إبراهيم قاسم يوسف - لبنان

سمعة مستباحة

ركن الحكاية في زاوية من زوايا ذاكرته المتعبة العجوز، لكنّها أبتْ إلاّ أن تنشط وتستفيق في نفس الموعد من كلّ عام، لتتمرّد عليه وتنغّص عليه هناءة عيشه، كلما حلّ الشتاء ببرده وثلجه وزمهريره، وعواصف تنوّعت تسمياتها من زينة وهدى إلى وندي وجنى ويوهان والحبل على الجرّار، فتعود ذكرياته وتجلده من جديد.

كان عليه أن يسافر على جناح السّرعة في مناخ انخفضتْ حرارته كثيرا وبلغت عشر درجات مئويّة تحت الصفر وما دون، فالصقيع يتجاوز الثياب السميكة ومعاطف الصّوف، ويخترق اللحم حتى يصل إلى العظام. ينال من الأنف والأذنين ويكاد لشدّته يشلّ حركة الأطراف ويوقف نبض القلب.

في هذا المناخ القارس الرديء، تولّتْ صديقته إيصاله إلى المطار بسيارتها المتينة، ذات الدّفع الرباعيّ والكفاءة العالية في الجبال وعلى المنحدرات، المجهّزة عجلاتها بنظام كوابح (ABS) وسلاسل معدنيّة واقية من الانزلاق على الجليد[1].

تضمّخت بشانيل، أغلى وأزكى أنواع العطور، وهي تجلس وراء المقود بجلال الواثقين بأنفسهم، تلقي شالا صوفيا على منكبيها القائمين بفعل التمرّد في طبيعتها، تنتعل حذاء جلديا طويل الساق وترتدي فستانا خمريا قصيرا يكشف حيزا ملحوظا من ساقيها الناعمتين الدّافئتين.

هكذا أوصلتْه صديقته إبّان "يوهان"، العاصفة العاتية الهوجاء التي ضربتْ أرجاء البلاد، فتحوّلت الرؤية إلى سيئة من شمال لبنان إلى جنوبه فالبقاع، دون أن يسبّب لها الجليد على الطريق، وضيق الوقت وسوء الأحوال الجويّة التّوتّر والتّعصيب، بل كانتْ صاحية تماما؛ وفي منتهى السعادة والرّصانة والهدوء، فصديقها مسافر اليوم إلى باريس، قبلة أنظار المثقّفين والأدباء من كتّاب وشعراء وفنّانين، لكي يقضي في ربوعها أسبوعا كاملا، ويشارك في برنامج لهواة العزف والغناء، ويقدّم على مسرح الأولمبيا وصْلة من الطّرب الأصيل.

باكرا، في الطريق من المنزل في أعالي جبل الباروك، شغّلت التدفئة المركزيّة لصديقها الفنان الموهوب، صاحب الحاشية الرقيقة والشعر المهمل المنفوش، واشترتْ له باقة ورد جميلة، والمذياع ينقل إلى سمْعيهما من إذاعة "صوت المحبة" في بيروت؛ ألحانا فيروزيّة عذبة، تحرّك الدورة الدموية وتستنفر مخزون العواطف في القلوب.

بلغت المطار بسرعة قياسية وكفاءة عالية في القيادة، دون أن تتخطّى لحظة واحدة السرعة المرْقومة على أوّل لوحة في الطريق. ركنت السيارة على عجل في الموقف المخصّص للمسافرين على متن طائرات الشرق الأوسط، الشركة الوطنيّة اللبنانية ذات الضمانة العالية والخبرة الطويلة، وساعدتْه على حمل الحقائب حتى مدخل الأمن العام.

هناك تمنّتْ له رحلة موفّقة فودّعتْه وأوصتْه أن ينتبه لصحّته، فيأكل جيدا، ولا يرهق نفسه كثيرا في عاصمة تغري بالسهر في مرابع الپيڠال والمولان روج، وتضجّ بشتّى وسائل المتعة والترفيه، دون أن تبدي له ما يعتمل في صدرها من الغيرة والقلق والضيق.

حينما تأهبتْ "أمّ الخير" للعودة إلى منزلها في الباروك، عانقت "أبو النور"، صديقها وجارها "الصرصور" دامعة العينين، وهو يجفف دموعها بمنديله المطرّز الجميل، ويحضنها إلى صدره بحرارة المحبّين المدْنفين، ويسألها عن حاجتها من باريس.

قالتْ له: يكفيني أن تسافر ثم تعود إلينا بالسّلامة والتوفيق، وعلى صدرك تتوهّج المدالية الذّهبيّة. أنا واثقة تماما من فوزك وقدرتك على العزف، وموهبتك في الغناء بشتّى لغات الأرض، من يدري؟ فربما خصّصوا لك مقعدا، لتجلس وتشارك في إبداء الرأي إلى جانب لجنة التحكيم. لكنّه أصرّ على "نمّولته" بتأثير من سلطانها وكلامها العذب الرقيق أن تطلب لنفسها حاجة من باريس. قالتْ له: حسنا يا صديقي:

عندما تنتهي من المشاركة في المسابقة، وتؤدّي وصلتك في الغناء، وتنال نصيبك من تحيّة الجمهور والتصفيق الطويل، أتمنّى من باب الأمانة والوفاء قبل زيارة اللوڤر والتويلري[2] وقوس النصر[3] و"إيفل" البرج المشهور، وحتى قبل زيارة ڨرساي[4] "ونوتر دام دي باري"، أرجو أن تقوم بواجب الزيارة إلى مقبرة العظماء في الپانثيون، قريبا جدا من حديقة اللوكسنبورغ [5] مسرح "البؤساء وجان فالجان" الشمعة التي أضاءت العتمة على دروب الكثيرين.

ثم تضع باقات من الورد الأحمر على أضرحة روسو وهوغو وزولا، ولا تنس قيثارتك وتستأذن موزارت لتعزف لهؤلاء الرجال الخالدين لحنا جنائزيا وترنيمة الحبّ والموت الحزين.

انتبه جيدا لعزفك يا صديقي، فهؤلاء ممن يرهفون السمع كثيرا ولا يطيقون نشاز الصوت في الإداء والتلحين، أو "انزلاق النغم" خارج سلّم التأليف. وإياك أن تقلّدهم أو تدحرج الرّاء[6] على مسامعهم. هكذا سيسخرون منك ويهزأون بعروبتك وتاريخك القومي المجيد.

أما "لافونتين" يا صديقي وحبّة قلبي، فلن تجد له أثرا في "مقبرة العظماء"، فمدافن العظماء ليست مستودعا لدفن الموتى والجماجم الخرساء؛ والعظام البشريّة. فلتفتشْ في ناحية أخرى عن مكان هذا الباغي اللعين، وحينما تجد قبر هذا الفظّ الأثيم، فاثأرْ لـ"نمّولتك"؛ ولا تغنّ أو تعزفْ لمن شهّر زورا بقسوة طبعها، واستغلّ كرمها وسمعتها الطّيّبة بين الناس في حكايات الخيال الشعبي؛ وكتب التاريخ الطويل.

ولكي تثأر لصديقتك وتعبّر عن غضبك وسخطك، فلتقلْ له: ها نحن نلتقي من جديد. ولتحطّمْ قيثارتك على قبر هذا الذي أّذلّك واستخّف بألحانك، ولتفضح خواطره المهزوزة أمام شاشات التلفزة وعدسات المصوّرين. وقلْ له بلساني على مسامع الجميع: تبا له من شاعر مغفل ومنكود استباح سمعتي ولوّث تاريخي فحمّلني وحمّلك هذا الإرث الثقيل.

= = = = =

(1) Anti-lock braking system

(2) اللوڤر: متحف في باريس. التويلري: حديقة المتحف.

(3) قوس النصر: أحد المعالم في باريس.

(4) ڤرساي: قصر تاريخي في ضواحي باريس؛ من عهد لويس الرابع عشر.

(5) حديقة اللوكسنبورغ: حديقة في الحي اللاتيني من باريس حيث جرى تصوير الكثير من مشاهد فيلم البؤساء (عن رواية "البؤساء" لفيكتور هوغو).

(6) أي تحويل الراء إلى غين بلهجة الباريسيين.


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3383276

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC