هدى أبو غنيمة - الأردن

قراءة في رواية كل المعارك

قراءة في رواية "كل المعارك" (*) لمعن أبو طالب

هدى أبو غنيمةلما اعتبرت الكتابة فعل اقتحام للتقليدي والسائد، وتأكيدا لمعاني الحرية والاستقلالية الفردية، فإن أساليب التعبير عند جيل الشباب لا بد أن تختلف في موضوعاتها وتقنياتها التعبيرية عما كان مألوفا لقارئي الأدب.

لم يعد ممكنا أن يكتب الشباب أدبا بذات الأسلوب البلاغي المألوف في الأدب العربي، والتعبير عن هويتهم، دعما لأحلام الاستقلال التي لاحت في أفق مرحلة التحرر من الاستعمار، بل تحرروا من رؤية العالم بنظرة أحادية مؤطرة بالأيديولوجيا، وواجهوا الحاضر بأساليب ومضامين تعبر عن عصر ثورة الاتصالات وآليات إنتاج المعرفة وتواكب إيقاع العصر.

رواية "كل المعارك" للكاتب الأردني المقيم في بريطانيا، معن أبو طالب، هي أول رواية له، لكنها رواية خارجة عن المألوف بمضمونها وأسلوب سردها البصري "من خلال ما أسمته ميكي بال بوصفها مؤرخة وناقدة للثقافة البصرية ما أسمته تحديد البؤرة، أي التركيز على القصة من خلال عوامل فاعلة نوعية أو وجهات نظر خاصة، وتبدأ عملية تحديد البؤرة من السارد وبالسارد، ولكنها لا تنتهي عنده، ومن المحتمل بالنسبة إلى السارد بدوره أن يروي القصة من وجهة نظر واحدة أو أكثر من شخصياتها"[1].

تعكس الرواية قلق الشباب وسأمهم من محيط لا يلبي احتياجاتهم الفكرية والوجدانية ولا تطلعاتهم. ولعل العبارتين اللتين وضعهما الكاتب في أول الرواية توحيان بذلك. يقتبس الكاتب عبارة من الكتاب المقدس للقديس يوحنا الفصل الثالث 16":

"ولكن، بما أنك فاتر، لا حار ولا بارد، فقد أوشكت أن أتقيأك من فمي".

ثم يضع اقتباسا آخر:

"خواص الوجه والجهاز المضغي التي تميز ملامح شبيه الإنسان المبكر لم تكن بالضرورة تكيفا لمتطلبات مضغ حمية صلبة أو قاسية، بل كانت لحماية الوجه من الإصابة أثناء اقتتال الذكور باستخدام القبضات". ("التدعيم الوقائي لوجه شبه الإنسان المبكر". كايمبردج بيولوجيكل ريفيو 2014).

بؤرة السرد في الرواية حلبة الملاكمة وعالمها بتفاصيله الدقيقة وتقنيات المواجهة بين خصمين. أليس العالم اليوم حلبة ملاكمة؟ ألا تشهد المجتمعات الإنسانية تحولات في الثوابت والمفاهيم والعلاقات الإنسانية، واتخاذ العنف وسيلة للحوار؟ وكأننا في تصوير الكاتب الدقيق لتقنيات اللعبة ندخل عالما مختلفا عما نراه متلفزا ولا نعرف أسراره يصفه الراوي على النحو التالي:

"وجد سائد النادي خاليا، لا صوت فيه إلا صوت المروحة تلتف فوق الحلبة، وضع حقيبته بهدوء، وتأمل أكياس اللكم المشقوقة والأثقال القديمة والقفازات المبعثرة التي تنبعث منها رائحة العرق. شعر أنه في مكان مختلف عن كل ما هو خارجه. مكان كل شيء فيه واضح، الفوز والخسارة، القدرة والموهبة والقوة والضعف تظهر كلها هنا بلا لبس. لا مكان هنا للهيام بالرماديات" (الرواية ص 111).

معن أبو طالبملخص الرواية

تدور أحداث الرواية حول شاب ذي مستقبل واعد في شركة دولية مرموقة، يجد نفسه متأرجحا بين عالم المال والأعمال، وعالم الحلبة مصورا فساد العالمين حينما يصبح الإنسان سلعة وورقة رابحة، وإن كان في عالم الملاكمة أكثر وضوحا، ومواجهة الخصم تتطلب تقنية وفكرا وتدريبا، بينما عالم المال والأعمال متاهة تستخدم فيها كل الصفقات والأساليب الملتوية. يحقق الشاب نجاحا على الصعيدين، لكن الملاكمة تستحوذ على تفكيره، وتهدد مستقبله الوظيفي والشخصي، وتكشف له أيضا عن ثنايا ماضيه وتجعله يسائل مكانه في سلالة المقاتلين من آبائه وأجداده.

تمور الرواية بالحركة وإيقاع العصر السريع، وتتخذ من الشخصية الرئيسة سائد حبجوقة، الشركسي ذي الماضي الفروسي المنحدر إليه من آبائه وأجداده، موازيا ذا بعد إنساني للعربي المهجّر من أرضه مثلما هاجر الشركس من وطنهم.

وقد بدت لي نهاية الرواية تتمة للعنوان "كل المعارك" وكأن السارد يعبر عن الإنسان الذي يخوض كل المعارك في عصره إلا معركة تحرير بلاده، فيقف على الجسر ممنوعا من العبور في عصر تدعي فيه القوى المهيمنة أن لا حدود ولا فواصل باسم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

لغة الرواية

بعد أن انتهيت من قراءة الرواية حاولت أن أجد تعليلا مقنعا لحسية اللغة وبذاءتها الصادمة المتداولة في الشارع، وخلو لغة السرد من أي تنميق لفظي أو زخرفة تصويرا لحقيقة الواقع الاجتماعي واحتجاجا على البذاءة والفكر الذي سعى إلى مصادرة اللغة والتفكير لتصبح الأرض مفتوحة أمام غول رأسمالي يجتاح العالم ويخدم أصحاب رأس المال العالمي الذين صادروا اللغة والتفكير وحولوا الإنسان إلى سلعة تستباح بالكيفية التي تخدم مصالحهم.

= =

(*) الناشر: الكتب خان. القاهرة. 2016. ويشار إلى أن الرواية أنجزت بدعم من برنامج آفاق لكتابة الرواية الذي أقيم بالشراكة مع محترف الروائية اللبنانية، نجوى بركات، في دورته الثالثة التي أقيمت في ربيع 2015.

[1] عبد الحميد، شاكر. عصر الصورة: السلبيات والإيجابيات. 2005. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.

غلاف رواية كل المعارك


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3202835

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC