفن رأسه في الوسادة ليستأنف نومه من جديد، والخادم تولاها الخجلُ من الجماعة، فصرفتهم بلباقة، ولم تقل شيئا.

أما حرمُ معاليه، فقد أفاقت من نومها عند الساعة العاشرة معتكرة كسولة لا تقوى على النهوض. تثاءبت قليلا وهي تنظر إلى صورة زيتية قبالتها كانت قد تلقّتها منذ أيام قليلة، هدية رأس السنة لمناسبة اقتراب العام الجديد. صورة ملونة تمثلها جالسة على كنبة عسلية. عقصتْ شعرها الكستنائي إلى الوراء، وهي ترتدي فستانا نيليا فضفاضا؛ يكشف عن حَيِّز من قناة مثيرة بيضاء، تنحدر من أعلى الصدر- ثم تغيب تحت طيات الرداء. تحمل بيدها باقة زهر يغلب عليها اللون الأزرق، وتلقي باليد الأخرى على أريكة بلون الزعفران.

تمطّت قليلا وتهالكت على نفسها ثم تركتِ السرير. سرير من خشب الجَوْز؛ حَفَرَتْهُ أيد مصريَّة حاذقة على شكل سفينة شراعيَّة من عهد الفينيقيين، وتوجهت إلى نافذة تشرفُ على الحديقة ففتحتْها وأزاحت ستارتها ليدخل غرفتها الهواء والنور. كانت تشعر بعطش وجفاف في حلقها بسبب الشمبانيا والسجائر التي دخنتها في سهرة الأمس، ووصيفتها بالتعاون مع الخادمة أعدَّت لها حماما من المياه المعطرة الفاترة.

زوجة الوزير هذه ريفيَّة فلاّحة؛ تنحدر من عائلة فقيرة، تعمل في زراعة الأرض شمال البلاد. إلاَّ أنها جميلة وذكية وجريئة. تعصف في رأسها أحلام بعيدة لم ترَها يوما عصية على الإدراك. قليلة الحيطة والحذر؛ لا تخشى أمرا وهي تتسلق المراتب لتبلغ غايتها. مقبلة على الدنيا بإسراف. بعيدة من الرصانة المطلوبة لمن كانوا في مقامها.

نالت قسطا ملحوظا من التعليم، وأتقنت الفرنسية والراء المُدَحْرَجَة لغة التخاطب في المحيط، واستولت على مشاعر الوزير فتربعت زوجة في قلبه تواكبه في مسيرته وحملاته الانتخابية. تغمض عينيها وتتغاضى عن هفواته ومغامراته العاطفية المكشوفة. تتوسل السياسة فتقرر ما تريد وترغب؛ ثم تأمر وتنهى بلا قسوة أو تعنيف.

ترتاد نوادي التدريب على الفروسية وتواظب على ارتياد المسارح والمراهنة في سباق الخيل، وتشتري ثيابها وعطورها ولوازم زينتها خلال السفر، أو تشتريها مستوردة من أرقى المحلات. تأقلمت وأتقنت بسرعة قياسية شكل العيش في الأوساط المخملية مع سكان الدارات الفخمة والقصور.

بَرَعَتْ أيضا في تدبير الصفقات ومناقصات "دسمة" تديرها من بعيد، فتدر فيضا من المال يصب في حسابها وحساب حاشيتها. وفي نهاية الصفقات المشبوهة تتصدر صورها وسائل الأعلام، وهي تشارك الإفطارات الرمضانيَّة، أو تزور المدارس والمستوصفات، وتتفقد الأحياء الفقيرة ودور العجزة والمشافي وعيادات المرضى. تقوم بالتبرع لصالح المؤسسات التربويَّة والعديد من أعمال الخير والتقوى.

كانت السيدة تتحضر لسهرة رأس السنة، ولم تكن تفصلها عن الموعد إلاَّ أسابيع قليلة، تكاد لا تكفي مصمم الأزياء ليعد لها فستانا تزهو به بين الحضور؛ في واحدة من تلك الدور التي نالت شهرة واسعة في عالم الأناقة، ويقوم على إدارتها والإشراف عليها مصمم بارع، ممن يفعِّلون خيالهم في الوصول إلى قمة الإحساس، وابتكار الثياب الساحرة للنساء، باستخدام الخامات الجديدة، والنماذج وتناغم الأقمشة في الخطوط والألوان.

أعدَّتْ للسهرةِ ما يلزم، وتبادلتِ الرأي مع أصدقائها من رواد الملاهي وهواة السهر والرقص، وجلهم من الأثرياء وأصحاب المزاج ممن ينتظرون هذه المناسبات. وتوقعت لسهرتها أن تتفوق على سهرة السنة الماضية، وترسو في كازينو الجبل، أشهر المقاصف الليلية التي تقتصر على طبقة معينة من الرواد، بعيدا عن عيون عامة الناس، ولم يبق لها إلاّ أن تحضِّرَ فستانا يليق بالمناسبة المنتظرة.

لم تتناول إفطارها مما أعدوه لها باكرا، وانتظروها طويلا حتى تستيقظَ من النوم، فالسيدة لم تكن جائعة ونَفْسُها تعافُ الطعام؛ فاكتفت ببعضِ العصير والقهوة.

كانت الساعة تجاوزت الموعد المحدد لها مع مصمم الأزياء؛ حينما نزلت إلى الحديقة حيث ينتظرها السائق في سيارة فخمة سوداء اللون، ولوحتها تتألف من ثلاثة أرقام فحسب، وأما حارس الوزير فمن عناصر الأمن، يرتدي ثيابا مدنيَّة ويخفي تحت سترته سلاحا أميريا.

بادر الحارس يفتح باب السيارة للسيدة، ويغلقه بعناية مع ابتسامة عريضة وانخفاضة من الرأس، فاتخذت مكانها في المقعد الخلفي ناحية اليمين، ليعود الحارس ويجلس إلى جانب السائق، ورائحة عطر أخّاذ مستخرج من زهرة الغاردينيا يفوح في السيارة، يلامس الروح ويُحَرِّكُ المشاعر فيعطلُ قدرتها على التَّحَكُّمِ بالأعصاب.

هكذا قطعتِ السيارة المسافة إلى دار الأزياء عبر جادة النَّصر، وموسيقى راقصة تهواها السيدة؛ تنبعث منخفضة الصوت من المذياع، فالهانم صحيح أنها زوجة رجل عالي المقام، لكنها في الحقيقة لم تزل تختزن في أعماقها بعض الميول الشعبية، تلك التي تأصلت في نفسها منذ زمن المراهقة وعهدها في الريف.

هذه الميول تحملها على التعامل مع المقربين بالقليل من التحفظ والحذر، فتطيب نفسها وهي سكرانة للاستماع إلى ما يُروى لها من النوادر "الدَّسمة" والنكات. يحفظونها ويتحينون الفرص فيجتهدون في روايتها؛ كرمى لعيون الست التي يتبارى الكل في خدمتها، والترفيه عنها وهي مُتّعَكِّرَةُ المزاج.

دار الأزياء هذه تقع في حيّ راق، يتصل بالشارع الرئيس الممتد شرقا من كازينو الجبل، صعودا حتى أسفل محمية غابة الصنوبر ونهر "عشتار". وتحتل الطبقات الثلات من "ڤيلا" قديمة تحيط بها حديقة واسعة، غنية بأشجار الزينة والظل ومساكب الورد، والتحف التاريخيَّة المختلس معظمها من وزارة الآثار.

الڤيلا التي تحولت إلى دار للأزياء باعها ورثة صاحب مصنع للأدوات المنزلية والتحف المميزة، وتبلغ قيمة بعض أنواع هذه الصناعة من السيوف والخناجر والسكاكين المزخرفة بالعاج والياقوت، وأدوات الطعام المفضضة أو المذهبة، أسعارا خيالية لا تصدق. تتجاوز الملايين. اختلفوا فيما بينهم، فباعوا الڤيلا ونالوا كثيرا من هذه الصناعة التراثيَّة البديعة بسبب خلافاتهم وسوء إدارتهم.

توقفتِ السيارة في باحة الحديقة، ليس بعيدا من مدخل الڤيلا الرئيس من ناحية الشرق، وطلبتْ من السائق والحارس أن ينتظراها ريثما تعود. تركت لهما ورقة من فئة نقدية مرتفعة القيمة يشتريان ما يشتهيان من طعام وشراب، وتوجهت إلى المدخل. مدخل واسع يعلو درجات قليلة عن أرض الحديقة. ألقت نظرة سريعة على الأقمشة المعروضة في الطبقة الأولى، فإلى الطبقة الثانية حيث صالة العرض ومكتب مصمم الأزياء؛ يساعده رهط من النساء الحسناوات.

لم تتعدَ باب المدخل إلى الصالة حينما فاجأتها سيدة من معارفها: هالة؛ زوجة رجل أعمال ترسو لمصلحته عروض معظم المشاريع. سيدة فاتنة تتجاوز زوجة سعادة الوزير في الجمال والمال. ألقت عليها تحية عابرة لا تخلو من الصلف والكبرياء، ثم غادرت الدار دون أن تحفل بها أو تستوقفها ولو في مجاملة قصيرة.

سبقتِ الوافدة قهوتها إلى المكتب وأحسنوا استقبالها كما يليق بزوجة وزير، وأخبرتها إحدى المساعدات في الدار أنهم استفادوا من فرصة تأخرها في الوصول، فخصصوا الوقت الضائع لزوجة أبي الدَّهب، التي يشرف فستانها على اللمسات الأخيرة ليكون جاهزا قبل بداية العام الجديد. فستان مبتكر كأحسن ما تجود به قريحة المصممين الملهمين. جرَّبته عارضةٌ الأزياء أمام عينيّ السيدة زوجة الوزير.

درجة لونه عصية على الوصف الدقيق. مزيج من لون الخزامى وزهر البَنَفْسج، واللونُ النِّيليِّ الخفيف. مكشوفٌ عند الكتفين والظهر؛ ومشقوق يطل على معظم مساحة الساق ناحية اليسار. يكشف عن حيز واسع من النهدين. يضيق عند الصدر والوركين، ثم تنحدر طيَّاتُه الطولية الكثيفة من تحت الردفين لتلامس بلاطَ الصالة. والسيدة سحقتها الغيرة وهي ترى روعة ما تفتقت عنه عبقرية التصميم في فستان المرأة، التي أهملت النظر إليها عند الوصول.

قبل أن يهبط المصمم من المشغل في الطبقة العليا، حيث يشرف بنفسه على الخياطة والتفصيل، كانت قد بيَّتَت في نفسها أمرا. لِمَ لا يكون فستانُ تلك المتكبرة المغرورة من نصيبها هي بالذات؟ هكذا أطلقتْ "قذيفتها" في وجه مصمم الأزياء.

قالت له سأدفع لك ضعف الثمن. والرجل في البداية هالته خيانة السيدة صاحبة الفستان. لكنه في خلاصة المداولة والنقاش التمس لنفسه الأعذار، والدار تعاني ما تعانيه من ركود في السوق، إثر البطالة والفساد وتعثر القضاء، وشلل الإدارات والمشاريع الوهمية، وهجرة الشباب والحوادث الأمنية المتنقلة.

تضافرت هذه الأسباب وطاولت اقتصاد البلاد، وأغرقتها في المزيد من المتاعب والديون. والمبررات التي سيسوقها إن لم تكن مقنعة للسيدة صاحبة الفستان، فلن تستدعيَ لرقبته حبل المشنقة على ما فعل.
كتبت له "شِكا" بالمبلغ على الفور وقالت له: "تصرَّف؛ سأنتظر منك الجواب".

ما جرى لم يكن بعيدا عن مسامع إحدى عارضات الأزياء، التي قامت على الفور بالوشاية لصاحبة الفستان، والمرأة طار صوابها من الخيانة وكيف غدرت بها زوجة الوزير؛ هي التي لم تتعود أن تلعب دور الضحية يوما. لم تكتفِ باتصال هاتفي بل أسرعت بالحضور بنفسها في اليوم التالي إلى دار الأزياء.

ضاعفت له المبلغ للمرة الثانية. حسمتِ الأمر لصالحها. وحصلت منه على ما يؤكد التزامه الوفاء بالعهد. هكذا اعتذر الرجل إلى زوجة الوزير. أعاد إليها "الشك" وأبدى أسفَه الشديد على فشله في الوصول إلى حل مع السيدة صاحبة الفستان.

في كازينو الجبل ليلةَ رأس السنة، كانت الموسيقى تتعالى من الأوركسترا في صدر القاعة المعدَّة لاستقبال العام الجديد، والأنوار الخافتة لا تسترُ عُرْيَ النساء الفاتنات، وزوجة الوزير تبدو في كامل أناقتها. تتألق نجمة مشعة على حلبة الرقص، تتنقل خفيفة كالفراشة بهية كالأحلام، تتلوى على أنغام "التانغو"، تترفق بها أيدي الفرسان المعجين، حينما أذهلتها المفاجأة، وأحست بصاعقة تجتاحها، وهي ترى خَصْمَها هالة أبو الدَّهب تدخل عالية الجبين تشخص إليها الأبصار؛ وخادمتها تتبعها، والفستان بلون الخزامى إيَّاه الذي سحرها ونكَّدَ عليها عيشها يتألق ويستريح على جسم الخادمة.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3258609

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC