إبراهيم قاسم يوسف - لبنان

على كرسي لويس الرابع عشر/ج2

ها أنذا برفقة غازويل صاحبة الفندق، الأرملة الألمانية الشقراء ذات الأصول الآريّة الواضحة للعيان، التي تحمل الجنسية الفرنسية كما أخبرتني، وتفوح من أردانها رائحة (سوار دي باري)، العطر الأرقى في ذلك الزمن الجميل.

تركت العزيز ڤيكي في عهدة غريمتي فتاة الاستقبال إيّاها، التي قلت لها عند وصولي وقد علا صراخها في وجهي: أخفضي صوتك قليلا يا سيدتي لكي لا تخسري جمالك في نظري، ولكي لا أحْسب أنك غير فرنسية، فالفرنسيات الجميلات أكثر تهذيبا من أن يصرخن هكذا.

جنّت الفتاة ولم تحفل بثنائي المبطّن على جمالها؛ حينما أشرت إلى التهذيب، وأجابتني كمن لسعته نحلة في حلقه، أنها ألمانية ولم تكن فرنسية ليوم واحد من الأيام. لكأنّ الجنسية الفرنسية لا تليق بها ولا تشرّفها على الإطلاق، أو لكأنها تستدعي الحرب العالمية من جديد بين البلدين الجارين المتعاونين.

ڤرساي تبعد عشرات الأميال القليلة إلى الجنوب الغربي من باريس. قطعناها بسيارة غازويل "السّتْروين" التي زيّنتها حاملة المفاتيح من جزّين، وموسيقى خفيفة تنبعث من المذياع والسيارة تعلو وتهبط بتمهل مريح، وتتهادى في سيرها على طرقات معبّدة جيدا، بمساعدة ضغط "الإيدروليك"، التكنولوجيا الفرنسية المتقدمة، لكأننا على بساط الريح أو نسبح فوق فراش من حرير.

مررنا في طريقنا فوق جسر على نهر السين، حيث ينهمك الرسامون مع أدواتهم إلى جانب النهر في مناخ مرتفع البرودة. لم تستغرق رحلة الطريق أكثر من نصف ساعة، وغازويل تقود السيارة بمهارة وانتباه ملحوظ، حتى وصلنا إلى ڤرساي حيث اختارت الدخول إلى حديقة القصر أولا.

تمشينا في بعض أجزاء الحديقة القريبة براحة وأعصاب هادئة، دون أن تنال منّا وتعرقل رحلتنا برودة الطقس، فحدثتني عن "كولونيا" مدينتها في الأوقات المقتطعة من مشاهدات الحديقة. وأخبرتها عن بلد الأرز وموئل الأبجديّة والحرف وعن عشتروت وبعلبك مدينة الشمس، وأن قصر بيت الدين يتفوق على قصر ڤرساي، وعن مهابة حاجبيّ الأمير بشير الشهابيّ ولحيته الكثّة، وشاربيه المعقوفين يغطّ عليهما نسر منشور الحناحين. أما نظرة عينيه فترعب أعتى الرجال. وهو أشجع وأكثر عدلا من جميع ملوك أوروبا وكل تاريخ لويس الرابع عشر، ففي عهده صادق الذئب الحمل ومشيا يدا بيد وجنبا إلى جنب.

وادّعيت باطلا أن لبنان لا يقل أهمية عن أرقى البلدان في الشرق والغرب؛ دون أن أبوح لها عن التبعيّة والقرار المرتهن في البلاد، وقانون السريّة المصرفية المشبوه وفساد السياسة، والرشوة التي تنخر فيه.

تجوّلنا طويلا حتى تعبت أقدامنا؛ كيف لا والحديقة واحدة من أجمل وأكبر حدائق الأرض، وتبلغ مساحتها مع المنتزهات مئة هكتار أو أدنى من ذلك بقليل.

تنمو في الحديقة مساكب الأزهار في كل الفصول، كما تنمو مختلف نباتات الزينة وأنواع الأشجار، ومنها أشجار البرتقال المثقلة بالثمار إلى الجنوب الشرقي من القصر، ودفق مياه غزيرة تتعالى من تماثيل عملاقة هي الأجمل في الحديقة، حيث تتوزع في بركة واسعة للغاية، على شكل نافورة مذهّبة مستوحاة من أسطورة "ليتو" وابنها "أبولو" على مركبته مع الحوريات، من أساطير اليونان القديمة. أبولو العاري حتى من ورقة التين، إله الرجولة الكاملة والجمال المطلق؛ وابن "زيوس" كبير آلهة اليونان.

تتصل البركة على نفس المستوى بباحة واسعة مستطيلة الشكل. تحيط بها الأشجار من الجانبين الطوليين، حيث تنتشر بموازاة الأشجار بضع عشرات من التماثيل الرخامية المدهشة بالأحجام الطبيعية، وفي الأفق غابة حرجية كثيفة الأشجار لا تدرك العين تفاصيلها.

درج مرتفع في ناحية أخرى من البركة، فباحة تشرف من عل على ساحة تاريخية للمجالدة؛ بين الحيوانات الضارية المفترسة والمحكومين بالإعدام، ممن كانوا يزوّدون بسلاح كالسيف أو رمح يدافعون به عن أنفسهم، وعهدة الرواية دائما على غازويل رفيقتي ودليلي في زيارتي.

أما الباحة المبلّطة بعد بوابة القصر الرئيسة من الداخل، فيقوم في وسطها تمثال ضخم للويس الرابع عشر، على صهوة حصان يرفع قائمتيه الأماميتين إلى الأعلى بزاوية حادة.

كان قد انتصف النهار حينما ولجنا إلى باحات القصر الداخلية، بعد أن أكلنا "على الماشي" في الحديقة "سندويشات" من اللحوم الباردة "الپاتيه" مع الكبيس الحار والزيتون من إعداد غازويل. في داخل القصر التقينا ببعض من صادفناهم في الحديقة فتبسمنا لهم وتبسموا لنا.

هكذا راحت غازويل تشرح لي، بل تغرد بمهارة البلبل بفرنسيّة راقية أتقنتها كالفرنسيين وأكثر، ولهجة رنانة تشنف الآذان؛ فلم تدع زاوية من زوايا القصر أو باحاته المسموحة إلاّ ودخلناها، ولا تحفة أو لوحة أو قبّة مزدانة بالأزهار ورسوم الملائكة والأطفال، ولا تمثالا عاريا أو مستورا إلاّ ووقفنا إزاءه طويلا. حتى الرسائل المعروضة وراء واجهات زجاجية، كانت تقرأ بعضها وتفسر لي مضمونها وأهميتها.

ناهيك عن حكاية الحكايات: قاعة المرايا أو "غراند غاليري"، وتحتوي على الكثير من الرسوم الجدارية والقبب التي تختزل أهم المنجزات الحربية والفنون لعقود سبعة من الزمان، فترة حكم الملك لويس الرابع عشر، وفيها ثريات "الكريستال" النفيسة المدهشة، والمرايا، ومقابل كل مرآة نافذة مقنطرة تطل على حدائق القصر المذهلة.

الحقيقة أن قاعة المرايا هذه تأسر القلب والعين، ويضيع في داخلها الصواب وينعقد اللسان؛ فيعجز عن وصفها لشدة بهائها وروعتها.

يؤم القاعة سنويا ومختلف أرجاء القصر والحديقة، ملايين الزوار من جميع أقطار الأرض، وأعمال الترميم تتواصل على مدى العام فتشمل: إعادة الطلاء، والإنارة والنقش والخشب والحديد، والبناء التقليدي من الإسمنت، والهندسة المناخية ومجاري المياه، ووسائل الإطفاء، والعناية العامة بالحديقة.

أثناء جولتنا داخل القصر، مررنا إزاء كرسي خمريّ اللون بديع الصنعة في إحدى زوايا القاعة، موضوع على منصّة مغطاة بسجادة وردية، تعلو عن الأرض قدما واحدة أو أكثر من ذلك بقليل، وبضع كلمات باللون الأسود محفورة على لوحة نحاسية مذهّبة، تشير إلى تاريخ الكرسي وماهيته.

مقعد ملك فرنسا لويس 14قالت لي رفيقتي: هذا كرسي من عهد الملك لويس الرابع عشر (الملك الشمس) الحاكم المطلق وهبة الله على الأرض؛ باعتباره ولد بعد ثلاث وعشرين سنة على زواج أبيه لويس الثالث عشر. كان يختزل بشخصه صلاحيات الدولة والمسؤولين فيها ويقول عن نفسه: "أنا الدولة"، واعتبره بعض الحاشية يمثّل سلطة الله على الأرض.

لكن الملك كان يعاني من رائحة الفم وتسوس الأسنان، وعشيقاته عند المعاشرة كن يتّقين الرائحة الكريهة فيضعن على أفواههن المناديل. وكان أصلع الرأس يخفي صلعته بشعر مستعار، وينتعل حذاء عالي الكعب لكي يبدو أطول مما كان عليه. وكان مزهوا بنفسه أكثر من كل الملوك؛ لا يستعين بخدم القصر لارتداء ملابسه، بل الحاشية من الوزراء هي التي كانت تتولى خدمته في ارتداء ثيابه وانتعال حذائه.

أما لويس الخامس عشر وريث هؤلاء الملوك، فكان زير نساء بحق، ومفردة زير لها مدلول دقيق في التعبير عن هذا الملك، خاصة وأن "مدرّبة" موظّفة دائمة في القصر، كانت تشرف على إعداد الفتيات الأكثر جمالا في المملكة. تحضّرهن له منذ الصغر فتدربهنّ سنوات عديدة، وتشرح لهن متى بلغن كيف يجتهدن في إرضاء رغبات الملك.

قصر فرساي هذا الذي بدأ بناءه لويس الثالث عشر كمنزل يقيم فيه في رحلات الصيد، أكمله واتخذ منه لويس الرابع عشر قصرا رسميا لحكم البلاد، ويحتوي من الغرف على ما يتجاوز الألف، خصّص العدد الأكبر منها لعشيقاته ونومه وطعامه واستراحته، وللحرس وإدارة شؤون الدولة والخدم.

والمفارقة اللافتة أن القصر كان على أهميته الخيالية لا يحتوي على قنوات للصرف الصحي. لذلك، كانوا يستخدمون بعض المراحيض النقالة القليلة لقضاء حوائجهم ويفرغونها لاحقا في حفر بعيدة من القصر.

أقامت لاحقا في القصر ماري أنطوانيت التي أعدمت مع زوجها لويس السادس عشر بواسطة المقصلة، وهي صاحبة المقولة المشهورة عن الخبز والبسكويت؛ وذلك استنادا إلى ما نقله جان جاك روسو دون سواه.

"أوروپا" شقيقة "قدموس"، الأميرة السورية التي خطفها من شواطئ لبنان "زيوس" كبير آلهة اليونان، المتلبّس هيأة ثور أبيض، تنتسب إلينا ولنا فيها نصيب كبير. أوروپا هذه في الوقت الراهن غيرها عن أوروپا الأمس إبّان العصور الوسطى، حينما كان ساكنوها يخشون الاغتسال بالماء، ويعتقدون أنه يسبب آفات جلدية وأمراضا جسديّة. لذلك فقد اقتصر الاغتسال في العموم، على أهم مناسبتين: الزواج؛ أو مرض الموت، رحمة بأنف الإله.

حتى نساء ذلك الزمن كن يغتسلن مرة أو مرتين على الأكثر في العام، وهناك الكثير من المراجع الموثّقة التي تؤرّخ لعهد الوساخة في أوروپا، حينما كان الناس يطلقون حاجاتهم ويتبرّزون على الطرقات. ربما لهذه الأسباب اجتهدت وبرعت فرنسا على وجه الخصوص بصناعة العطور ومستحضرات التجميل، لكي يبعدوا شبح المياه عن مخيلتهم، ويغطوا روائح النتنة بالعطور، فلا يتجشموا عناء الاغتسال مرة واحدة في الشهر أو الأسبوع، أقلّه للقضاء على القمل.

وكان الناس يرمون أكياس النفايات والقمامة من نوافذ منازلهم، والجزارون يذبحون خنازيرهم ومواشيهم في الطرقات، لتختلط الدماء بالأوساخ المنتشرة في كل مكان. ثم يلجأون إلى الخنازير يتركونها تقتحم الشوارع وتنظفها، فتلتهم الفضلات المنتشرة، ثم تترك الخنازير بدورها فضلاتها في الشوارع وعلى الطرقات. وبعد كل ذلك، فالفرنسيون لا زالوا حتى يومنا هذا يأكلون نقانق "البودان"(1).

ذلك بعض ما كان يجري في أوروپا عبر فترة من التاريخ، حينما سبقتها بوقت طويل الحمامات والصابون والعطور، في الأندلس وفي بغداد ومعظم بلاد الشام، حيث كان العرب ومنهم هارون الرشيد ويزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وغيرهما من الخلفاء والأمراء والحكام والميسورين يغتسلون بالطيب، والصابون المعطّر في حمّامات من المرمر، ويتوضؤون في النهار الواحد ثلاث مرات على الأقل.

ولولا النساء والعطور والبخور وعود الند، والعيون الملونة الجميلة والترف ورخاء البلاد، وليالي الوصل وجادك الغيث، ولسان الدين بن الخطيب، وفيض لا يحصى من المغنّين والمغنّيات والشعراء، ولولا أمراء الطوائف، والأنانية والخيانة وحبّ الذات، لما ضاعت تلك البلاد وضاعت معها تضحيات طارق بن زياد واحترقت سفنه، فسقطت الأندلس بيد الفرنجة أصحاب الأرض والحق، وطرد منها أو قتل فيها العرب؛ وآخرهم بنو الأحمر، لتعود شوارع المدن الأندلسية مرتعا للقمامة والنفايات.

خطر في بالي ونحن في الجوار، أن أجرب الجلوس على الكرسي من عهد الملك لويس الرابع عشر، الذي أشارت إليه رفيقتي. وحينما أبديت لها عن رغبتي هذه، استنكرتْ عليّ الأمر ونصحتني بألاّ أفعل.

لكنني كنت عازما على "المغامرة". وعندما أدركتْ أنني جاد وأعني جيدا ما أقول. قالت لي: حسنا؛ عندما أبتعد عنك ما يكفي لكي لا نكون معا، عندها يمكنك أن تفعل ما تشاء، ثم تركتني غير غاضبة تماما وانصرفتْ.

ابتعدتْ عني السيدة غازويل؛ وأخذت راحتي في الجلوس على الكرسي واضعا رجلا فوق رجل، وقدم الرجل الحرة تتأرجح طليقة في الهواء. هذا ما فعلته بلا زيادة أو نقصان. لم يمض إلاّ وقت قصير ليس أكثر من بضع ثوان لا تزيد، حتى أقبل حارس مع هراوته بخطى واسعة تشبه الهرولة، لينبّهني بفظاظة وغضب وصوت مسعور أن الكرسي أو "الكنبة" ليست لاستراحة الزوار، وأنها معروضة للفرجة وحسب.

استغباني الرجل واستصغر سنّي وتهاون معي عندما نهضت عن الكرسي، وأبديت له أسفي وجهلي وأنا أبتسم له ببلادة وأدعوه إلى الجلوس مكاني. تغيّرتْ سحنته وكاد يبتسم هو الآخر؛ لكنه سألني من أي بلد أتيت؟ وفتح الله على قلبي فألهمني الرد السريع، وقد استفاقت نقمة الدهر في قلبي على ثأر قديم جديد؛ ممن اغتصب أرضنا وشوّه صورتنا وشهّر بنا في العالم، وأحلّ دماءنا في فلسطين وسائر الأرض العربية.

فلسطين قبلة أنظار الأحرار العرب من المسلمين والمسيحيين، فلجأت إلى سلاح الصهاينة وأساليب خداعهم، وقلت له بدهاء الحفاظ على تلك الشعرة السياسيّة، التي لم يشأ أن يقطعها مع الناس أول الخلفاء الأمويين: إنني يهوديّ قادم من إسرائيل. وهكذا لم يتردد الحارس في أن يعود إلى تجهّمه وغضبه ويقذف في وجهي شتّى أنواع الشتائم والتقريع.

ما يخفى عن الكثيرين أن معظم الفرنسيين لا يحبون "شعب الله المختار". هكذا تركت المقعد الملوكي من عهد لويس الرابع عشر يهوديا مطرودا وإسرائيليا مغضوبا عليه، ورحت أفتش عن رفيقتي فرأيتها بمعطفها الكشمير الأسود من بعيد. كانت تنتظرني للعودة معا في باحة القصر الخارجيّة إزاء المدخل الرئيس.

أخبرتها ونحن في الطريق عمّا حصل معي وما كان من أمري مع الحارس، دون أن أدخل كثيرا في التفاصيل، فعاتبتني على فعلتي بلطف لم أكن أتوقعه؛ وبدا لي أنها أحبتْ جرأتي وطيشي، وفارق العمر بيننا لا يتجاوز عقدين من الزمن أو أدنى من ذلك بقليل.

ولم تجد السيدة غضاضة ولا حرجا في أن تمازحني وتسألني، إن كنت قد شعرت بمتعة الجلوس على الكرسي، أو شممت مخلفات النتانة المتروكة من عهد الملك لويس الرابع عشر، يوم كان الفرنسيون يقيمون احتفالا سنويا لمناسبة اغتسال "الملك الشمس" وهبة الله على الأرض، فتتقدم الموكب الفرق الموسيقية والخيّالة الفرسان. ثم يستنفدون الوقت وهم يسكرون ويعربدون ويرقصون في باحات القصر وممراته، حتى ساعات متقدمة من الليل ليزفّوا "الملك لويس" إلى عشيقاته، كما تزفّ العروسة للعريس.

= = = = =

(1) بودان (boudin): نقانق محشوة بفصيد دماء الخنزير.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3203787

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC