أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 4: 37_47 » العدد 45: 2010/03 » صورة المرأة الفلسطينية والعراقية

زينب عودة (فلسطين) وهدى الدهان (العراق)

صورة المرأة الفلسطينية والعراقية

في الإعلام العربي المرئي


نشأت بين الزميلتين الكاتبتين زينب عودة وهدى الدهان صداقة عبر الإنترنت، بعد أن كتبتا في عود الند، وعلقتا على نصوص إحداهما الأخرى. وفي ذلك قدوة لغيرهما، فالتواصل بين الكتاب والكاتبات ليس مفيدا إنسانيا وحسب، بل يمكن أن يلعب دورا مهما في تطوير ما يكتب قبل نشره، من خلال تبادل الآراء والنقد البناء. النص المنشور أدناه مزيج من الحوار والمقال المشترك، ويتناول صور المرأة في فلسطين والعراق كما تعرض في الإعلام العربي، خاصة القنوات التلفزيونية الفضائية.

.

زينب عودةزينب عودة: اعتاد الإعلام العربي ومنذ تاريخ القضية الفلسطينية وحدوث نكبة عام 1948 على إظهار صورة المرأة الفلسطينية عبر وسائل الإعلام المختلفة بنمط وقالب موحد تقليدي يظهرها بالمضحية، تجسد الصمود الأسطوري، وتحمل المعاناة الشديدة جراء فقدان الأبناء والإخوة والأخوات أو الزوج أو الأب، أو جراء تدمير بيتها دمار وتجريف أرضها على يد قوات الاحتلال الصهيوني. هي دوما إنسانة مقهورة ومحتلة. وتنعكس هذه الصورة على أجندات المعالجة السياسية في كافة القطاعات بمعنى أن المرأة دوما الضحية البائسة وأم الشهيد، وزوجة الأسير، وتجمع في مكنوناتها كافة مفردات اضطهاد الاحتلال الوحشي.

هدى الدهان: ولا تختلف صورة المرأة العراقية (المفروضة إعلاميا) عن المرأة الفلسطينية كثيرا سوى أنها حديثة العهد بالمعاناة، فالمعاناة بدأت بحرب الثمانينات ثم حصار التسعينات ثم حرب الألفين وثلاثة ثم دخول الأجنبي وانتهاء بالسكر المعقود، وهي الحرب الطائفية حاليا بما تتنوع به من قتل على الهوية واغتصاب واختطاف. المشهد واحد: المرأة العراقية إما لاطمة للخدود، ممزقة للثياب أمام إحدى المستشفيات بعد نقل الأموات والجرحى من يوم دام جراء سيارة أو عجلة مفخخة، أو تقف كأختها الفلسطينية في طابور طويل إما لملء الماء أو في أوقات البرد للحصول على النفط للتدفئة، وفي أوقات الحر للحصول على البنزين لتشغيل المولدات الكهربائية (هذا طبعا إذا كانت مرفهة نوعا ما، وتملك مالا لتصرفه على هذه الكماليات). وأنا لا اخجل أو انتقص من وقفتها الطابورية أو من صراخها الباكي على ولدها الشهيد أو المعوق في ريعان شبابه ولكني اسأل لماذا هذه المرأة بالذات؟

ز ع: بقي الإعلام العربي يكرس للمرأة الفلسطينية شكلا ونمطا يركز على تقديم صورة المضحي الذي يعيش ويموت من اجل القضية. هذا جانب مهم في نضال الشعب الفلسطيني عبر تاريخ قضيته العادلة وحقوقه المشروعة. ومع ذلك، المرأة الفلسطينية، رغم الصعاب التي واجهتا منذ زمن طويل، تمكنت من اعتلاء مكانة محترمة مرموقة، فهي تسعى إلى البقاء على تراب أرضها من جهة، ومن جهة أخرى إلى البناء وأداء دور فاعل في المجتمع والتنمية البشرية، ويتجسد ذلك في حرصها على العلم والتعليم والعمل لبناء وتطوير المجتمع الفلسطيني.

هـ د: الواقع الأمني فرض خوفا ورعبا على المرأة العراقية بكل قطاعاتها. وحين يموت أحدهم بتنا نسأل: "موتة الله؟" أي هل مات لأنه مريض أو حانت ساعته أم بسبب غدر انفجار وعجلة مفخخة، وكأن الإنسان لا يقتنع انه في كل الأحوال الموت بإرادة الله. وبهذه الظروف، التي لا اسميها حفراً في الصخر، وإنما هي صخرة تجثم على القلوب والنفوس ولا تترك مجالا لعراقية لتستنشق الهواء فتقاتل الصخر وتحفر فيه. وإذا كرس الإعلام العربي شكلا وقالباً للمرأة الفلسطينية من اجل قضية تعيش وتموت من أجلها كما ماتت أمها وجدتها منذ 1948 فما قضية المرأة العراقية؟ الإعلام العربي صاغ صورة المرأتين بصورة الضحية وفي حال (لا سمح الله) أراد إبراز امرأة عراقية إعلاميا، تراها تطل علينا من بلد آخر بالكاد تنطق بعض الكلمات العراقية المتناثرة ممزوجة بلهجة البلد الآخر، ليبين لنا أنها لو عاشت في العراق لما كانت كما هي الآن ولما وصلت لما عليه الآن.

ز ع: ورغم التطور التكنولوجي والمعلوماتي وعصر الفضائيات والإنترنت، وتنوع البرامج عبر القنوات العربية خاصة، يتواصل التركيز أكثر وأكثر على تناول هذا الجانب إضافة إلى جانب آخر وصورة أخرى للمرأة الفلسطينية فإلى جانب المضحية ظهرت أيضا في ثوب البائسة والمحتاجة، الفقيرة المتسولة والتي تقف في طوابير الانتظار الطويلة لاستلام الإعانة من وكالة الغوث أو مؤسسات خيرية، وهو أمر كريه لم تعهده أو تتوقعه في أحلك الظروف من قبل، وتراها تحديدا ترتدي العباءة السوداء تنتظر في وهج الشمس الحارقة تتوسل من يعطيها كوبون معونة.

هـ د: الإعلام العربي على الأقل احترم المرأة الفلسطينية في جانب. وكونها المضحية والبائسة أمر يحسب لها لا عليها. وعليهم الذنب. أحد البرامج الإعلامية الرصينة أراد أن يخصص حلقة بكاملها عن الدعارة في العراق بالذات. لماذا؟ بدأت الدعايات في المحطة تلك وكأن العالم العربي كله خلا من ظاهرة الدعارة/ أو ممارسة الجنس بين أبناء وبنات الجنس الواحد ولم يبق إلا نتناول المرأة العراقية وكيف ترقص وتبيع نفسها في الدول العربية الأخرى. أين وصل بنا الشح الفكري والقحط الإبداعي حتى نتدنى لنروج لبرنامج بهذه الفكرة؟ لولا تدخل رئيس الوزراء العراقي في حينها لتم عرضه حتى نضيف ألما آخر وجرحا آخر للمرأة العراقية.

ز ع: لا نريد هنا أن نقلل من دور المرأة الفلسطينية العظيم. ولا شك في أن الاحتلال ضاعف معاناتها، فهناك من هي قابعة في سجون الاحتلال، وهنالك المحرومة من احتضان أطفالها. وهناك من يسجن طفلها معها. وهناك من تلد وهي مقيدة. وهناك نساء هن زوجات وأمهات الشهداء يتحملن أعباء مضاعفة في المهام والمسؤوليات تجاه أسرهن. وهناك اللواتي بسبب الحصار والجوع المفروض على شعبنا اضطررن للعمل وبأجور متدنية جداً من أجل إعالة أسرهن دفعاً للجوع والفقر والعوز.

هـ د: وحتى بعد هذا، كيف الإعلام يعامل العرب المرأة العراقية؟ يكفي أنها عراقية حتى تمنع من دخول أي دولة عربية إلا بإقامة محددة وبرسوم معينة. التهمة جواز السفر العراقي. وإذا كانت المرأة عراقية، لا يفترض أنها مهاجرة هاربة من وضع أمني سيء، أو تسعى إلى فرصة عمل، بلا الافتراض فورا ودوما أنها إما بغي أو ذات حاجة للمال، وتركض مشققة القدمين وراء من يعطيها لقمة الطعام. وتعامل على هذا الأساس. في هذه الحالة، كم سيكون أجرها؟ إذا وجدت عملا؟ وما هو المقابل الآخر بلا اجر؟

ز ع: شأن المرأة الفلسطينية شأن المرأة العربية بشكل عام حيث نرى أساس الأزمة يكمن بواقع الساحة السياسية والاقتصادية على وجه التحديد إضافة إلى بكل مظاهر الإهمال والجهل والاستبداد والقهر، إلى جانب الفقر وسوء توزيع الموارد والثروات وغياب المساواة والعدالة الاجتماعية. وفق أحدث إحصائية لجهاز الإحصاء الفلسطيني فقد بلغ أن عدد السكان في الأراضي في الضفة الغربية وقطاع غـزة بلـغ ثلاثــة ملايـين وثمانمئة ألف نسمــة، نسبة الإناث بينهم بلغت 49.2%.

هـ د: لا أحب التعميم وأحب الانفراد بخصوصية المرأة الفلسطينية أولا ثم المرأة العراقية والسودانية، وللتاريخ يجب ذكر اللبنانية في أيام الحرب الأهلية. مهما عانت المرأة في أي بلد من ظلم وقهر واستبداد لا يعادل في رأيي ما عانته نساء هذه البلدان وعلى مدى سنوات. ربما تآكل شبابها، وبلغت خريف العمر لتجد أن ابنتها تكمل نفس المعاناة وتغوص في وحل نفس الطريق المسدود بحجارة صماء وقد كسروا لها أظافرها إذا لم يكونوا قطعوا لها أصابعها أصلا، حتى لا تحفر ولا تكتب.

ز ع: حسب إحصائيات أصدرها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في مجال التعليم، تتفوق أعداد الطالبات على الطلاب المسجلين في مؤسسات التعليم العالي حيث تزيد نسبة الطالبات 54.5% عن الطلاب 45.5% في الجامعات التقليدية والتعليم المفتوح والكليات الجامعية، وفى مجال سوق العمل فإن ثلث العاملين في قطاع الحكومة خلال عام 2008 هم من النساء بنسبة 29.3% كما تزايد أعداد النساء المنتميات إلى النقابات العملية حيث بلغت 8.3% في عام 2006، كما ظهر تحسن ملحوظ في تمثيل النساء في الادعاء العام حيث كان صفرا في عام 2000 إلى 12.1% في عام 2006.

وأحد الشواهد على ما حققته المرأة الفلسطينية الإعلاميات الفلسطينيات العاملات مع الفضائيات العربية. وتشكل الفلسطينيات العاملات في الحقل الإعلامي نسبة 20% من مجموع الإعلاميين الفلسطينيين.

هـ د: لا امتلك مثل هذه المعلومات الإحصائية عن المرأة في العراق. وبالنسبة للإعلاميات الفلسطينيات في القنوات العربية، فأنا من مشاهداتهن. أضحكتني زميلة لي كانت تجري بحثا في المايكرو بيولوجي (علم الأحياء الدقيقة)، فقد راسلت شخصا أميركيا كان قد أجرى بحثا على نفس الجرثومة التي تجري بحثاً عليها. الرجل في الحقيقة أفادها بالكثير من المصادر ورسالة الماجستير خاصته، ولكنها حين هاتفته لأول مرة وأخبرته أنها من العراق صرخ قائلا: "حقا ()". ثم غير موضوع الحديث وسألها إن كان هناك حقاً جامعات في العراق تدرس هذا النوع من العلوم، وأن هناك من يجري بحوثا، وهناك مختبرات، ومواد والكثير من أسئلة من هذه القبيل. ربما كان محقا في تعجبه، فاهتمام وسائل الإعلام منصب عل أمور مختلفة، ليس ضمنها أن المرأة العراقية يمكن أن تكون باحثة، ومتخصصة أيضا بعلم الأحياء الدقيقة.

ز ع: الإعلام العربي مقصر في طرح قضايا المرأة بشكل عام وبالأخص الفلسطينية والتي يحصرها في زاوية المعاناة. قلما الإعلام العربي يقدم صورة عن المرأة الفلسطينية المنتجة أو المثقفة أو الكاتبة أو القيادية، بل عكس الصورة النمطية التقليدية للمرأة التي تتمثل في أعباء الحياة اليومية. وقلما يسلط الضوء على الأدوار الأخرى التي تقوم بها المرأة المبدعة والسياسية والمعلمة والمحامية والطبيبة والممرضة والمخترعة.

هـ د: دأب معظم القنوات طوال هذه السنوات على الاستهزاء بعقلية المشاهد. مراسلو هذه القنوات يتجنبون المجيء إلى العراق للحوار مع أي طبيبة في مستشفى في قلب بغداد أو أي معلمة في إحدى المحافظات العراقية أو محامية مختصة بقانون الأحوال الشخصية العراقي الذي أنصف المرأة بشهادة الجميع. ولو حاور مراسل فلاحة أو متسولة فسوف يدهش: إما من قوتها، أو على الأقل من كونها ليست مكسورة أو مهزومة كما يصورونها. وإن كُسِرت أو انهزمت فمن الم الخوف والفراق لا من كونها لا تمتلك آخر فساتين الموضة لهذا العام.

D 1 آذار (مارس) 2010     A زينب عودة, هدى الدهان     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  رحيل المسرحي البريطاني هارولد بنتر

2.  الحياة أغنية

3.  الطابع البريدي: سفير الثقافة والفنّ

4.  عود الند في الصحافة

5.  افتتاح الأرشيف الرقمي طيف الحمى


القائمة البريدية