مرام أمان الله - فلسطين

علاقة سرّية

مرام أمان اللهعن العلاقة بين الإنسان والمكان يكثر القول. بينهما سرٌّ لا يدركانه إلا إذا افترق أحدهما عن الآخر، وكأنّ العلاقة تبقى سريّة إلى أن يبوح بها الفراق. هذا ما كان يجول في خاطرها عندما قررت أن تبحث عن كتاب تصبّ فيه جنون "غربتها" وصمت الجدران.

لم تكن القراءة التي لطالما أحبتها هي الهدف الرئيس وراء البحث، لأنها كانت تبحث في بطون الكتب عن أنيسٍ تستحضره متى شاءت، وتجتثه من المشهد وقتما تشاء.

راحت تتهاوى الكتب واحدا تلو الآخر، بين يديها إذ كانت تتصفح على عجل بغية العثور على أنيسها المختبئ في إحدى الصفحات دون جدوى.

إلى أن قررت أخيراً أن تصنعه بنفسها لكي تضمن رسمه وتفصيله بعناية وفق حاجتها للبوح.
وقد كان. ففي كل يوم كان يتحول أنيسها إلى شخصية قادرة على الإصغاء ولكنّه في معظم الأحيان كان عاجزاّ عن الرد على تساؤلاتها التي لا تنتهي.

وكأي علاقة بين اثنين ظلت علاقتها بالمكان تتراوح بين المدّ والجزر، فتارةً تشعر بالانتماء لتلك المدينة الكبيرة الصاخبة، وتارةً أخرى تنأى بنفسها عن الواقع الذي كان ينأى بمعطياته عن أحلامها. إلى أن قررت الرحيل دون أدنى تردد.

لم تكن تدرك أنّ تغيير المكان لا يعني فقط تغيير المحيط بما فيه، فقد وجدت شيئاً فشيئاً أنّها أمام حاجة ماسة لعملية بناء لكل شيء من عدم، وذاتها أيضاً.

كان المكان الجديد قاسياً جداً عليها، إذ لم يدرك أحلامها التي عاشت معها سنين طويلة، ولم يلتفت حتى إلى ملامحها التي ما زالت تخفي طفولةً شقية. لم يكن يصغي إلى أيّ من دندناتها كلما غنت فيروز، لقد أصبح للقهوة رائحة أخرى لا تشبه الصباح.

أخذت تتجول في شوارع المدينة الجديدة كظلٍ ذاب في فيء تلك الأبراج التي تعانق السماء. كل شيء غريب عنها، وغريبة هي عنه.

تيارٌ جارف لامتزاج ثقافي، عرقي، لغوي معقد البناء. لم يكن أمامها في بداية الأمر إلا مراقبة المشهد من الخارج، فقد انتابها الخوف من الانصهار بين الهويات لكي لا ينتهي بها الأمر إلى "اللا هوية".

ولكنّ مقاومة الانصهار مع المحيط ليست حتما الحل الأمثل، لأنّ الوجود في مكان ما يعني بالضرورة التحول إلى جزء منه بشكل أو بآخر، والمقاومة العنيفة له تعني بالضرورة أيضاً ضياع العلاقة مع المكان وبالتالي ضياع الإحساس بالوجود.

إنّ الاعتراف بالحقيقة أو التسليم بها لربما من المهارات التي يصعب على الكثيرين إتقانها.
لم يكن إلا أن تملّكها شعور الحنين إلى مدينتها الأولى، التي كانت تظنها "كبيرةً وصاخبة". فقد تبين لها أن في هذا الكون ما قد ينسف كل المعايير في حال أبصرته العين أو ارتقى إلى مستوى الإدراك. ذلك الحنين الذي ينتاب العشاق لحب قديم عندما تقسو عليهم الحياة.

ولكنّ حنينها هذا لم يكن المنقذ لها من قسوة المكان، بل على العكس، أخذ يعذبها بتفاصيل لم تكن تفضي لها بالاً آنذاك. راحت تبحث في الجديد عن قديمها الذي رحلت عنه، عن فوضى ذلك الوطن، عن الوجوه التي لم تحبها يوماً، عن الأرصفة الملأى بأوراق الشجر، عن الأطفال الذين كانوا يبيعون قصاصات من الأدعية على إشارات المرور، حتى أنّها أخذت تبحث عن الاحتقانات المرورية التي كانت تستشيطها غضباً أثناء قيادتها صباحاً ومساء.

قد يبدو ذلك ضرباً من الجنون، ولكنه باعتقادي نوع من استرجاع الذات أو الصورة التي من خلالها كانت تتعرف إلى دواخلها.

هنا، في المكان الجديد يخيم الصمت. فكل ما حولها لا يريدها. حتى البنايات الشاهقة والمبهرة لم تبخل عليها بالنكران، فكلما كانت تتأمل عمارة المكان المبهرة كانت المسافة بينها وبين المكان تزيد أميالاً، فكل ذلك كان بالنسبة إليها صوراً صامتة ألصقت على عينيها فلا هي ترى غيرها، ولا هي قادرة على إبعادها عن مدى رؤياها.

لكن، منذ متى كان المكان هو المسؤول عن تقصير المسافات بينه وبين الفرد؟ ومن هو المسؤول عن خلق العلاقة بين المكان ومن يعيشون فيه؟ وكيف تكون البداية؟ هل من الممكن الاندماج مع المكان ومعطياته في أي لحظة بغض النظر عن أسباب أو أهداف التواجد فيه؟ ما معايير فشل تلك العلاقة وما مدى احتمالية وقوعه؟

كل تلك الأسئلة وأكثر كانت تؤرقها في كل وقت. فهل الانتماء للمكان يكمن في بناء علاقات إنسانية؟ أم أنه يبدأ من الألفة بتفاصيله الجغرافية أولا؟ هل "الغربة" هي التعبير الأدق عن حالة عدم الاندماج مع المكان أم أنها تعبر أكثر عن الحنين للمكان الأسبق بغض النظر عن الحالة المعاشة؟ أم قد يكون "الوطن" هو المفهوم الأكثر دقة للتعبير عن العلاقة الناجحة مع المكان بصرف النظر عن كونه مسقط الرأس أم لا؟

بعدما أنهكها التعب، قررت عدم الانتظار والبدء في مقاومة "مقاومتها" للانصهار. لأن الانصهار ليس بالضرورة ضياع الهوية، وأي هوية؟ فهل نولد جميعاً بهويات مثالية، أم أنّها جميعا تفرض علينا دون أن نفكر فيها أو نفكك أسرارها؟ من منا ولد دون هوية ونال حرية بناء هويته بمعزل عن التشابكات الخطابية التي تحدد ملامحنا على كل المستويات؟

إنها فكرة في غاية الخطورة والحساسية في آن، لكنها قد تغدو بسيطة إذا ما تم تفكيكها بعناية، ففكرة بناء الهوية لا تعني ضياع الذات، وقد تعني ذلك إذا كانت عملية بنائها أو إعادة صياغتها عشوائية وغير ممنهجة. فتقبل الآخر المختلف مثلا لا يعني الانصهار فيه، كما أنّ إدراك الجوانب المشرقة في الأشياء لا يعني التعامي عن الأخرى الظلامية.

كل علاقة بين المكان والإنسان تبدأ بنية. تماماً كما العلاقات الإنسانية التي تتولد بنوايا تهدف إلى تحقيق مبتغيات شتى؛ كالشراكة، الصداقة، التفاهم، الانسجام وغيرها الكثير. لا تنشأ العلاقة بدون فكرة أو حاجة.

من هنا كانت فكرة "الانتماء" للمكان هي البداية. هي تعلم تماماً أن وجودها فيه غير واضح الأمد، وتدرك أيضاً أنها قد تفشل في كسر الحواجز أو قتل "الغربة"، إنما راح جل إصرارها على هزيمة ذاتها الرافضة للانصهار وفقط.

"وفي هزيمة الذات الرافضة للفكرة تلك يتدخل كل شيء. وتحتار النزعات والدواخل في تحديد المراد. ولكنّ الحسم في كل تلك الفوضى الفكرية يكمن في الوقوف على الحد الفاصل بين المكانين". هذا فقط ما نطقت به شخصيتها الخيالية التي صنعها قلمها في بداية النص.


موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3423906

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC