غفار شيماء - الجزائر

شجرة اللوز

شيماء غفارثمة ما يخبرني أنه علي أن أكتب الحزن دوما، وأجعل من أحرفي تلك مرآة كبيرة تعكس انكسارات القلوب وصخبها.

من قال إننا نقرأ لنفرح أو نستريح؟ نحن نقرأ لنقارع الحزن؛ و خير أسلوب للمواجهة هو الاعتراف. علي أن أفهمهم أنهم بشر لا أكثر، وأن عليهم أن يدركوا أن عقارب الساعةِ سامة، تودي بساعاتِ العمر وتقرب الموت.

ثمة ما يخبرني أنه علي أن احكي للآخرين حكاياتِ زرعت في صدري، ونبتت شجرة لوز لا تهدي عطرها سوى العاشقين، ولا تظلل سوى العابرين إلى الموت.

أنتِ بداية الحكاية، حكاية الصبية الجميلة طويلة الشعر التي ربتت على كتفي حين كنا صغارا فضحكت، وتسربتْ جديلتها السوداء بخفةِ إلى قلبي كشعاعِ نور، كمنارة بيضاء، صديقتي التي لا يشبهها أحد من البشر، الفريدة في الجمال والوحدة والحبِ والصفاء، تلك التي علمتني أن ارسم أول زهرة وخطوت معها برشاقة على صفحاتِ الكتبْ، صديقتي التي ماتت لأنها تخاف الوحدة واغلقتْ عينيها لأنها تخاف الضوء.

كنت صغيرة عندما فقدتكِ، صغيرة جدا عندما تعلقت بكِ، وما أدركت يومها أني أضع قلبي بين يدي غريبة راحلة. بعدها انتظرتك أياما لتأتي، مرت الأيام وتعلمت منك مجددا، علمتني معنى الفقد. هكذا كان على كل شيئ أن ينتهي.

تساقط حبي من شجرةِ مارس، وبرد الفقد أشد من برد يناير، كذبة أبريل التي أخبرتني فيها أنك لن ترحلي دامت طويلا، وخريف الحبِ لا يزهر ولا يمطر، والأعياد لم تكن فرحا بالنسبة لقلبي المتعب، كانت فقط خالية منكِ.

أفكر اليوم بعد أعوام طويلة أنه علي أخيرا أن أتخلى عن التنفس لأن أحدهم لم يستطع تدفئة يدي الباردة، لأن جسدي لا يشبهني، ولأن الموت يأكل خلايا قلبي ويشتهيها، ولأن ظهري لم يعد يتحمل انكسارات أخرى، وجـبـيرة الصبر لم تعد تكفي، والحزن أصبح أثقل بكثير مما كنت أظن، وعلي دوما أن أتظاهر بأن حزني أقل مما أشعر به.

كل هذا يحدث اليوم لأنك يوما غرستِ في قلبي بذرة اللوز اللئيمة وأخبرتني أن الله سيسقيها ليكبر الحب والحنين، الحنين للراحلين الذين لم يعودوا هنا، وأنه علي ألا أبكي أبدا، وأن امسح الدمع بقبلاتِ فرحك، ما دامت تجمعني بكِ سماء وأرض ورب.

كان علي أن أكتب رسائل طويلة إليك ليحملها ملاك الرحمة، رسائل أخبرك فيها عن مدى انكساري في غيابك عني وأن الريح في الجوار باردة وأنا لا ظهر يحميني، وأنني في كل يوم أشعر بالغربة، وكلما فكرت فيكِ علمت أخيرا أنني لا أنتمي سوى للموت، سوى إليكِ أنتِ.

كان علي أن أخبرك أنّ الأحلام لا تتحقق حينما ندونها وأنّ الفرح بدونك مر كالعلقم وأن الحزن يقتحم قلوب الطيبين خاصة، وأن البشر ليسوا بالدفء الذي تظنينه.

كان علي أن أعتصر قلبي لأخبرك عن كمية الوجع في داخلي، وأن الأيام طويلة جدا وأنني أصبحت عاجزة على المضي قدما إليكِ.

كان علي أن أنفخ في يدي الصغيرتين أكثر لأشعر بالدفء وأسربه إلى جسدك النحيل البارد لتصبحي حية أو أن أتخلى عن الحياةِ لأضمك وأخبرك أنك استثنائية وأنني مكسورة الداخل ولم أعد أتحمل حزنا آخر.

كان علي أن أكتب إليكِ طويلا أكثر لأشعر بالمرارة في حلقي، واحس بأن جزءا في داخلي يموت حتى أعتاد عليه مجددا، أولم أخبرك أن الموت موت للأحياء من نوع آخر؟

أنا يا صديقة لم أكن أعلم معنى الموتِ حينها، ظننت أن للراحلين طريقا تجمعهم بنا في النهاية، ظننت أنك ستأتين إلى قلبي حينما يـحتاجك، والحزن يطرق باب قلبي دون الفرح وصوتك البعيد لا يسمع أبدا. لا يسمع.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3096091

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC