محسن الغالبي - السويد

هوس شرقي

محسن الغالبيغادرت البيت في طريقي إلى مطار بغداد متوجها إلى مطار ثالث عبر مطار ثان كنت أحب المكوث فيه بضع ساعات أراقب فيه شكلا آخر من الحياة مختلفا عن الأول والثالث. صفعني بعض الحنين لمن تركتهم في البيت ولم أشعر بشيء تجاه البيت. لم يكن بيتي على أية حال. كنت متوجها إلى بيت آخر لا أشعر تجاهه بشيء البتة، فهو الأخر لم يكن بيتي.

كانت الأخبار تحتمل إغلاق الشوارع المؤدية إلى مطار بغداد. بعض السفلة اعترض على السفلة الذين يمسكون زمام الأمور. اللصوص الذين كانوا يصلّون ويقاتلون، حصلوا على السلطة أخيرا فعادوا إلى سابق عهدهم لصوصا. ولصوص جدد يحاولون أزاحتهم عن السلطة كي يسرقوا ما تبقى. مرت الأمور بسلام ووصلت المطار. لم يتغير الكثير؛ ضوضاء بلا جدوى.

حلقنا ساعتين وربع ساعة لنهبط في المدينة الرائعة التي لا تشبهها كل المدن. المدينة الوحيدة التي تستقر بشطري أستها على قارتين ليعبر البوسفور من بينهما يغسل أدرانهما قادما من الأسود نحو مرمرة. كم كنت أتمنى لو أتيه في تلك المدينة لعامين أو أكثر، أطوي شوارعها بلا هدى، أدلف كل أسواقها، أتذوق كل مطاعمها، أحدق في كل العيون التي أصادفها، وأرسم انحناءات أجساد اللواتي يعبرن على جسدي.

أدخل كل المطارات

أسأل كل الفنادق عنك ِ

فقد يتصادف أنك فيها (1)

وأشتري كل الحلي وأدّخرها، وإن فرغت جيوبي تسولت، فإن للتسول في بعض المدن لذة لا تضاهى، وإن التسول في مدن أخرى هو الموت والعار معا. تساءلت لحظتها: هل يعرف الذين يقبعون في الصوامع والجوامع ويوصلون الليل بالنهار كيف يشعر المتسول في "مدن التيه"(2)؟

كان انتظاري، ويا للأسف، أربع ساعات فقط. جلست فيها أتلذذ بوجبتي المعتادة عند كل مرور بهذه المدينة. قطعة بيتزا، بعض شرائح بطاطا، كولا وكوبا من حساء هو الألذ بينها. الوجبة التي أسدّ بها رمقي خلال نهار كامل هو خلاصة التحايل والتشاطر مع شركة الخطوط الجوية التي تجتذبني ومن مثلي بسعر منخفض مقابل ساعات من التجويع، أو إجباري على شراء وجبة حقيرة بضعف المبلغ. في النهاية أصطاد سعرها المخفّض وأحشو معدتي في المطار متلذذا بإيقاعات الحشود العابرة حولي. وأدع التفكير في أينا الأدهى، أنا أم مكتب الخطوط؟

وحين بلغت نصف وجبتي، جلست أمامي فتاة، أو بالأحرى امرأة، فقد قدّرت أنها تجاوزت الثلاثين. لم تكن باهرة الجمال كي تشدّ العيون إليها أو ربما يقفز القلب بين يديها. لكنها كانت عملية المظهر، بجاذبية ما. تشدّني المرأة المتواضعة التبرج. بدأت بتناول وجبتها السريعة كوجبتي، لكن من يدري إن كانت مسافرة مثلي. لم يسعفني حدسي في معرفة إن كانت من أهل هذه المدينة فقد كانت فيها بعض الملامح العربية.

حاولت فتح الغطاء المعدني لعصير البرتقال فلم يطاوعها، جالت بعينيها في المكان لتجد ما تستعين به لفتحها، ولكن لا شيء. رفعت نظرها فتقاطع مع نظري، فطارت ابتسامة خفيفة على محياها ببراءة ممزوجة بخجل لذيذ أطاح بكل احتمال في أن تكون عربية. تمشي المرأة العربية وتجلس تحيطها هالة من المخاوف كان قد خلقها لها الرجل العربي الذي يمشي ويجلس محاطا بهالة من المخاوف صنعتها له الأديان والمذاهب والتقاليد سيئة النية.

كنت حينها قد شارفت على الانتهاء من وجبتي وشرعت أتصفح هاتفي. رددت الابتسامة بمثلها. أشرت لها أن تضع القنينة على حافة الطاولة وتضربها بلطف لتفتح غطائها. حاولت فلم تفلح. رفعت عينيها إليّ، تبسمت بمثل سابقتها ووضعت العصير جانبا لتكمل وجبتها دونه. لا أدري ما الذي دفعني حينها إلى التوجه نحوها. طلبت العصير منها وقصدت النادل ليفتحه، وعدت لها به. شكرتني بكلمة لم أتميز لفظها بدقة ورمقتني بابتسامة ثالثة.

عدت إلى مكاني وإلى هاتفي، أشحت بنظري عنها لتكمل طعامها دون إحراج.

ساد صمت عم ّ المكان واستحالت همهمة الحشود ونداءات المطار إلى موسيقى تداعب فيها أنامل أيروما (3) مفاتيح البيانو بعشق عاقل وعقل عاشق.

بهدوء يذكرني بالتي عرّفت آذاني على موسيقاه أول مرة فأصبح أسمها بعض موسيقاي، بل كلها.

بعد عشر دقائق.

انتهزت فرصة ربما لن يأتي الزمان بمثلها. اقتربت منها وسألتها الانضمام إلى طاولتها. تبادلنا أحاديثا ّ عادية جدا. دعوتها إلى فنجان كابتشينو في المقهى المجاور. وحين جلسنا في زاوية في منأى عن الأنظار حملت لها قدحها وقطعة حلوى؛ ربما احتفالا بتعارف أهداه إليّ القدر. رجوتها أن نتبادل أرقام هواتفنا، وحين بلغ الحديث بنا مبلغا آخر دفعت لها عنوان بريدي الإلكتروني. ووعدتها بالكتابة حال وصولي.

مرت الشهور وأنا أمطرها برسائل ملؤها الدفء وعذب الكلام وشوق بلا هوادة، لتثمر رسائلي عن عطلة صيفية سنقضيها سوية على ساحل حالم أحيل فيه عذب الكلام إلى سيل من القبل وغابات من عناقات حميمة.

قبل عشر دقائق.

كنت قد عاهدت نفسي ألّا أسقط في هذا الوهم الشرقي.

والهوس الشرقي، والمرض الشرقي.

ألا أُستدرج إلى هذه الخيالات السطحية الساذجة. إلى هذه التفاهات.

وضعت العصير أمامها، واكتفيت بابتسامتها البريئة، وعدت إلى طاولتي أتصفح هاتفي. كنت أقرأ في "الجحيم" (4). ويا للدهشة إذ اختار كاتبها هذه المدينة بالذات كي تكون موضع الذروة فيها!
أكملت هي وجبتها ونهضت، ثم ضاعت في الزحام. لم أفكر حتى في وداعها بابتسامة. غرقت ُ في "الجحيم" في حينها. وبعد عشر دقائق غرق كل منا في متاهات حياته.

بعد يومين من وصولي، هز المدينة انقلاب عسكري فاشل، كان صراعا آخرا بين السفلة.

واليوم، بعد مضي شهر، حين تذكرتها، وضعتها في حروف في قصة قصيرة سيقرأها البعض وينساها لتغرق في عالم النسيان.

= = =

(1) من قصيدة تناقضات ن. ق. للشاعر السوري نزار قباني.

(2) إشارة إلى الخماسية الروائية للكاتب السعودي الراحل عبد الرحمن منيف "مدن الملح" وإحداها هي "التيه".

(3) أيروما (Yiruma): عازف البيانو الشهير الكوري الجنوبي الأصل. يحمل الجنسية البريطانية أيضا.

(4) رواية "الجحيم" للكاتب الأميركي دان براون. تدور أحداثها الأخيرة في مدينة إسطنبول.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3253453

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC