وهيبة قوية - تونس

أنفاس الذاكرة: العالية: تاريخ وآثار وحنين

أنفاس الذّاكرة: قراءة في كتاب "العالية: تاريخ وآثارٌ وحنين" للطّاهر البليدي

الطّاهر البليدي: من مواليد مدينة العالية سنة 1944. تخرج من مدرسة ترشيح المعلّمين سنة 1963. ينتمي إلى عائلة أندلسيّة عريقة جاءت من مدينة البليدة بالجزائر واستقرّت بالعالية. له دور فعّال في كثير من المشاريع التعليميّة الّتي بفضلها ارتقت العالية إلى الأفضل.

وهيبة قوية: كاتبة تونسيةحين تتنفّس الذّاكرة من شقوق المكان، يتفجّر ينبوعُ ضوء في التّاريخ يشهد بأصالة الإنسان، وينفض عنه غبار الزّمن، فيتضوّع عبقا من حياة ثرّةٍ ترتّلها الذّاكرة والرّوح ملء الحنين. وتتوالى صور الموروث الجماعيّ تعيد تشكيل الذّات والآخر، والزّمان والمكان، تؤلّف بين تفاصيل الماضي وتفاصيل الحاضر لتستمرّ الحياةُ ما استمرّ المكانُ وما توارثه الإنسان، لتستمرّ الحياةُ، جيلا فجيلا، متأصّلة في تربة مجْدٍ تَلِيدٍ نَبْتا يانِعا، تُنقَشُ صفحاتها بتأنٍّ، وتتوقّد بنورها شعلةُ الماضي تنير دروبَ الحاضر وتزيح العتمة عن المستقبل.

هكذا نتنفّس عطر العالية ونحن نرحل في أمداء الذّاكرةِ والحنين، والتّاريخ، وحقبِ الزّمان، وجغرافيا المكان، ومع الأشخاص وما وسَمَ حياتهم من موروث ماديّ ولا ماديّ تناقلوه بينهم وأثبتته عاداتُهم وتقاليدُهم، ومع أعلام أفادوا البلاد والعباد وتركوا بصمة على صفحة تاريخ العالية. هكذا نقرأ كتاب "العالية: تاريخ وآثار وحنين".

والعالية مدينة من مدن ولاية بنزرت في شمال الجمهوريّة التّونسيّة. أسّسها الأندلسيّون على أنقاض المدينة الرّومانيّة أوزاليس. وهي أندلسيّة بامتياز إذْ أنّ عدد الأندلسيين فيها إبّان تأسيسها قارب نسبة 80% كما أنّ تاريخ تأسيس جامعها الأندلسيّ في 1607 يدلّ على أنّ الأندلسيّين وصلوا إليها قبل التهجير الثّالث في 1609.

الطاهر البليديتقديم الكتاب ووصفه

"العالية: تاريخ وآثار وحنين" كتاب لمؤلّفه مربّي الأجيال الطّاهر البليدي، ومن تقديم المربّي الفاضل محفوظ الفقيّر. ويتضمّن الكتاب عشرة أبواب إضافة إلى التّوطئة وهي على التّوالي: موقع العالية؛ العالية الأندلسيّة؛ الحياة اليوميّة للعلويّين؛ أهمّ معالم العالية القديمة- التّعليم الأهليّ؛ العادات والاحتفالات العائليّة؛ دور العالية في الحركة الوطنيّة؛ الاستقــلال ونسمة الحريّة؛ معركة الجلاء؛ العالية المعاصرة.

تتفرّع هذه الأبواب إلى فقرات بعناوين جزئيّة تفصّل محتوى كلّ باب. وهي طريقة تسهّل تبويبَ الأفكار وتيسّر على الباحث والقارئ العاديّ تَمَثُّلَ صُوَرِ العالية المتتالية والّتي منها تَشَكَّلَ تاريخُها وتراثُ أهلها. وإن كانت هذه الفصول في الأصل، نسيجا واحدا متداخلا متواصلا تجذب فيه الفكرة الأخرى في استرسال تمليه الذّاكرة وتفرضه أحيانا غزارة الصّور وارتباطها ببعضها (سيتوضّح ذلك في العنصر الخاصّ بالذّاكرة أدناه).

فإذا سعينا إلى إعادة فهرسة هذه الأبواب وجدنا قائمات لكثير من المواضيع الخاصّة بالعالية قديما وحديثا وأعلامها ومعالمها حرص الكاتب على تجميعها وتقديمها للقارئ. وقد يرجع هذا إلى أنّ الكتاب هو الأوّل الّذي تحدّث عن العالية ونقل صورتها إلى القارئ، ومن ثمّة يصبح الكتاب وثيقة للبحث وإعادة التّبويب والفهرسة ومساعد للباحث في تاريخ العالية الّذي ظلّ مغمورا وحكرا على بعض أهلها من الشّيوخ ولا بدّ اليوم من إيصاله إلى أبنائها من الجيل الجديد الّذين لا تتوفّر لهم المراجع لمعرفة تاريخ مدينتهم على أهمّيته وثراء التاريخ فيها رومانيّا وأندلسيّا، علميّا وثقافيّا.

ومن هذه المواضيع: موقع العالية، حدودها، تاريخها الرّومانيّ، تاريخها الأندلسيّ، أسماء العائلات الأندلسيّة، قائمة لأسماء أهل العالية اليوم، أصحاب الأراضي الفلاحيّة، أسماء الآبار ومالكيها، مواقع الأراضي الفلاحيّة وأهمّ إنتاجها، أسماء أعلام العالية ونوع تعليمهمم ووظائفهم وتسجيل الأحياء منهم والأموات، أسماء الحرفيّين وأصحاب الصّنائع المختلفة والفلاّحين والجزّارين والنجّارين وتجّار التّفصيل، أصحاب الدّكاكين واختصاص كلّ منهم، موقع الدّكاكين والمقاهي والحالة الّتي صارت عليها، الجامع الأندلسيّ العتيق، المساجد وتاريخها، الكتاتيب، أسماء الزّوايا ومريديها، أسماء المناضلين، أسماء المعلّمين، أسماء المؤدّبين وأشهر من تتلمذ علي أيديهم، العدول، شيوخ المالوف، الشّعراء. الحمّامات وأصحابها وتاريخها، المخابز، اللإسكافيّون، الشّوّاشون، الشّعراء، الفنّانون الّذين زاروا العالية، الفتوغرافيّون، المهتمّون بالتّراث ( وكاد يسمّي من باعوا الأثاث التّراثيّ)، أعلام زاروا العالية من تونس ومن إسبانيا، بل كاد يسمّي أهل العالية كلّ واحد باسمه وصفته وعمله وتخصّصه. أسماء المستعمرين الّذين عاشوا في العالية.

كلّ هذه المواضيع المذكورة في الكتاب تكشف أهمّية المدينة وثرائها التاريخيّ والحضاريّ والثقافيّ والصناعيّ... وضرورة تقديمها في صورتها المشرّفة لأبنائها من الجيل الجديد الّذي بدأ ينصاع إلى الحياة العصريّة ومتطلّباته وفرض على نفسه الهجرة غير الشّرعيّة إلى أروبا في قوارب الموت.

تعدّدت مواضيع الكتاب، وشملت جغرافيّة المكان بدءا بموقع العالية: "على سفح جبل خفيض يعرف لدى سكّان العالية بدير الجبل، و كان يعرف لدى الأجداد بجبل الطّواحين كما هو لدى أرشيف إدارة المناجم على ارتفاع 295 مترا من مستوى سطح البحر، تقع العالية" (ص15) وما يحيط بها من أراض واخضرار.

يؤكّد المؤلّف على ما للموقع من دور في استقرار الأندلسيين بما وفّره لهم من أمن وحماية لهم ولأصالتهم، فيقول (ص17):

"وهذا الموقع جعل العالية بعيدة عن ساحل البحر مصدر هجوم الغزاة قديما كما هي على بعد كاف من الطريق الرّئيسيّة الرابطة بين بنزرت والعاصمة بعدا يمكّن الأهالي من المراقبة الحذرة بما يمكّنهم من التّأهّب وأخذ الحيطة اللاّزمة لو حصل الهجوم فِعلا. كما أعانهم هذا الموقع في المحافظة على أصالتهم الأندلسيّة وصفاء أرومتهم، إذْ بقيت العالية وحتّى مطلع القرن التاسع عشر خاصّة بمهاجري الأندلس تقريبا، فلم يشاركهم الإقامة في رحابها إلاّ مَن شاكلهم خِلقة وخُلقا وطبعا ورضوه عشيرا".

عاد النصّ بالقارئ إلى صفحات من التّاريخ لينقل لنا منها مراحل عن الفترة الأندلسيّة وللظّروف الّتي هُجّر فيها الأندلسيّون ووصولهم إلى شمال المتوسّط، وشمال تونس عامّة وإلى العالية خاصّة. وذكر أسماء العائلات التي دخلتها وطباع أهلها الّذين اتّصفوا بكرم الضّيافة:

"وَلما يتّصف به أهالي العالية من دماثة خلق وكرم ضيافة وحرارة ترحاب بالزّائرين ومساعدة كبيرة لمن يختارونها مقرّا لإقامتهم جعلها قبلة يستطاب بها المقام، هذا إلى حسن موقعها الجغرافي و تربتها الخصبة" (ص23).

وإذْ تُذكر العالية الأندلسيّة، يُذكر تاريخ أوزاليس الرّومانيّة، وإن قلّت المصادر التاريخيّة عن هذه الحقبة، فإنّ مجد العالية أو أوزاليس ثابت، أوزاليس الّتي استعمل الأندلسيّون بعضَ أنقاضها وحجارتها، وقد ذكر الكاتب هذا في عنصر الحياة اليوميّة للعلويّين[1]:

"كما اكتشف الباحثون بالمكان حجر أوزاليس بعد أن كان مجهولا. ومنطقة العالية غنيّة بالآثار متمثّلة خاصّة في البنية التحتيّة لأعمال الرّي و خاصّة في الآبار والسّواقي والأحواض" (ص 24).

ويتوسّع الكاتب في باب العالية الأندلسيّة وما توارثه منها أهل العالية تجلّى في حياتهم اليوميّة فيعدّد أهمّ هذه المظاهر من خلال ما وصل إليه مكتوبا أو مشافهة أو ما عايشه بنفسه وخاصّة فيما تعلّق بالحياة الفلاحيّة الّتي كانت تميّزها والّتي توارثها أهلها من الأندلس وحذقوا مهاراتها والصّناعات المتعلّقة بها مثل صناعة الآلات الفلاحيّة، أو تخصّصهم في زراعة "الكرضون"[2] مثلا وصناعة الشّاشيّة[3].

ولا تتوقّف حياة أهل العالية عند هذه المهارات بل سجّل الكاتب مظاهر الحياة المختلفة المرتبطة بالمواسم الفلاحيّة كجمع الزّيتون والحصاد وما مهرت فيه النّساء من أعمال العُولة[4] والأشغال المختلفة المرتبط بالحياة الاجتماعيّة وأنشطتهنّ الاقتصاديّة.

كما تحدّث عن "الوسائل الجماعيّة" الّتي اهتمّ فيها بالسّبيل و"السبّالة"[5] والشّبكة العامّة للمياه. وذكر الآبار وأصحابها وأسماءها ومواقعها، وعَدَّدَ الصّناعات المختلفة مثل الأحذية وصناعات متنوّعة باستعمال سعف النّخل، ونجارة خشب الزّيتون، وصناعة السّمار والمداس والغرابيل. واهتمّ بالنّظافة فذكر الحمّامات[6] وتاريخها. كما اهتمّ بالتجارة والبيع والشّراء بأنواعه والسّوق.

وتوقّف عند معالم العالية الدّينيّة: المساجد وزوايا الأولياء الصّالحين وهي كثيرة، ثم يخصّ الحديث في باب كامل بعد ذلك عن التّعليم الأهليّ وعن دور الكتاتيب في تعليم أبناء العالية. ويخلص بعدها إلى أعلام العالية الّذين ساهموا بفضل تعليمهم التقليديّ الزّيتونيّ أو العصريّ في الرّفع من المستوى الاجتماعي لكلّ العالية وكان لهم دور هامّ في تطوّر البلاد وتحسين مستوى معاش العباد.

أمّا العادات والتّقاليد فباب آخر فيه من الطّرافة ما يثير اهتمام المطّلع على تراث العالية الأصيل. والاحتفالاتُ أفضل ما يكشف التّقاليد وموروث الإنسان، ولذلك احتفى الكتاب بذكر الاحتفالات الاجتماعيّة كالأعراس والختان، والاحتفالات الدّينيّة كالعيدين والمولد وعاشوراء.

إلاّ أنّ الطّريف يظلّ في النّوادي الثّقافيّة التي انتشرت تقريبا في كلّ مكان في العالية، فهي في الدّكاكين وفي المخابز[7]، وعند الإسكافيّ وفي المقاهي، فتبادل النّاس الأخبار والمعارف والشّعر والحديث في الثّقافة والدّين والفنّ والسّياسة، ومارسوا الألعاب المختلفة (الورق، الدّومينو، والشّطرنج) وهي نوادٍ يمكن أن تكون في كلّ مكان يجتمع فيه أهل العالية. وما كان أكثر تلاقيهم واجتماعهم.

مثل هذه الحياة الجماعيّة يسّرت على أهل العالية المساهمة في الحياة العامّة والحركة الوطنيّة فسجّلوا صفحات من نضالهم أثناء الاستعمار وخلال حرب الاستقلال وحرب الجلاء[8] وحتّى في أيّام التّعاضد وبناء الدّولة الحديثة. والكاتب قد فصّل ذلك في الكتاب تفصيلا يجعل أهل العالية يفتخرون اليوم بأجدادهم الّذين وقفوا بوسائلهم المتاحة، وتضامنوا ضدّ الاستعمار وحُقّ لهم أن يكونوا خير سلف. فبفضل نضالهم تمكّنت العالية بعد الاستقلال من بناء العالية المعاصرة بمنشآتها ومؤسّساتها وبلغت بفضل أبنائها مرتبة في الحياة العصريّة.

الكتاب السّيرة

نستنتج من كلّ هذه الأبواب وما فيها من تفاصيل أنّنا أمام وثيقة تاريخيّة تؤلّف تفاصيلها سيرة المكان والإنسان، أكّدته عتبة العنوان، فهو كما نقرأ:

=1= تاريخ: فالكتاب يؤرّخ للمكان ويعيد سيرته من خلال تفاصيل عامّة وتفاصيل خاصّىة مثل بعض العادات أو الصّناعات أو حكايات توصّل إليها الكاتب بتسجيل كلّ ما وصل إليه من بعض الوثائق وهي قليلة وشهادات لشيوخ العالية أو ما عايشه بنفسه. فالكتاب بذلك سيرة مكان.

=2= آثار: وهي كما وردت في القاموس المحيط وفي المعجم الوسيط وفي لسان العرب، مفرد أثر، أي العلامة، وبقيّة الشّيء، والأثر أيضا الخبر المرويّ والسنّة الباقية، والأثر جمعه آثار، وهي بقايا القوم من أبنية وتماثيل ونقود وفنون وحضارة، وهي الأعلام، وهي كما في قول الله تعالى في سورة يس (الآية 12) " ونكتب ما قدّموا وآثارهم"، أي نكتب ما أسلفوا من أعمالهم. والكاتب يسجّل الحياة اليوميّة لأهل العالية وموروثهم الاجتماعيّ، والدّيني والثّقافي والمعماريّ.

وهذا المعنى لم تحِد عنه تفاصيل الكتاب، فقد حضرت الآثار بهذا المعنى كما حضرت بمعنى ما يبقى في النّفس من أثر بمعنييه، فالكاتب لم يُخفِ استياءه أيضا من بعض ما كان له سيّء الأثر في نفسه، وإن غلب على نفسه جميل الأثر وهذا معنى يجتمع بالحنين. وفي هذا نقرأ إضافة إلى سيرة المكان سيرة الإنسان، فردا (الكاتب) وجمعا (أهل العالية).

=3= حنين: وأمّا الحنين فقد تجلّى واضحا في الكتاب حين يستعيد الكاتب أجمل ذكرياته خاصّة المتعلّقة بالكتّاب وبمقهى والده، كما لا يخفى علينا نفَسَه الشّاعريّ الظّاهر في أسلوبه وعودته بالذّاكرة إلى تاريخ العالية. واشتغاله على خصائصه طيلة عقود. ويجتمع الحنين هكذا بمعنى الوفاء الّذي أشار إليه في التّوطئة، فتتعالق بهذا سيرة المكان بسير الإنسان. ونجد أنفسنا أمام نصّ يندرج ضمن أدب المكان، يكرّس مبدأ الوفاء للموطن والاعتزاز بالانتماء إليه، وهذا ما نقرأه منذ التّوطئة الّتي ضُبط فيها المنهج المتّبع في تسجيل تاريخ العالية وأهلها وأسباب التّأليف.

وهكذا، فلئن عرض الكتابُ تفاصيل سيرة المكان والإنسان ورحل بنا في الزّمان ماضيا وحاضرا، فإنّه سعى بإعادة تشكيل المكان إلى تأصيل كيان الإنسان في تاريخه وتقاليده وتراثه الإنسانيّ وهويّته.

تشكّل سيرة المكان عبر سيرة الإنسان

أرّخ الكاتب لسيرة المكان عبر ذاكرة بقيت حيّة كلّ هذه السّنوات الماضية، أعاد بها إنتاج ما اختزن فيها من صور، وأصوات، وروائح، ومشاعر، وصاغ التّاريخ والتّراث بالحنين فوثّق للمكان توثيقا جماليّا شاعريّا ظهر منذ أوّل الكتاب فيما جاء في وصف موقع العالية، أو حين نتتبّع اعتزازه بما تعلّمه في طفولته، أو في حديثه عن الوفاء لمسقط رأسه:

"مسقط رأس الإنسان أثير لديه، عزيز عليه. كيف لا وهو منه وإليه؟ إنّه الموضع الّذي رأى مولده، وعلى نوره تفتّحت عيناه، وأوّل ما استنشق من الدّنيا هواه، وعلى بساط ثراه كانت أولى خطاه".

يستعيد المؤلف سيرة المكان والبدايات الّتي أسّست لوعيه الأوّل في مرحلة الطفولة، وعلاقته بالعالم والأشياء والذّات في جغرافيا سلّمته أسرارها وتاريخ أبقى على بعض مغاليقه، وحكايات طفل برع في حفظ تفاصيل الموروث ولاحقها في حكايات الكبار وما اطّلع عليه في الكتب، فجاءت تجربته في علاقته الحميمة بالمكان باعتباره خزّانا للأفكار والمشاعر والجمال، حتّى صار الكتاب عتبات سيرة ذاتيّة يعتمد السّرد في فصوله على تتبّع تاريخ المكان ويجمع تفاصيل ذاكرة وحنين فضلا عن شهادات لمن عاش في المكان وعاين جزءا من تاريخه.

التاريخ وسيرة المكان

ونتبيّن تبعا لذلك أنّ الكتاب انبنى وفق منهج يمكّن القارئ من تتبّع تاريخ العالية ضمن حركات هامّة من مراحل التّاريخ: (1) التّأسيس في فترتين تاريخيّتين تُذكر العالية بهما وهما أوزاليس الرّومانيّة والعالية الأندلسيّة؛ (2) العالية فترة الاستعمار والنّضال من أجل الاستقلال ثمّ الجلاء؛ (3) العالية الحديثة ما بعد الاستقلال إلى اليوم.

في معنى الانتماء والوفاء: سيرة الإنسان

الموروث هو المنصّة الّتي نهض عليها الكتاب، فقد رصد الكاتب جماليات الموروث باعتباره خلاصة لتجربته الإنسانيّة/الذّاتيّة في المكان وتكريسا لانتمائه إليه. وقد وضّح منذ التّوطئة أهميّة الانتماء والوفاء ومثّل لذلك بمثال الرسول (ص)، فالوفاء لمسقط الرأس واجب. وهو يذكّر بالواجب فيقول: "ضرورة العمل من أجل رفعة مكانة العالية... وأوّل الواجبات الّتي عليهم [أهل العالية] القيام بها معرفة تاريخها قدر المستطاع".

ظلّ الكاتب وهو يتحدّث عن الواجب والوفاء معلّما، مسؤولا عن الجيل الجديد يعلّمهم تحمّل المسؤوليّة والوفاء: "أجمع كلّ هذا في كتاب تطّلع عليه الأجيال الحاضرة والمستقبلة. ربطا لصلتهم بأجدادهم برغم أنّ هؤلاء الجدود ليسوا عظاما ولا حكّاما ولا قادة جيوش ولا زعماء، ولكنّهم أبطال في صمودهم وصبرهم. هم منّا ونحن منهم وإليهم ننتسب فكيف ننساهم".

هكذا فإنّ التوطئة بيان يفرضه الإيمان بضرورة التواصل بين الأجيال، يسلّم فيه الكبير المشعل للأصغر والمعلّم لتلميذه أيضا. وهي ميثاق يحمّل فيه كاتبه المسؤوليّة للجيل الجديد ويضعه في مواجهة تقصيره تجاه مسقط رأسه وتأصيله لكيانه ضمن هويّته الخاصّة، ودستورا يحثّه به على الوفاء لبلدته والبرّ بها وأن لا تأخذه المدنيّة العصريّة في ثناياها فيصير بغير هويّة.

ولذلك فذكر أعلام العالية وتسجيل الحياة اليوميّة لأهلها توثيق مهمّ يعيد تشكيل الحياة الماضية وصياغتها بما يعطي للعالية مكانتها خاصّة بين المدن الأندلسيّة ويعرّف بها أكثر لدى النّاشئة حتّىى لا تضيع هذه البصمة التّاريخيّة الّتي تكاد معالمها المادّية تندثر ولم يبق منها إلاّ التراث اللاّمادي أو الحياة اليوميّة في بعض جوانبها.

أهمّيّة الشّهادة الشّفويّة في التّأريخ للمكان والإنسان

نتبيّن من خلال الكتاب قيمة الشّهادة الشّفويّة في التّأريخ للمكان وللإنسان فالتُّراثُ الشَّفويّ مصدر من مصادر التّاريخ المُتعدِّدة. ويعدُّ مرآة مرحلة من مراحل تاريخ الإنسان به يُعاد تشكيل ملامح المكان، وهو مَحمل الأفكار والمشاعر، كما أنّه يصوِّر جانبا من الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسّياسيّة والثّقافيّة السّائدة في فترة من فترات التّاريخ، خاصّة في غياب النّصوص التاريخيّة التي تدوّن لمراحل سابقة.

اعتمد الكاتب في جانب ممّا كتب على الموروث الشّفويّ للعالية واستعان بالوثائق ما أتيحت له، وبالمحاضرات وما سمعه وتابعه، واستند خاصّة إلى المعايشة والذّاكرة. ونجد لهذه المصادر المعتمدة أثرها وذكرها. فقد ذكر أعلاما أفادوه في تاريخ العالية مثل سليمان مصطفى زبيس من تستور، [9]كما ذكر الأستاذ أحمد الحمروني والأستاذ أحمد جباليّة وغيرهم. وأشار إلى ما تعلّمه من أبيه ومن الكبار الّذين أحبّوه وأغدقوا عليه بالقرب فأخذ من سلوكهم وحديثهم ومعارفهم ما أثرى رصيد معارفه الّتي أعاد صياغة أكثرها من الذّاكرة.

الذّاكرة

حين تحضر الذّاكرة تتداعى الأفكار وتتسلسل بحسب ما تمليه ولكن أيضا بحسب ما يتيحه العنصر المتحدّث عنه. فمثلا حين يذكر موقع العالية يذكر ما وفّره من الأمن والحماية لسكّان العالية الأندلسيّين. ويواصل تفسير أهمّية المكان بذكر الأسباب الّتي لم تسمح للمستعمرين بالاستقرار في العالية على وفرة أراضيها وخصبها. وينساق للحديث عن افتتاح لأوّل مدرسة في العالية في 1919 على يد المستعمر وعدم إقبال أهل العالية على تعلّم الفرنسيّة وفسّره بنفورهم من النّصارى خاصّة، وهم من قاسوا الويلات على أيديهم في الأندلس الّتي هُجّروا منها بسببهم.

وفي مقابل المدرسة يذكر ازدهار التّعليم في الكتاتيب ودورها في الحفاظ على أصالة سكّان العالية. ويواصل بإبداء موقفه من عدم دخول المدرسة العصريّة ورأى أنّ موقف أهل العالية حينها كان سلبيّا إذْ بسبب عدم ارتيادهم من البداية للمدرسة والمعاهد لم يكن لأهل العالية حظّ وافر في تولّي بعض المناصب الهامّة والوظائف الحكوميّة وقابل هذا الوضع بوضع مناطق مجاورة للعالية مثل الماتلين.

الكاتب-المؤرّخ-النّاقد

دعم الكاتب بعض الفقرات بعدد من أبيات الشّعر الموافقة للمقام الّذي يتحدّث فيه، فأورد مثلا في باب العالية الأندلسيّة بيتين لأبي البقاء الرّندي: "كلّ شيء إذا ما تمّ نقصان ..." (ص 20) ليذكّر بما آلت إليه الأندلس بعد سيادة العرب. وينخرط الكاتب في هذا المقام مع الشّاعر فيرثي مثله الأندلس. ولا يخفي الكاتب موقفه وهو موقف نقرأه كلّما ذُكرت محاكم التّفتيش وتهجير الأندلسيّين وما سبّبته هجرتهم من خسارة بلدهم وما هيّأته من حياة أفضل في البدان الّتي وصلوا إليها، فقد استفادت تونس مثلا من خبرتهم في مختلف المجالات الاقتصاديّة. كما ساهموا في تطوير الحياة الاجتماعية، وخير مثال هو ما استفادت به العالية من صناعات وما استفادت به إلى اليوم من خبراتهم في الفلاحة خاصّة.

ويظهر النّاقد والمعلّم من البداية حين يعرّف مسقط الرّأس، العالية، فيبدي موقفه من بائعي الآثار فيقول: "فكما أنّ الكرامة والشّرف والوطن ومسقط الرّأس ليست للبيع فإنّ آثارنا أيضا ليست للبيع"

ويقول في من فرّط في أثاثه التّراثيّ: "قاموا بهذا العمل وفي حساب أنفسهم أنّهم أذكياء، إذ ينالون ربحا وفيرا مقابل أثاث هيّن مهمل في حين أنّ ما قاموا به هو البله عينه وإنّهم في الجهالة يغوصون" (ص9). ولا يفوته إبداء رأيه في بعض مظاهر الحياة اليوميّة ممّا رآه معطّلا لتقدّم المجتمع وخاصّة ما يتعلّق ببعض الممارسات القديمة. وما كان نقده إلاّ لإحساسه بالمسؤوليّة تجاه العالية وتجاه أهلها.

كلمة ختام

هكذا جاء الكتاب كما قال صاحبه: "أسدّ به فراغا رهيبا مخجلا". وبهذا سلّم المشعل لأجيال بعده بأن بذر البذرة الأولى في صميم واقعنا وطوّع لهم المادّة الأوّليّة لصياغة تاريخ العالية ومزيد الاشتغال على صفحات منه، المشرق والأقلّ إشراقا، ولكن من الأكيد صفحة أخرى تؤصّل الإنسان في أرضه وتفتح أمامه مزيدا من الضّوء لغد أفضل يكون فاعلا فيه.

هذه بذرة أولى أنبتها معلّمنا الفاضل وابن العالية البارّ، معلّمنا سيّدي الطّاهر البليدي، وسقاها بسنوات طوال من عمره وغايته جيل يريد له الصّلاح وأن يجني القطوف الدّانية من أرض طالما أعطته، وفتّحت شقوقها عن قلب أرض معطاء، العالية الأندلسيّة، الضّاربة في عمق تاريخ الإنسان، أوزاليس الرّومانيّة، وصرحها المتين، وربوع النّضال الوطنيّ ضدّ الاستعمار، وأرض الأدب والشّعر والمالوف الخصبة على الدّوام، ذات القطوف الدّانية

من بنت العالية إذْ تنفّست... وهيبة ڤويّة

= = =

الهوامش

[1] أهل العالية، ويطلق عليهم أيضا العَلْوِيّة.

[2] نبات شوكيّ لا يُزرع إلاّ في العالية ويُستعمل في صناعة الشّاشية.

[3] الشّاشية وهي "طربوش" خاصّ لونه أحمر قرمزيّ يلبسه رجال تونس أو أسود ويلبسه رجال ليبيا وهو أيضا يصنع في تونس. وصار اليوم بألوان مختلفة ويلبسه الرّجال والنّساء ضمن إحياءالصناعات التّقليديّة.

[4] تخزين المؤن بأنواعها. وهي نشاط تحافظ عليه المرأة في العالية إلى اليوم.

[5] عيون المياه العموميّة والحنفيّات الّتي يتزوّد منها الأهالي والعابرين بالمياه الصّالحة للشراب.

[6] تشتهر العالية إلى اليوم بكثرة الحمّامات العموميّة والّتي يغتسل فيها الأهالي على الأقلّ مرّة في الأسبوع، وغالبا أكثر من مرّتين.

[7] وهي مخابز ظلّت إلى فترة قريبة تعمل بالحطب على الطريقة التّقليديّة. بقي منها اليوم مخبزة واحدة حافظت على طابعها الأندلسيّ. وهي ببطحاء الجامع العتيق الّذي أسّسه الأندلسيّون في 1607 ميلاديّا.

[8] حرب الجلاء الّتي انتهت بخروج آخر جنديّ فرنسي من بنزرت بشمال تونس وإليها تنتمي العالية وذلك في 15 أكتوبر 1961.

[9] مؤرّخ وعالم آثار ومختصّ في الدراسات الموريسكيّة، وتستور مدينة أندلسيّة بولاية باجة، بالشمال الغربي التونسي.

غلاف كتاب الطاهر البليدي عن مدينة العالية

البليدي، الطاهر. العالية: تاريخ وآثارٌ وحنين. مطبعة شعلان، تونس، 2017.

في 8 أفريل (نيسان) 2017، احتفت جمعيّة سعد بن معاذ ونادي الشاعر أبو لقاسم الشابّي بصدور الكتاب بتنظيم أمسية في مدينة العالية جرى فيها تقديم الكتاب، وتحدث فيها مؤلفه. الصورة أدناه من صفحة الجمعية في فيسبوك.

صورة من احتفال بصدور كتاب الطاهر البليدي

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3222966

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC