زينب خليل عودة - فلسطين

سرايا غزة: المعتقل-المتحف

السرايا في غزة: متحف تاريخي وطني

ملاحظة: جميع الصور المستخدمة مع هذا الموضوع من تصوير الكاتبة

زينب خليل عودةيراودني وأنا أتناول هذا الموضوع شعور من يمسك قلماً ظاهره اللون الأسود وباطنه حبر بلون الدم. قد تنطقُ زنازين العزل الانفرادي الخرساء، وغرف السجون والأسرة، وأدوات الجلد والتعذيب بما كان يمارس في السجن أو أثناء التحقيق. هذا السجن المعروف في غزة باسم (السرايا) الواقع في شارع عمر المختار، يروي في جزء كبير منه حكاية أيوب: الشعب الفلسطيني المشرَّد.

تقرر في الآونة الأخيرة تحويل هذه "السرايا" إلى متحف وطني يجسد نضالات وتضحيات وتاريخ الحركة الوطنية في غزة؛ أسيرة التاريخ ، ويستعرض ما كان يجري في داخله من المعاناة والتعذيب.

افتتحت جمعية “واعد” للأسرى والمحررين هذا "المعتقل التراثي"، على أرض السرايا، حيثما كان السجن المركزي في غزة، ليحاكي في الشكل والمضمون أمكان الاعتقال داخل سجون الاحتلال.

افتتاح السجن في وسط مدينة غزة، كان حدثا بارزاً من حيث الزمان والمكان والظروف المحيطة، إذ افتتح في الحادي عشر من نيسان/إبريل 2013، ضمن فعاليات سنوية خاصة بالأسرى، ليتم تسليط الضوء على قضية ترتبط بنحو خمسة آلاف أسيرة وأسير، يقبعون في سجون الاحتلال.

أما المكان ففي غزة المحاصرة، التي تبدو في ظاهرها كأن الاحتلال قد انسحب منها. لكن الحقيقة تؤكد أن العدو ما انفك يكبِّلُها ويحاصر مواردها، ويتحكم في سمائها وفي بحرها وبرها.

"متحف" السرايا نسخة طبق الأصل عن السجن السابق للاحتلال الإسرائيلي.

حينما تصل إلى أبوابه ترى منصة مرتفعة يرفرف عليها علم الاحتلال، وما إن تدخل حتى ترى عدة خيم منصوبة وأمامها مبنى مكتوب عليه ما يشير إلى أنه المعتقل.

تدخل فتجتاحك موجة من الحزن الشديد، وأنتَ ترى في المعتقل صوراً جدارية لزعماء مشهورين في الفصائل الفلسطينية، احتجزوا ذات يوم هنا في هذا السجن، ولافتة من الجلد تحمل أسماء اثني عشر محتجزا، قضوا نحبهم في هذا السجن، أو "المسلخ"، كما كانوا يصفونه (شاهد الصورة رقم 1).

مركز وسجن منذ الثلاثينيات

سجن غزة المركزي، السرايا، كان أشهر سجون الاحتلال الإسرائيلي، وكان في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي يقع في إطار مقر القيادة العسكرية البريطانية، التي كانت تمثل آنذاك الانتداب الإنكليزي على فلسطين ، فحولت جزءاً من المبنى إلى سجن مركزي للثوار الفلسطينيين.

بعد نكبة عام 1948 وضع قطاع غزة تحت وصاية الإدارة المصرية، واستخدم هذا المقر كمجمع للدوائر الحكومية، وخصص جزء منه ليكون سجناً للقاطنين في هذا القطاع.

وبعد هزيمة حزيران/يونيو عام1967 استخدمته دولة الاحتلال الصهيوني كسجن ومركز يتم فيه التحقيق مع الفدائيين والمنتمين لفصائل الثورة الفلسطينية.

أُغلق سجن غزة المركزي مع عودة السلطة الوطنية إلى قطاع غزة عام 1994، حيث تحرر عدد كبير من السجناء على خلفية اتفاق تمَّ آنذاك، وجرى ترحيل عدد آخر إلى السجون الواقعة داخل دولة الاحتلال.

وُدمر كثير من الزنازين وغرف الاستجواب الخرسانية في السرايا على مر السنين، بفعل الهجمات الجوية الإسرائيلية خلال عدوانها المتكرر على قطاع غزة (شاهد الصورة رقم 2).

وصف للسجن/المتحف

كنت بين المدعوين للاطلاع على داخل السجن، حيث تجولت ما بين الخيم المنصوبة في المكان. تنتقل بخطواتك لترى يافطة الإعلان عن "المعتقل"، فتشعر وكأنك في نفق وغرف صغيرة مظلمة، تشير مساحتها في الطول والعرض إلى قسوة السجن وظلم السجان.

تشعر بضيق يطبق على صدرك في أركان وجنبات هذه الغرف المقيتة الموحشة، تنظر إليها لتسترجع في الذاكرة، ذلك التاريخ اللئيم وما كنا نقرأ من أخبار الحبس وتعذيب المقاومين، من شباب وشابات فلسطين على أيدي ضباط الاحتلال (شاهد الصورة رقم 3).

تذكير بتجربة قاسية

قام المشرفون سوم الافتتاح بعرض بانوراما يحاكي ما كانت عليه الأوضاع داخل السجن، ومكان اعتقال قادة حركة حماس كالشيخ أحمد ياسين، والرنتيسي، والمقادمة، وغيرهم من المناضلين الفلسطينيين، وكيف كان يتم ابتكار أساليب الإرهاب والاستجواب والتعذيب.

بكى بعض الزوار ممن عادت بهم الذاكرة إلى الوراء، وعايشوا المكان ومكثوا فيه شهورا أو سنوات طويلة في زنازين معزولة، حيث نزفت دماؤهم في ذلك المسلخ الرهيب.

يقول الفلسطينيون إن 800 ألف فلسطيني تعرضوا للاعتقال بموجب أوامر عسكرية إسرائيلية منذ حرب عام 1967.

المحررة السبعينية إنعام حجازي قالت في كلمة عن المحررات خلال وقفة لهن أمام السرايا:

"كنا نقول عن أنفسنا حينما اعتقلنا في سجن غزة العسكري أننا منسيات، لكننا نقول الآن لا، لأن التاريخ بدأ حينما كنا أول من سطر تجربة النضال والأسر".

وأضاف: "ذقنا في سجن غزة ألواناً من العذاب، وخرجت كل واحدة منا لتصبح الأسيرة والشهيدة وأم الأسير وأم الشهيد والمرابط دفاعًا عن وطننا" (شاهد الصورتين 4 و 5).

فاطمة الحلبي تتذكر

أما المحررة فاطمة عمر الحلبي، 67 عاما، فحكت قصة أسرها هي ووالدها، حينما كانت مطاردة من قبل الاحتلال الإسرائيلي. قالت:

"اعتقلوني أنا ووالدي في قضية واحدة بعد استشهاد شقيقي أحمد الحلبي. كانوا يراقبون بيتي لأني كنت متخفية ومطاردة، ولهذا أخذوا والدي رهينة وسجنوه إلى حين اعتقالي".

وأضافت: "حينما اعتقلوني وضعوني في زنزانة من زجاج، وطلبوا مني أن أستدير في كل اتجاه ثم أمسك أحد السجانين بشعري ولفه على يده وأخذ يشدني بقوة ويقول لي: عاملة نفسك بطلة، ثم أدخلوني عند والدي فرأيته غارقاً في بركة من الدماء من شدة ما ناله من الرفس والضرب والتعذيب. إلا أنه كان صلباً وأوصاني بألا أعترف أو أخبرهم بما أعلم، ولكن سرعان ما فقدت وعيي حينما رأيته على حاله، فسكبوا علي كثيرا من الماء حتى أفقت لأجد نفسي مغطاة ببطانية، وعارية إلا من ملابسي الداخلية.

وتستعيد فاطمة في ذاكرتها حين وضعوها في زنزانة انفرادية لثلاثة أيام، حيث كانت تسمع أصوات الصراخ على مدار الساعات لأسرى يتم تعذيبهم وتكسير عظامهم. مات أحدهم فجروه كالمتاع التالف وألقوه في الخارج.

تم نقلها بعد أيام إلى ما كان يسمى بالمسلخ في الطابق الثاني من المعتقل، وهناك تقول "رأيت أسرى مشبوحين بعلاقات كالتي تستخدم للحيوانات حينما تذبح، وجميعهم عراة من الملابس يسكبون عليهم براميل المياه".

وتضيف: "في التحقيق لجأوا إلى كل أساليب الضغط في الترهيب والترغيب لانتزاع اعترافاتي، وادعوا أنهم يعرفون عني كل شيء، وحينما لم أستجب، أتى ضابط وصار يطفئ سجائره على جسدي. تحاملت كثيراً على نفسي وآلامي فلم يسمع مني كلمة استغاثة، وقلت له ما عساي أقول ما دمت لا أعرف شيئاً؟ (شاهد الصورة رقم 6).

"متحف" السرايا بغزة جدير باهتمام أحرار العالم والكتاب والمثقفين والمصورين والصحفيين ووسائل الإعلام لنقل الحقيقة إلى العالم وكسر الحصار المفروض على غزة.

الصور المرافقة للنص. اضغط بالمؤشر على الصورة لمشاهدتها بحجم أكبر.

سرايا غزة: المعتقل/المتحف
سرايا غزة: المعتقل/المتحف
الصورة رقم 1
سرايا غزة: المعتقل/المتحف
سرايا غزة: المعتقل/المتحف
الصورة رقم 2
سرايا غزة: المعتقل/المتحف
سرايا غزة: المعتقل/المتحف
الصورة رقم 3
سرايا غزة: المعتقل/المتحف
سرايا غزة: المعتقل/المتحف
الصورة رقم 4
سرايا غزة: المعتقل/المتحف
سرايا غزة: المعتقل/المتحف
الصورة رقم 5
سرايا غزة: المعتقل/المتحف
سرايا غزة: المعتقل/المتحف
الصورة رقم 6

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3149123

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC