شيماء غفار - الجزائر

وكبرت كرمل

شيماء غفارعام يليه عام. عمر جديد في وسط عمر حالك. أمل آخر وجراح كثيرة. تلك هي حكايتي الطويلة جدا.

على مقعد يشبه مقعدي هذا في مكان ما وراء البحر على الضفة الأخرى، جلستْ امرأة أربعينية تشبهني، بشعر أسود حالك وعيون بنية واسعة، ونظرات ثاقبة وراء نظارة برؤية مشوشة، ترى ما وراء الأشياء التي تحتل مركزا آخر من دماغها، تسمع الراديو على إشارة مشوشة، بصورة رتيبة جدا.

أم كرمل كما يسميها الجيران والأقارب، لقب وهبته لابنتها الوحيدة التي أرادتْ منها أن تكبر و تصبح حلمها الشاهق.

كرملْ: أي اسم ذلك الذي اختارته لي والدتي؟ لطالما تساءل رأس تلك الطفلة الصغير جدا حينما كان يظن أن العروبة أكبر من مجرد اسم لأم ثائرة وأرملة شهيد في وطن فاض دما منذ سنوات مضت، ثم كبرتْ كثيرا. أصبحت تعي أن اسمها عار فاضح وخطيئة كبيرة حملتها وهي صغيرة، في انتظار أن يصبح ذات يوم شرفا عظيما.

كرمل حيث برتقال يافا يبدو شهيا جدا، وبحر حيفا على الأفق البعيد يبدو أنيقا كعادته. كرمل حيث يتجه المرء في رحلة طويلة بعيدا عن الحاجز المحتل في طبريا بعد أن أنهكه التعب من كثر الوقوف على تلة جبل قاسيون أين تبدو الشام كلوحة سريالية معقدة.

كرملْ حيث تعلمتْ الصغيرة أن تصبح وطنية، ثائرة مع سبق الإضرار، عربية بعيون سوداء واسعة، وشعر منسدل على كوفية أهداها لها شهيد عراقي مع صورة بوستر لحدائق بابل كتب عليها "أنا عربي". كانوا كثرا، و كرمل لم تكن شيئا سوى صرخة أمل ماتت لتحيا من جديد.

نحن كثر، أكثر من ما يجب أن يحمله العالم. ربما لذلك غيمة الموت تمطر في مدننا العربية قذائف تقتات على أرواح الذين لم يعيشوا بعد.

كانت العروبة تعني لها أكثر من وسادة مبللة بالدموع و محاولة انتحار لا تنجح أبدأ وتلفاز بشاشة كبيرة ليس يحمل في جيبه سوى الكثير من الأخبار العاجلة الحمراء.

العروبة حيث الوطن مؤجل أو مفقود، العروبة حيث جبل من العار وركام من الأحداث المتكررة و ألف نجمة تسقط من سم الخيبة على ضفاف نهر الموت الذي لا يشبع، العروبة حيث قطار الحياة يتوقف عند محطة الثورة ولا يمضي بعدها أبدا.

كم كبرت يا كرمل؟ كم حلما أجهضه وطن لطالما تغنيت به وغنيت له؟

كبرت بمقدار عمر آخر، أهدتني الحياة أعمارا لآخرين لأشهد وراء النكسة نكسة، ووراء الخيبة خيبات، كبرت وبعض العمر عقاب و لعنة، وبعض الموت رحمة و حياة، كبرت بعيدا جدا عن وطني، في الغربة حيث لا أطفال يلعبون بالوحل، حيث لا ضحكات تحت شجرة الزيتون، حيث لا رائحة لخبز التنور وحيث يصير المنفى وطنا كبيرا، و تصبح الثورة حلما غائبا.
كبرت و أحلامي تبتعد، وظهر يدي الذي رسمت عليه صورة جيفارا أصبح مجعدا، و العيون الواسعة أصبحتْ قليلة الحيلة، ضيقة الأفق، بخيلة الدمع.

كبرت على صوت الرصاص الذي استبدل بقذائف الهاون، كبرت حتى رأيت الخيمة في لبنان زورقا في عرض البحر يسيره الموج نحو الموت و بقايا العيون العربية تتفرج و تصفق.

كبرت على العمر الذي كان فيه البحر يدا هلامية تقذف الزوارق الورقية التي نصنعها وندفن في جوفها أمنية مستحيلة بعيدا عن الأعين، لنغفو ونحن ننتظر أن تجيبنا السماء، وأصبحت في عمر ترمي فيه يد البحر ما تلقفه الموت و ألقته مرارة العيش في وطن أجوف باع لأجل الحرية كل من فيه.

كبرت للدرجة التي أصبح فيها الشعب فرعونا ينجيه الله بجسده ليكون آية، ورأيت أبواق الهجرة تعلو تنادي بالهرب من حكام ظلموا إلى شعوب لا تشبهنا لا يظلم عندها أحد.

كبرت أول مرة حينما ورثت عن تلك التي ضاع عمرها وهي تنظر إلى التلفاز والنافذة والأرض الصماء في انتظار أمجاد لن تعود عروبة عاقرا أحملها على كتفي، أنام لتصحو، و تصحو ليعلو صوت الضمير في داخلي.

وضاع عمري و أنا أنتظر نبوءة أخبرتني فيها ذات صباح بأن المساء لعودة الغائبين، ومن وقتها و كل أيامي مساء على أمل أن يأتي وطني وهو يحملها كما أخذها مني محمولة آخر مرة.

وثاني مرة حينما علمت أن الوطن بيت ريفي، و جبل من الحب ينمو بمحاذاة قلبي لكليهما، وجبل الحرب بعيد جدا، والجبال لا تلتقي أبدا إلا حينما تدك فتصير ترابا واحدا.

لطالما أقنعتني بأن الوطن أم ثانية و الأم حانية لا تقسو، و الوطن أب لم أعرفه يوما، و حين فقد الأب تتكسر الظهور، و أنا انكسر ظهري مرتين، و بحثت طويلا عن وطن حضن يحمل أوجاعي دون أن أجد.

وحينما كنا في الحب ثلاثة، جنى الحبيب الوطن على حبيبه أمي تحت ناظر الثالث قلبي الذي تلقفته الصدمة وألقت به إلى أرض لا يعرف سماؤها، الوجوه المارة في المحطة لا تشبهني، والسماء التي تعلو رأسي لا أريد أن أعرف اسمها، وهل للسماوات أسماء؟ أجل، بعدد النجمات الحالمات فوق رأسي الكبير الذي أصبح أكبر من يصحو بالكامل، والنجمات هنا فوق سماء لا أعرفها، وعددها ضخم جدا، أمضي عمري وأنا أحاول حصرها ولا أستطيع..

وكبرت مرة أخزى حينما دفنوا قلبي جوار جسدها، وبعد مراسم العزاء نهضت هي وبقيت أنا أنتظر و أعلم أنها كاذبة فبعض الغائبين لا يعودون أبدا.

والآن يا كرمل؟

كطفلة عمياء تسير بخوف ولكن على الرصيف الخطأ ،كعصفور يغرد فوق رؤوس الراحلين، كأمنية دهسها حاكم ظالم خوفا من أن تكبر فتبتلعه، كشمعة وحيدة متفردة أطفأتها ثورة مراهقة بألف لتر من الدم، كرائحة الياسمين من أقسى نقطة في الشام، كرائحة برتقال حيفا، كبحر يافا الشاسع جدا، كعنب الخليل و قداسة الشام، كعراقة حدائق بابل، كآثار تدمر المدمرة، لا زلت أعيش على الفتات الذي لا يصلح إلا للموت. أصبحت كمن انفجر فيه لغم متأهب، مجرد شظايا حادة ، كومة ملح، جذع صبار لا أحد يريد لمسه.

في الركن البعيد الهادئ من الغرفة الباردة على الضفة الأخرى من البحر أجلس وحيدة شاخصة، أتذكر امرأة أربعينية تشبهني، قالوا إنها انتحرتْ بجرعة مفرطة من خيبة أوطان قست عليها. سماها الجيران أم كرمل، وكتبوا على شاهد قبرها: هنا ترقد العروبة بسلام، أم لفتاة عاق مهاجرة اسمها كرمل.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3203787

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC