زينب عودة - فلسطين

لمن أحطم قيدي؟


زينب عودةكانت تقف ثم تجلس، وتسير بخطوات مثقلة تارة أخرى. لا تدري ما هي فاعلة، وتصمت وتهذي بكلمات ليست كالكلمات، بل رموز وآهات تنبع من ثناياها صرخات بصوت مبحوح. ثم أخذت تبحث في أدراجها فوجدت صورا لحفل زواجها. مدت يدها وأخذت تقلبها واحدة تلو الأخرى، كأنها تسترجع شريط ذكريات، وترى عمرها بكل صورة، وانفعلت كثيرا وشعرت بمرارة تعتصرها، ومدت يدها لتحرق بعضا من تلك الصور. أدركت حينها فقط أن حبها يحترق أكثر من اللهب الذي يستعر بداخلها.

صور أخرت مزقتها، ثم أحست بالإعياء واتكأت على وسادة بجانبها وانفجرت تبكي بكاءً شديدا، وبدت منهارة بفعل صدمة ما، وأخذت تحدث نفسها غير مصدقة:

زوجي يخونني. كيف استباح لنفسه شكلا آخر من الإحساس؟ يخونني.

ظلت تكررها وتضرب بقبضة يدها على مكتبها الخشبي.

آه وآه. كيف أشكوك؟ وبأي لغة؟ ولمن؟ ثم تنفست الصعداء، وأطفأت لهب الحزن والذكريات. بدأت تدرك رويدا رويدا أن مصيبة عظمى حلت بها. صممت طويلا وجلست تردد بخاطرها: يخونني. ما أفظعها من كلمة، خيانة! فعلا لا يعرف الم الخيانة إلا من أحس أن أحدا بقربه يخونه ويستبيح جرح مشاعره.

أخذت تحدث نفسها عم مشوار عمر قضته معه:

سرنا سوياً محطات عديدة، توقفت لوحدي أحيانا، وفي طريقي تألمت، عانيت، ضاقت بصدري مساحات ومساحات، عذبني الحنين أحيانا رغم قناعتي أني لا أحب الاتصال بالأشياء التي أعرف أنها لن تتبقى. لكنى صبرت. أدرك أن هنالك تشاؤما وهنالك واقعية، وهنالك تفاؤلا وأملا وإيمانا. ولكن في زاوية ما، هنالك خيانة، وهنالك حياة وموت.

لسنا حمقى: الأفعال التي نرتكبها في الحياة كانت وما زالت تحدد مصائرنا. ومن يرتكب الشر لا يمكن أن يأمل خلودا سعيدا. والمحافظة على البقاء درس غير نمطي من دروس الحياة.

وبنبرة الحزن قالت:

قدري. إنها أعوام، أحببته، تعاهدنا على الزواج، أغرقني بدفء الحب والحنان، نبرات صوته توقظ بي كل الإحساس، سعدنا ورقصنا طرباً على ألحان عزفها الزمان، بداية لا تعرف طريق نهايتها.

ثم تهذي وتقول:

يخونني الآن رغم أني أشعر، بل أدرك، أن زوجي لن يجازف ويتزوجها. إلا أنني لا أستوعب أمرا كهذا.

كانت تواسي نفسها واثقة، وكأنها تضع نظارة على عينيها تحجب سواد الخيانة كلما جن الغروب.

تتأرجح في مخيلتها ذكريات وذكريات، وتتمايل نسمات بسيل من الورود والآهات، وتحمل عبق الأشواق، والحب واللمسات الدافئة. وتحدث نفسها وتتذكر:

كانت كلماته تسكرني، تبني لي قصورا. نعم كان متقلباً، تارة طفلا بحاجة لمن يدلله طوال الوقت، وتارة رجلاً مستبدا كلمته نافذة، وتارة أخرى مراهقا مبطنا يزهو بنفسه بين معجبات هنا وهناك. هؤلاء الرجال صغار من السهل امتصاص عقولهم، وما بين أن تكون ملاكا وشيطانا هناك خيوط رفيعة في لوحة تظهر عليها مساحات متباعدة بألوان عدة. كان مطلوبا مني أن أتفرغ للبيت، أو أبقى كقطعة أثاث يراني كل لحظة، لا امرأة لها كيان وذات، تطرق أبواب النجاح، وتتألق عندما يراها الرجال.

أدرك أني قد صعبت الأمور عليه في أوقات انشغالي، ولكن يبقى جزءا من الكل. نجاح المرأة لا أدري لم يؤرق الرجل في محيطنا هذا. إن تذكر الماضي يشبه الصعود إلى الهاوية، كلما نظرت إليها أحس أنه لا يوجد نور في آخر النفق، فلمن كان صباي؟ ولمن كان عشقي وأشعاري؟ ولمن...؟ ولمن...؟

يقال إنه إذا أردت استعادة كرامتك عليك بخطوة الإصلاح. ويتطلب منك هذا أكثر من الاعتذار، والاهم هو إظهار الصدق دوما. ثم بحدة قالت:

نعم ولكن لا يكفي ولا يشفع له أن يتسلى وأن يشبع رغبة الفراغ بداخله وبعظمة جاذبيته، وشماعة الكبرياء حاضرة دوماً أمامه.

ثم استجمعت قواها وتساءلت:

أي سذاجة بات فيها الرجل؟ وأي سهولة في امرأة تملأ فراغا قد يكون لحظات أو حتى شهورا ما، وربما حياة على حساب الآخر؟

رحلة غريبة هذا العمر، وهمسات حزينة. لقد منحته فرصاً، لكنه مكابر، غرق في بحر أوهام الرجولة كونها سدا منيعا من العند والجبروت. ولكن هيهات، هيهات. إن السقوط في نزوة ما هي إلا لحظة ثم يبقى وقعها بخيانة مستباحة وغيرها من مصطلحات وظلمات. وللأسف تنوعت أسبابها والمصير واحد، والزوجة تبقى الحلقة الأضعف في مجتمعنا الذكوري.

لقد تخليت عن كل شيء لأجله، أحببته نعم. صباي أتذكره بين يديه، وما زلت أحبه ولا أقدر على كرهه. ولكنه حب من نوع غريب حزين، حب محطم. آه، وآه. لا أنكر أن الأمر صعب علي أن أتجرعه. تشتعل بقلبي نار كلما يضمني إلى صدره وهو بالأمس كان يضمها هي، فجسده لم يعد لي طاهرا.

علمني حبك أن أكتم مشاعر الندم، وأدون كلمة آسف على كل الطرقات، وأنسى قدري، وأبحث عن مستقبل مجهول في جنبات قلبي. علمني حبك حقيقة وداعك كيف اسطرها بحروف الحزن والألم، وأتوه بدائرة الشك، وبمعنى الاغتراب عن الذات، وأن أسير بمساحات الصحراء أغمض عيني، وان أتخيل تساقط أوراق الشجر في وقت العواصف والمطر.

علمني حبك كيف يكون الحب في طي النسيان والحرمان. وأن المشاركة الحقيقية لا تضمن إخفاء الأسرار، وأن الزواج لا يعني أن نكون واحداً بل اثنين.

ليس منا أحد بلا خطأ وبلا خطيئة. جميعنا ضعفاء. نعم أخطأ واعترف، وهذا سمة الإدراك المتأخر. أخذت تهز رأسها وتقول إن الليل زائل، ولكن لمن أحطم قيدي؟ ولمن أنشد لحن الحياة وأتعلم فن السعادة في جو الحزن والألم والحسرة؟

يقال إن أفضل وسيلة لحماية من تحب هي الابتعاد عنه، وأن تفك قيد نفسك أسهل من حبس الآخرين بقلبك.

أيها الزوج كن لها، فأنت عني غريب، وأنت عني بعيد، ليس هروباً منك، ولكن أنت حددت المصير وقطعت بنفسك حبل الوريد، بل وقلت هل من مزيد؟

ولمن أحطم قيدي؟ وطالما أنت لست بجدير بي، فارحل عني إلى الأبد. لا أنكر أني بت أكره محطات العمر، فهي تشعرني بالحزن، وتذكرني بأن هنالك دوما موعدا لوداع الأحباء، وأن لا مفر من إسدال الستار. وفك قيدي اليوم خير من انتظار حلول الظلام.

خوفي ليس منك، ولن يكون، فلقد كرهت وهم الحب وإشعال الشموع، وسأحطم قيدي، وسأكون ما أكون. هنا يكمن بقائي وحبي وحريتي.

D 1 كانون الثاني (يناير) 2009     A زينب عودة     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  يوم أرض بنكهة خاصة

2.  التجريب في رواية المتشائل

3.  البديعيات: فن بلاغي يحتاج إلى التأمل

4.  مرافىء السفـــــــر

5.  الكتابة لليافعين: ندوة