مرام أمان الله - فلسطين

العادة تغلب الإرادة

مرام أمان اللهكان المسافرون يتوافدون إلى الحدود في خطوط لا تشبه خطوط سير النمل إلا بالكثرة، محمّلين بالصبر "الموقوت" في رحلة أظنها الأكثر إتقانا لاختطاف فرحة المغتربين القادمين شوقا، أو المغادرين الساعين أملا.

لم يعتادوا السير في خطوط مستقيمة، فقد تم تصميم مساراتهم بأكثر الأشكال الهندسية تعقيدا ما يتطلب من الوقت والطاقة الحدود القصوى.

في كل مرة يفكرون فيها بالخروج من سجنهم الكبير "الضيّق" أو الرجوع إليه، كانوا يسلكون نفس المسارات الحلزونية التي ترمي بدوارها على من لم يعتادوها بعد.

ما حدث ذلك اليوم استوقفني للحظات امتدّت بعدها أياما من التفكير المتواصل، حتى انسكبت أفكاري حبرا يسطر ما تقرأون هنا.

في ذلك اليوم، وكعادتنا في الانتقال بين اختبارات التفتيش المتعاقبة، والتي ألفها كل من خاضها إلا قليل، وصلنا إلى منطقة سير تشبه سابقاتها في الفكرة وتختلف في الإخراج.

كان المسار الواجب اجتيازه يتركب من خطوط مستقيمة لكنها تتصل مع بعضها بزوايا قائمة، بمعنى أنك تمشي بخط مستقيم ثم بعد عدة أمتار عليك الاستدارة بمقدار ٩٠ درجة يسارا أو يمينا. تعيد الكرّة إلى أن تصل اختبارا آخر يستوجب عليك خلع ما تيسر مما تلبس لكي تثبت ما استطعت من "إنسانيتك"، وخلوّك من أي أفكار أو نوايا مناهضة لما يجب أن تكون عليه.

اجتزنا تلك الخطوط الالتفافية دون تفكير كما جرت العادة لنفاجأ بأحد العمال المشرفين على تنظيم "أسراب النمل" الآدمية يصرخ موبّخا: "أنا فتحتُ لكم البوابة لتتجنبوا الالتفاف في هذا المسار ومع ذلك سلكتموه. اليوم سمح لكم السير في خط مستقيم، ولكنكم تحبون الشقاء لأنفسكم".

لا أدري ما فكر به الآخرون، ولكن في الحقيقة أنّ وقع كلماته كان صادما لي شخصيا، خاصة عندما التفتّ خلفي لأتحقق مما يقول، فوجدت الباب مفتوحا بالفعل. ما صدمني فعلا هو أنني أدعي عادة أنني لا أُغفل التفاصيلَ وأتقن ملاحظتها أيا كانت دقّتها.

كيف لي ألا أرى بابا مشرعا أمامي وتنساق قدماي لذلك المسار اللعين لأسلكه؟ كثيرة هي الأسئلة التي ازدحمت في خاطري أثناء قيامي بخلع سترتي والخاتم الذي قدمته لي أمي بمناسبة إنهائي الدراسة بنجاح.

وجاء دور الحذاء لأخلعه على خطى من سبقوني. لطالما كرهت هذه الجزئية أكثر من غيرها لعدة أسباب؛ فهي تضطرني لأنحني بطريقة تشعرني بوخز العيون المترامية كسهام حادة في شتى أنحاء جسدي، ناهيك عن القذارة المتعمدة للأرضية، ما يصيبني بالغثيان كلما لامستها قدماي العاريتان. لكني لم أتوقف عن التلفت خلفي إلى تلك البوابة التي كدت أجزم أنها ظهرت في المشهد فقط بصراخ ذلك الشخص.

أقدمت على اجتياز الاختبار التالي من خلال الدخول إلى بوابة إلكترونية لا تمل إطلاق صوت الإنذار الذي لا يذر صغيرة ولا كبيرة إلا وأساء الظن بها. في كل مرة ادخلها، كان قلبي يزداد ارتجافا؛ ليس خوفا وإنما لأنّ صوت الإنذار ذاك كان دائما يرميني في قفص الاتهام بلا أدنى تهمة.

جاءت اللحظة لأدخل تلك البوابة اللعينة. وفي ثوان معدودة رنّت في أذني مجددا كلمات ذات الشخص قائلا: "لماذا خلعتِ حذاءك دون أن أطلب منك ذلك؟ إنهم يطلبون من الذكور فقط ".

شعرتُ بالضيق والاستياء. لا أدري ممن. فهي ليست المرة الأولى التي أخلع فيها حذائي، فقد جربت مسبقا ألا أقلد من سبقوني، ومع ذلك كان صوت الإنذار يلاحقني مطالبا إياي بإعادة الكرّة لإثبات حسن السير والسلوك.

لكنّ صراخه الجديد هذا جعلني ألتفت إلى الوراء مجددا، لأرى ما لم أره أول مرة، ولأفكر فيما سكن في عقلي ليعيد برمجته ويجعلني مستعدة لتقديم ما هو غير مطلوب ويمنعني من رؤية ما هو موجود.

في كل مرة كنت أجتاز فيها مغامرة الرحلة هذه بنجاح، كانت تنتابني فرحة "الانتصار"، إلا أنني هذه المرة وعلى الرغم من وجود بعض "التسهيلات" المتاحة، إلا أنّ شعور الضيق حبسني فيه.

لم أدرِ السبب الحقيقي لانزعاجي: هل كان لأني شعرتُ بأنني ضيعت فرصا لا توجد إلا استثنائيا؟ أم لأنني أحسستُ بأني تحولتُ فعلا بحكم العادة إلى منتَج ضمن "المواصفات"، يسلك المسارات المرسومة بدقة، ويقدم المطلوب بحرفية، إلى درجة إلغاء التفكير وتعطيل الحواس وأهمها البصر الذي لم يتوانى عن التآمر مع فكرة التأديب الفوكوي (*) التي أدركتُ فجأة أنني لم أفلت منها؟

= = =

(*) نسبة إلى الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو.

= = =

عود الند تبدأ عامها 12


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3423906

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC