إبراهيم قاسم يوسف - لبنان

خربشة على الخريطة

لحفظ عروشهم وطمأنينة قلوبهم

قد سلحوا الدرزي لمقاتلة العربي

وحمّسوا الشيعي لمصارعة السني

ونشطوا الكردي لذبح البدوي

وشجعوا الأحمدي لمنازعة المسيحي

فحتى متى يصرع الأخ أخاه على صدر الأم؟

وإلى متى يتوعد الجار جاره بجانب قبر الحبيبة؟

وإلام يتباعد الصليب عن الهلال أمام عين الله؟

جبران خليل جبران

"يا ثلجُ قد هيَّجْتَ أشجاني، ذكَّرْتَني أهلي بلبنانِ". قتَلَه الحنين إلى الوطن "المعافى" حديثاً، والربيعُ الأخضر المقبل إلى بعض الديار، من عيون زوجته الأجنبية، وصبابة إيليا أبو ماضي يخاطب وطنه قائلاً له:

وطنَ النّجومِ أنا هنا = = حدّقْ، أتذكرُ من أنا؟

أنا من مياهِك قطرةٌ = = فاضتْ جداولَ من سنا

أنا من طيورك بلبلٌ = = غنّى بمجدِك فاغتنى

وصنين مارد الفضاء؛ والعاصي، والميجانا والعتابا، وهياكل بعلبك ومشمشها وقمح البقاع، وجبران ونعيمة والمطران ورشيد أيوب وشفيق المعلوف وجوزيف حرب ونقولا فياض، وصوت وديع الصافي وفيروز يدعوه إلى العودة قائلاً له:

"وهالأرض لمين منتركها؟ منتركها للدِّيب؟ منتركها للرِّيح؟ للشِّح اللي ما بيتركها؟"

تضافرت هذه المشاعر وعوامل الحنين، فآثر أهله وبلاده، على البلاد التي رعته إبان الحرب الأهلية وعلَّمته بلا مقابل، فحزم أمتعته وعاد بعد دموع غزيرة أمطرها قلبه وعيناه. وعلى أرض المطار قبَّل تراب بلاده، وصلى ركعتين حمداً للهِ على عودته إلى نعمة الأرضِ والأوطان.

بعدما أنس إلى أهله ودياره من جديد، وبعد فيض من الناس وزيارات للتهنئة بسلامة العودة توالت أياماً طويلة، باشر نشاطه من جديد هادئاً مطمئناً إلى مستقبله بعد سنوات شاقة وغربة موجعة، فترشّحَ للانتساب إلى الجامعة الوطنية لتدريس "كيميا الأحياء"، واثقا من كفاءته مستوفياً الشروط المطلوبة، أهمها شهادة نالها من أعرق وأرقى الجامعات الأجنبية، وتنويه بجهوده وأبحاثه، وخبرته الطويلة خلال سنوات اغترابه، ودرجة دكتورا حازها بكفاءة عالية، ولغات أجنبية ثلاث أتقنها أكثر من أهل البلاد.

في البداية لم يستوعب لماذا ينبغي عليه أن يتوسل شفيعاً له، يدق معه باب رئيس الجامعة والتعليم العالي، أو نافذا من أركان السلطة، ليحظى بالوظيفة ما دام يستوفي الشروط المطلوبة وأكثر، وما دامت إدارة الجامعة التي تخرج منها ثم عمل فيها لبضع سنوات، تمنت عليه أن يعيد النظر في قرار استقالته وإعفائه من الوظيفة، آملة أن يتراجع عن الاستقالة ويستأنف عمله معها؛ وقد عرضت عليه شروطاً جديدة وتعاقداً أفضل. لكنه كان قد اتخذ قراره وهكذا كان يجب عليه أن يفعل، فالعودة مسؤولية وطنيَّة وأخلاقية؛ لا يصحُّ له أن يتخلى عنها أو يفرِّطَ فيها، لتأتي منسجمة مع الربيع المقبل إلى بعض الديار.

لكن هذا الوطن الجميل، هذا الوطن المعذب الجريح، العزيز على قلوب بنيه، آثر دائماً الحاضنة التي تتيح له الانتعاش فحسب، وحاجة رئتيه من الهواء ليتنفس، وجسمه من الطعام المُقنَّن والماء "المُقَوْرَر"، بتدبير من ملوكِ طوائفه المرتهنين للخارج، وساسته المرتكبين، فأعملوا في عنقه سكيناً "صائمة" تعذب وهي تذبح. تقاسموه حصصاً طائفيَّة، فأشعلوا فيه حرباً أهلية وجيروا نتائجها لمصالحهم، ثم استولدوا أنفسهم في انتخابات باطلة. استمرأوا الفساد وتحكموا في مفاصلِ الاقتصاد، ورقاب العباد. وبدلا من أن يكون تعدد الطوائف، والعيش المشترك نعمة على البلاد، فقد تحول إلى سلسلة طويلة من اللعنات.

أتلفتْ مصالحُهم قمحَ سهوله. هدموا جباله وحَوَّلوا صخورها إلى أموال ونقود مصرفية في حساباتهم، ثم استنفدوا مياهه في غسل قتلى الحرب الأهلية الطاحنة وهم أول أسبابها ومدبِّروها. هؤلاء أنفسهم عادوا ليحكموا بلادنا من جديد. هذا الوطن لم يعد ملاذ الأحرار وموئل المتعبين. ولم يكن يوماً وطناً لجميع أبنائه بلا تمييز. ولا كان "أرزه رمزه للخلود" (1). لم يع ساسته أولاً وأبناؤه أولاً وأخيرا، فعادوا يتلاعبون بمصيره، ويراهنون مرة أخرى على الخارج، والمنافع الفردية الضيقة والغباء المُدَمِّر.

حرَّضَ الرجلُ على المظاهرات وتغيير قانون الانتخابات، وإلغاء الطائفية السياسية عملاً "باتفاق الطائف". لكن تغيير القانون كان يستدعي أولا تغيير الشارع وذهنية الناس، لكي يعوا ويميزوا بين الفوضى والمطالب المحقة، لا سيما وأن هناك دائما من يصطاد في الماء العكر، كالكثير من وسائل الأعلام ربيبة هذا النظام المستبد الفاجر.

شارك في اعتصامات ساحتي الشهداء ورياض الصلح، وفي كل مرَّة كان الشارع يتحرك للمطالبة بالإصلاح، كان ركن من أركان السلطة يدعو إلى "حوار وطني"، للالتفاف على مطالب الناس وإجهاضها في مهدها.

اصطدم الرجل بدهرٍ من الظلم والقهر والتآمر والخيبات ودخل السجن مرات. استنفد قدرته وماله على مدى سنوات في محاولات جادة للإصلاح. لم يعد الوطن في رأيه سوى بقعة سوداء وخربشة على الخريطة لا معنى لها.

غادر بلاده من جديد. غادر هذه "الدولة الافتراضية" كما قال، في وقتٍ كانتِ الندوة النيابية التي جددت لنفسها مرتين خلافا لدستور البلاد، منعقدة لمناقشة الإنجازات التي حققتها خلال توليها السلطة لأربع سنوات مضت، ومنها قانون جائر ومشبوه يقضي برفع استيفاء مخالفات السير إلى عشرة أضعاف، ليستفيد من مردودها المالي القضاة، ورجال الأمن المكلفين تطبيق القانون، دون الالتفات إلى قانون ينصف الموظفين في سلسلة رتبهم ورواتبهم، أو أقله قانون يصلح الحفر على الطرقات، ويرفع النفايات من الأحياء. النفايات التي اختلفوا على المحاصصة فيها وتقاسمها. ناهيك عن أبسط حقوق المواطنين التي فشلوا في إدارتها، كضمان الشيخوخة والطبابة المجانية، والتعليم وتأمين فرص العمل للحد من هجرة الشباب، والعناوين الحياتية الأبسط كالتيار الكهربائي والمياه. كل ذلك لم يحدث بعد عقدين من الزمن وما يزيد على انتهاء الحرب الأهلية في البلاد.

لم يركبِ الموجة فترك أرضه "للدِّيب والرِّيح، والشّح اللي ما بيتركها". تبخَّرَ من رأسه الحلم، واختفى من ذاكرته وطن الرحابنة وصباح ونصري شمس الدِّين، ومارون عبود ويونس الإبن؛ وحجل صنين ونبع الصفا، وطوى الصفحة الأخيرة من "الأرواح المتمردة وخليل الكافر"واعتبر الفساد قدراً مستحكِماً لا قدرة له على دفعه. "لم يعد يربطه بوطنه إلاَّ الحذاء"(2).

رحل خائباً مهزوماً ذليلاً كراهبة في الموصل، كانت مهددة بالموت أو الاغتصاب. لكنه أقسم أمام الجميع أن رفاته لن تعرفَ يوماً أرض الأنبياء.

= = = =

(1) مقطع من النشيد الوطني اللبناني.

(2) التعبير للشاعر السوري محمد الماغوط.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3181547

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC