هدى الدهان - العراق

مارد المصباح

عرفته رجلاً لا يقول لامرأة "لا"، خجلاً أو حباً أو لمعرفته على قدرته على فعل ما تأمره به، ثم لم يعد يقول نعم. أصبح صامتاً ولكن، بقدرته السحرية على معرفة ما تريد حتى قبل أن تطلبه منه، وأحياناً يمتاز بذكاء استباقي لما ستكون عليه ردة فعلها فيباغتها بقبلة وهي أحوج ما تكون إلى دليل لوجوده قربها: قبلة بصمت السمكة أو يفاجئها باحتضان حار حين يحسها ضائعة، وبحاجة لمرفأ يحميها من الآخرين أو من أفكارها هي على الأقل.

في البداية كان يكتب لها أحلى الكلمات "شبيكِ لبيكِ" ومرنّماً "أنا بين يديكِ"، فتخبره أنها تريده كله ملكها لها وحدها، يلبي لها ما تريد، وقد كان كذلك؛ فأسمته ماردها الطيب وناداها مصباحه الجميل الذي لن يتركه أبداً. ولكنها دون تلميح أو تصريح أو تفسير باتت تحبسه في المصباح طويلا.

كانت لا تذكره إلا كلما احتاجت له؛ وعدا عن هذا، فهو موجود هناك ينتظرها. يوما من الأيام النادرة حين تململ المارد الطيب فيه ولامها أنه لا يريد أن يكون موجوداً في حياتها فقط عند الطلب، وأنه يريد أن يكون حاضراً بكل تفاصيل حياتها، رفضت لأنه سيكون حاضراً بطريقته.

أخبرته بذكاء أنه كالكنز المخبأ في صندوق خشبي صغير نطمئن إلى وجوده ذخراً لنا، وبين الحين والآخر نطل عليه، نتحسسه، نتذوق بداعة صنعه، ولكننا نعيده إلى حيث نكون مطمئنين لوجوده في أيام العوز إليه من غدرات الزمان.

والحقيقة أنها كانت تتمنى أن يحتاج إليها فيتمرد يوماً، ويأتي من تلقاء نفسه دون أن تبادر هي وتسأله شيئا بصفته ماردها الطيب فيهب ملبياً.

فكرت بالرحيل فقد ملت دور السائل دوماً. حين رأى حقائبها مُعَدّة، ومنضدتها قد أُفرغت من أوراقها وأقلامها، عرف أنها لن تعود. كعادته احترم قرارها. مطيع ولا يطلب تفسيراً لكل ذاك العناد بالرحيل عن حضرته.

أعدّ لها قهوتها كما تحبها، وأشعل لها بخورها برائحة زهر البرتقال. أخبرها أنها ستكون ليلة من ألف ليلة وليلة لن تنساها، أخبرته أنها حتى لا تريد أن تتذكر.

النمِرة في داخلها رفضت استسلامه وعدم التشبث بها. لا يفهم اغلب الرجال لماذا تتركهم المرأة في حين إنهم يلبون لها كل ما تطلب، وبطريقة شرقية ثائرة يقررون أنها يجب ألا تُطاع كي لا تتمرد.

اقتربت منه. قالت له سأخبرك سراً:

كنت أحب رائحة النبيذ في فمك، وقميصك المتعب، وأنا أفاجئك بزيارتي أكثر من رائحة العطر الفرنسي الذي أشمه حتى قبل دخولي غرفتك، حين اطلب رأيك كنت أتمنى ألا تهديني إياه مغلفاً بورق الهدايا اللامع وبشريط احمر، وبطاقة ورد مكتوب عليها "افعلي ما ترينه مناسباً" و" أنت أدرى بصحة قرارك". ماذا لو أهديتني رأيك كما هو مهما كان بربرياً؟

اسقني الحقيقة من فمك بقبلة طويلة واحدة بدل أن تنمق لي الكلام بدبلوماسية الخبير، وعبارات احتارُ في ترجمتها ما بين عربيتي ولغتك الإنكليزية. ألم تفكر يوماً أن تتعرى من كل الحواجز وتتمدد أمامي كما أنت لأغوص فيك؟ هل تعرف كم أحب السباحة في البحيرات الصغيرة حيث الطحالب تجد طريقها إلى أصابع قدمي وحيث الحصى يتفنن في إحداث أثره على جسدي حين أتمدد عليه؟ هل تعرف كم أكره رائحة مياه أحواض السباحة المعقمة التي تدعوني لنسبح فيها معاً؟ رائحتها كروحك وجسدك، لا أجد فيها أخطائي الإنسانية ولا خطاياي الأنثوية.

غادَرته تلك الليلة. تركت المارد وحيداً. كان درباً طويلاً بدونه ربما لأول مرة. رائحة الهواء الليلي المنعش الذي يناثر شعره اجعلها تفتقد تلك الكف التي طالما أحبتها وهي تزيح عن عينيها خصلاتها كلما جربت نسمة أن تمازحهما معا.

لا يهم. ستمضي في قرارها إلى النهاية.

جلست على دكّة وسط الشارع، أعادت ظهرها للوراء فكادت أن تسقط، دوماً حين كانت تلقي بنفسها للوراء تجد صدره يتلقفها مسنداً إياها إليه ويده تمسك بخصرها لتريحها في جلستها أكثر ولا يهم على أي ضلع في صدره تتكئ.

ظنت أن شراء كرسي وثير سيفي بالغرض. حين أحست بالنعاس تذكرت تلك الكتف التي طالما تساءلت كيف فُصِّلَّت لتطابق امتداد خدها عليها، دوماً كان هناك، تتململ على كتفه، صدغها يداعب رقبته ولا يتحرك، خصلاتها تغازل شاربيه ولا يتذمر.

دوماً كان هناك، شجرة تتكئ عليها، تستظل بظلها من لهيب الآخرين، وتشبع جوعها من ثمرها الريان ولكنها لن تجيبها إذا ما شكت إليها أو تذمرت أو حتى ثرثرت معها في ليلة وحدة.

دوماً كان يناديها مصباحي. المصباح بدون مارده أجوف وفارغ، مجرد تحفة فنية في عشرات المتاجر لا كنزاً ثميناً.

تريده وحشاً برياً، تريد عينين شرستين تبحثان عنها رغم الأسوار لا عيني أستاذ جامعي تنتقل ما بين النظارة والكتاب.

تريد يدين تتحملان خربشاتها الطفولية لا يدا تربت على يديها كأنها مريض في مستشفى يؤملونه بقرب الشفاء.

عادت إلى وحدتها وإلى فنجان قهوتها الواحد تعدّهُ عربياً على الجمر، تُرى بعد أن تركت أثيره هل سيبقى ماردها؟

يوماً ما سألته كيف يتفق رجل راقٍ مثله مع امرأة عنيدة برية مثلها؟ فلم يجب. اعتاد هو وضع الأسئلة، فعاودت السؤال مراوغة "من أين طلعت لك أنا؟"

أجابها مبتسماً: "هو القدر".

حين انتصف الليل، كانت هناك امرأة أحست بالغربة فاختارت أن تحلق إلى سماء ماردها. صنعت لنفسها جناحين من ورق الهدايا بدل ورق التوت الذي كانت ترتديه. كانت تبحث عن رجل أثيري على هيئة مارد لتضمه إليها وتخفيه في روحها وجسدها، ماردها مكانه المصباح.

وكان هناك مارد اختار حباً بها أن ينزل إلى أرضها حيث اختارت أن تعيش بين رائحة تراب بلله المطر. بحث عنها بين الأشجار وطيور الحب.

أشرقت الشمس فلفحتها بلهيبها في الأعالي وأوجعت قطرات الندى على خديها، ولكنها ظلّت تبحث عنه بانتظار أن تختبئ في فيء صدره.

أشرقت الشمس وظل هو يجوب الأرض يسأل ورودها الحمراء التي أهداها إياها يوماَ أين هي الآن ليعود إلى وطنه فيها.


صورة مارد ومصباح وامرأة


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3096091

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC