مختارارت: إيمان البقاعي - لبنان

محمود سامي البارودي والشعر

كتاب «محمود سامي البارودي: الشركسي الذي حمى اللّغة العربية»

إيمان بقاعيإن سألنا لماذا قال البارودي الشّعر؟ فلأن الشّعر وُلد معه، ولأن الشّعر لا يمنح مفاتيحه إلا للرَّاقين، وهو منهم. ولأن الشّعر كان "غرامًا" عنده، ما قدر على إخفائه؛ ولأن الشّعر خلَّصه من كل أوجاعه فسرى به عن نفسه - كما قال في مقدمته - فإن كان لم يرجُ منه غنمًا، ولا تذرَّع به إلى وجه ينتويه[1] في غايات دنيوية ضحلة، فهو لا ينكر أنه يريد مِن وراء شعره خلود الذِّكر وطيبه:

سيذكرُني بالشّعرِ مَنْ لم يلاقِني = = وذِكْرُ الفتى بعد المماتِ مِنَ العُمْرِ[2]

وهذا الذِّكر الطّيب خلود يطمح إليه:

سيبقى به ذكري على الدَّهرِ خالدًا = =وذكرُ الفتى بعد المماتِ خلودُه[3]

فإن هو فخر بشجاعته ونسبه وشعره وقومه، وعرف أن له الفضل في عصر ولي فيه القول في أن يكون متقدمًا، فهو يعرف أنه شاعر مجيد وفارس مجيد وعاشق مجيد وإنسان عريق:

فما كلُّ مَنْ حاكَ القصائدَ شاعرٌ = = ولا كلُّ مَن قال النَّسيبَ مُتَيَّمُ

فإن يكُ عصر القولِ ولَّى فإنني = = بفضلي وإنْ كنتُ الأخيرَ مقدمُ[4]

فالأخير زمنًا لا يلغي قانون التّقدم، بل ربما يؤكد نظرية التَّطور، فالشّاعر يفخر بتقدمه رغم أنه جديد زمنًا ويفخر أنه بزَّ القدامى وتقدم:

وما ضرَّني أني تأخرتُ عنهم = = وفضليَ بين العالمينَ شهيرُ

فيا ربما أخلى مِن السَّبْقِ أوَّلٌ = = وبزَّ الجيادَ السَّابقاتِ أخيرُ[5]

أبعدُ مِن كون البارودي: "رأس مدرسة إحياء الشّعر العربي"

محمود سامي الباروديلقد كان البارودي الجواد السّباق، يشهد له شعره ويشهد له النّقاد والشّعراء ومحبّو اللّغة العربية. لقد ظهر محمود سامي البارودي في زمن كانت اللّغة العربية تحاول جاهدة إثبات ذاتها واستعادة ألقها وتخليص وجهها مما علق به من غبار الوهن والركاكة التي فرضتها قرون مِن الضّعف والتَّردي وتسلط الأجنبي، وقتَ كانت التركية لغة مصر الرسمية رغم أن التَّعليم الحديث فيها كان قد بدأ يخطو خطواته الأولى. أما دراسة الأدب واللّغة، فكانت قاصرة على الأزهر بمناهجه وأساليبه القديمة التي لا تعين على تكوين ذوق أدبي ولا صقل موهبة شعرية.

ورغم التحاقه بالمدرسة الحربية التي كانت الدّراسة فيها باللّغة التركية وتخرج منها في السّادسة عشرة من عمره، فقد بدأ نظم الشّعر العربي فيها في الوقت الّذي كان فيه أبناء زمانه مِن المصريين يتحدثون بالعامية لأنهم لا يحسنون الحديث باللّغة العربية. ظهر البارودي في زمن كان فيه جلّ الشّعر المصري يرفل في ثياب الصّنعة والمحسنات ويخوض بحر التّزلف والنّفاق. أدواته المبالغة والتّزييف والكذب ولغته ضعيفة وأساليبه متهالكة ومعانيه وصوره سقيمة ومبتذلة.

ومع أن البارودي لم يدرس اللّغة العربية في كتبها المتخصصة، بل أخذها مِن مصادرها الأصلية كما كان يفعل الشّعراء القدامى عندما كانوا يخرجون إلى البادية لأخذ اللّغة مِن أفواه الأعراب.

وفي ذلك يقول أستاذه حسين المرصفي: "البارودي لم يقرأ كتابًا في فن مِن فنون العربية، ولكنه كان يستمع لمن له دراية وهو يقرأ بعض الدّواوين أو يقرأ بحضرته حتى تصوّر في برهة يسيرة هيئات التراكيب العربية فصار يقرأ ولا يكاد يلحن".

ولم يكتفِ بذلك، بل قد مدّ يده إلى مخطوطات دواوين الشّعراء الكبار والشّعراء الفرسان في العصور العباسية والأموية والجاهلية يقرأ فيها بنهم وشغف ليجد نفسه في عالم أدبي ولغوي وشعري يختلف عن العالم الّذي يعيشه الشّعر في مصر آنذاك.

في ذلك الجو تشكّلت شخصيته الأدبية، وتكاملت أدواته الشّعرية، فإذا بشعره مختلف كل الاختلاف عن شعر عصره، روحًا ولغة وأسلوبًا ومعاني وصورًا وأنساقًا بلاغية، فإذا نحن أمام شاعر يعيدنا إلى العصور الذَّهبية للشّعر العربي ويذكّرنا بفحول الشّعراء العرب مِن المعري إلى المتنبي إلى الشريف الرضي إلى أبي تمام إلى البحتري إلى أبي نواس إلى مسلم بن الوليد إلى بشار بن برد؛ فهو يعارضهم ويروض القول على منوالهم ويتمثل قصائدهم وتجاربهم ويعيد لنا معاجمهم الشعرية وأساليبهم ومعانيهم، وصورهم وقوافيهم وأوزانهم وكأنه واحد منهم، ينتمي إلى القرن الخامس أو الرابع الهجري، وليس إلى القرن التّاسع عشر، فكأنه يعيش في صحراء نجد أو جنوبي العراق.

[...]

[أدناه بعض ابيات من قصيدة للبارودي تتطابق وزنا وموسيقى مع قصيدة للشاعر أبي تمام]:

وَاطُولَ شَوْقِي إِلَيْكَ يَا وَطَنُ = = وَإِنْ عَرَتْنِي بِحُبِّكَ الْمِحَنُ

أَنْتَ الْمُنَى وَالْحَدِيثُ إِنْ أَقْبَلَ = = الصُبْحُ، وَهَمِّي إِنْ رَنَّقَ الْوَسَنُ

فَكَيْفَ أَنْسَاكَ بِالْمَغِيبِ وَلِي = = فِيكَ فُؤَادٌ بِالْحُبِّ مُرْتَهَنُ؟

لَسْتُ أُبَالِي وَقَدْ سَلِمْتَ عَلَى الدْ = = دَهْرِ إِذَا مَا أَصَابَنِي الْحَزَنُ

ليتَ بريدَ الحمامِ يخبرني = = عنْ أهلِ ودى فلي بهمْ شجنُ

أَهُمْ عَلَى الْوُدِّ، أَمْ أَطَافَ بِهِمْ = = واشٍ أراهمُ خلافَ ما يقنوا؟

فإنْ نسوني فذكرتي لهمُ = = وَكَيْفَ يَنْسَى حَيَاتَهُ الْبَدَنُ؟

= = =

المراجع:

[1] مقدمة ديوان البارودي، ص 35.

[2] الديوان، ص 203.

[3] الديوان، ص 150.

[4] الديوان، ص 607.

[5] الديوان، ص 208.

= = =

المزيد عن البارودي في وشعره على موقع الكاتبة، د. إيمان البقاعي.

https://emanbekai.wordpress.com/freebooks/research

موضوع ذو علاقة في هذا العدد:

ريادة شعر الإحياء: بين الأمير عبد القادر والبارودي. بقلم الطيب عطاوي.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3258609

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC