د. نصرالدين شيخ الدين عثمان - السودان

موضوعات شعر العقاد/ج2

أضواء على موضوعات شعر العقاد - الجزء الثاني

.

العقاد المفكر والفيلسوف

نصر الدين شيخ الدين عثمانيكشف شعر العقاد عن جانب آخر بارز في شخصيته ونعني بذلك شخصية المفكر والفيلسوف. وقد حاول الدكتور زكي نجيب محمود أن يستشف فلسفة العقاد من خلال شعره[24] فقال:

"إن فلسفة العقاد روحانية، سواء أكان ذلك في نظرته إلى الوجود أم كان في نظرته إلى وسيلة الإنسان إلى معرفة ذلك الوجود، فالكون عنده روح نلمسها بيد من المادة أي أن الروح هي حقيقة الوجود، والمادة وسيلتنا إلى معرفتها، فكأنما هذه الطبيعة بكل ما فيها السنة تنطق بالروح الكامنة وراءها، وهو كثير ما يشير إلى ذلك الأصل الروحاني الكامن المبدع الخلاق بكلمة "الحياة" لأنه هو "الحي" الذي ندركه عن طريق الحياة التي تدب في أوصالنا فالحياة المطلقة اسبق وجودا من الحياة المتجزئة في الكائنات الحية التي نحن من أفرادها"[25].

يقول العقاد في هذا المعنى:

لولا الحياة لما تمنت = = حفل زينتها الطبيعة

ولما تمنت أن ترى = = من نفسها الصور الرفيعة

فرأت حلاها في رياض = = الزهر حالية مريعة

ورأت صباها في وجوه = = الحسن والغرر البديعة

ورأت سناها في مصابيح = = السماوات الوسيعة

وتناضلت بيد الفتى = = وحبت بأطراف الرضيعة

وترددت في صارع = = بين السباع وفي صريعة

في الثلج نابضة وفي = = ريح السموم لها طليعة

ورأت قواها في الرياح = = الهوج واللجج الدفوعة

ورأت نجىّ ضميرها = = في النفس مبصرة سميعة

والعقاد مثله مثل الفلاسفة في كل زمان ومكان يبحثون عن الحقيقة ويلتمسونها ويحاولون الاهتداء إليها فهل أدرك العقاد الحقيقة[26]

أين الحقيقة؟ لا حقيقة = = كل ما زعموا كلام

الناس غرقى في الهوى = = لم ينج غُرٌ أو أمام

إن الحقيقة غادة = = كالغيد يضمرها اللثام

كل يهيم بها فان = = لاحت لهم صدوا وهاموا

كم اشرف الحق الصراح = = فأعرضت عنه الأنام

والناس لو تدري خفافيش = = يطيب لها الظلام

لاحق إلا أنه لاحق = = في الدنيا يُرام

ويتابع العقاد أبا العلاء المعري في بعض أفكاره وآراءه، فقد رأى أبو العلاء أن من يجيئون إلى هذه الحياة لا ينعمون فيها بالراحة، ويقطعون عمرهم في شقاء ونصب، ولذلك كان يرى الخير في أن يتوقف الناس عن الإنجاب رحمة بأبنائهم وفي ذلك يقول:

كل على مكروهة مبسل = = وحازم الأقوام لا ينسل

فسل أبو عالمنا آدم = = ونحن من والدنا أفسل

لو تعلم النحل بمشتارها = = لم ترها في جبل تعسل

ويقول في المعنى نفسه:

وإذا أردتم بالبنين كرامة = = فالحزم اجمع تركهم في الأظهر

عباس محمود العقادويلتقط العقاد هذه الفكرة فيكتب قصيدة في صورة حوار بين المعري وابنه، فالأب لابد لا يريد لابنه أن يخرج للحياة حتى لا يتعذب، والابن يخالفه الرأي ويريد أن يخرج من عالم الظلام الذي يعيش فيه إلى عالم النور ويستمر التحاور بينهما حتى يقتنع الابن بآراء أبيه ويرضى بالبقاء في عالم الغيب:

يا أبي طال في الظلام قعودي[27] = = فمتى أنت مخرجي للوجود

طال شوقي إليه فاحلل قيودي

يأبى عالم الظلام مخيف = = ليس يقوى عليه طفل ضعيف

فاجزني من ظله الممدود

مالوجوه الحسان؟ مالنور مالدرارى؟ مالفلا؟ مالبحار؟

إنّ دأب الوليد حبُّ الجديد

لي جدود وليس لي أبوان = = ولئن شئت إن فيكم أواني

وتمليت قسمتي في الوجود

ويجيبه الأب:

شرها يا بني شر ثقيل = =خيرها يا بني خيرٌ قليل

أهلها يا بني أهل حقود

قف بباب الحياة لا تدخلنها = = واعتصم يا بني ما أسطعت منها

سوف ألقاك فانتظر بالوحيد

وتمتزج نظرة العقاد للموت بالفلسفة، فهو لا يريد أن تكون جنازته حفلة صامته، بل يريد ان يحل الطرب والغناء محل البكاء[28]

إذا شيعوني يوم تقضى منيتي = = وقالوا أراح الله ذاك المعذبا

فلا تحملوني صامتين إلى الثرى = = فإني أخاف اللحد إن يتهيبا

وغنوا فان الموت كاس شهية = = وما زال يحلو أن يغني ويشربا

وما العيش إلا المهد مهديني الردى = = فلا تحزنوا فيه الوليد المغيبا

ولا تذكروني بالبكاء وإنما = = أعيدوا على سمعي القصيد فأطربا

وتعد قصيدته "ترجمة شيطان" علامة بارزة في شعرنا الحديث، فهي تتجاوز النطاق "المحلي" إلى نطاق "إنساني" رحب ولعلها لا تقبل أهمية عن قصيدة اليوت "الأرض اليباب" أو غيرها من الأعمال الإنسانية الخالدة، يقول الدكتور زكي نجيب عن قصيدة العقاد[29]:

"ولست أشك لحظة واحدة في أنه لو كانت هذه القصيدة قد نُظمت بالإنجليزية أو الفرنسية واتخذت موضعها من تاريخ الأدب الأوربي لما ذكرت تلك الآثار بما بينها من طابع مشترك إلا وتذكر في طليعتها قصيدة "العقاد" لأنها منطبعة بالطابع نفسه عسرا وعمقا واتساعا وانطوائية تزدري أن تتوجه بالخطاب إلى عامة القراء فهي وحيدة نوعها في الشعر العربي كله، وهي آية فريدة تستطيع أن تجمع حولها خيوط عصرها، كما هي الحال دائما بالنسبة إلى الآثار الأدبية الكبرى، فانظر كم قيل –مثلا– عن "الأرض اليباب" وكم قيل عن "يولسيز" من حيث قطبان يدور حولهما أدب العصر، فهكذا كان ينبغي أن يكون الأمر بالنسبة إلى قصيدة العقاد "ترجمة الشيطان" لو أن حركة النقد عندنا سارت عن بصيرة وعن هدى".

كتب العقاد قصيدته في أواخر الحرب العالمية الأولى فبدت القصيدة كما وضعها العقاد في تقديمه لها وكأنها "لفحة من نار الحرب وغيمة من دخانها" وقد ضمنها العقاد ديوانه الثالث "أشباح الأصيل" سنة 1921 وهي قصيدة تزيد عن ثلاثمئة بيت وقد صور فيها حياة الشيطان فيقول[30]:

فإذا الجنة امن وسكون = = كسكون الليل في ضوء القمر

خشعت حتى الشوادي في الغصون = = وصغت حتى وريقات الشجر

ساعة ثم انجلى موقفها = = عن جلال الله فردا في علاه

غابت الأملاك لا تعرفها = = وبدا الشيطان معروفا تراه

وبدا الشيطان معروفا ترى = = كبرياء الكفر في وقفته

عالي الجبهة يأبى القهقرى = = وتؤج النار من نظرته

ويكاد الكون ما بينهما = = يغلب الشك عليه فيبيد

ساعة أخرى وقد حم القضاء = = وانقضى العفو وحق الغضب

ساعة للنحس حلت والبلاء = = ومتى حلت فأين المهرب

والقصيدة لا تقف عند مضمونها المباشر فهي غنية بالإيحاء والرمز، ففيها تجسيد واضح لقضية الخير والشر بمنظورها الفلسفي، وفيها صورة من صورة التمرد والطموح الذين كانا ابرز خصائص العقاد وفيها تجسيد لقضية الحرية التي شُغل بها العقاد[31].

إن أثر الفكر واضح في شعر العقاد، وهذا في حد ذاته يمثل مظهرا من مظاهر التجديد، فشعره من هذه الناحية يختلف عن شعره معاصريه الذين حافظوا على الصياغة العربية القديمة، فكثيرا ما تتغلب فيه الأصداء المنطقية على الأصداء النفسية، وكثيرا ما يغلب جانب المنطق على جانب العاطفة.

العقاد العاشق

وتتجلى شخصية العقاد العاشق في شعره واضحة جلية، ويشغل الشعر العاطفي مساحة واسعة من دواوينه، وهو في جملته انعكاس صادق لتجاربه العاطفية، وإذا كان العقاد قد هاجم المرأة بقسوة في كتبه[32] ومقالاته حتى حاول أن يسلبها اخص صفاتها حين قال إن "تضحيات الأمومة تتساوى فيها مع بعض إناث الحيوان وليست فضلا لها أو فضيلة[33] فإن هذا الموقف يتلاشى تماما في شعره وإذا به يعتذر إليها ويتغنى بصفاتها ويتحمل قسوتها وتدللها، ويسمح لنفسه، وهو الشامخ المعتز بكرامته، أن يقبل يديها اللتين تجرحانه[34]:

أهجوك يا أكرم من امدحُ = = ومن يا طرائي لها اصدح

أهجوك والنسيج أحرى بما = = أجد فيه اليوم وامزح

قاسيه أنت ولكنني = = اُقبل الكف التي تجرح

وأعظم القسوة تلك التي = = يلهو بها المجروح بل يفرح

وما كان لشاعر مثل العقاد أن يقف مثل هذا الموقف، وان يتنازل عن جبروته وشموخه إلا لان الحب أضرم نيرانه في قلبه فأذله كما أذل الجبابرة قبله، وإذا به يلقي كل أسلحته ويتقبل الهزيمة راضيا، وتصبح أغلى أمنياته أن يغمض عينيه في اطمئنان لدى قدميها[35]

أريد التي ألقي سلاحي وجنتي = = إليها وألقاها من اليأس أعزلا

وأطرح أعباء الجهاد وهمه = = لدى قدميها مغمض العين مرسلا

وأنت إذا أقبلت جحفلا = = وجردت أسيافا وشيدت معقلا

فإن تهزميني فاهزمي عن = = بصيرة مريدا لأسباب الهزيمة مقبلا

وما من ريب في أن العقاد عاش تجربة الحب غير مرة، وقد صرح في قصة "سارة" بتجربتين من هذه التجارب، وقد كنى عن صاحبته الأولى باسم "هند" واعترف بأنه كان يحبها الحب الذي جعله ينتظر الرسالة أو حديث التليفون كما ينتظر العاشق موعد اللقاء. وكان يكتب إليها ويفيض ويسترسل ويذكر الشوق والوجد والأمل، فإذا لقيها بعد ذلك لم ير فيها ما ينم عن استياء، ولم يسمع منها ما يدل على وصول الخطاب، وإنما يسمع الجواب باللحن والإيماء دون الإعراب والإفصاح[36].

أما تجربته الأخرى التي تركت أصداء بعيدة المدى في نفسه فكانت مع من سماها "سارة" ويبدو أنه وجد فيها النموذج الجمالي الذي كان يطمع إليه فهو يصفها فيقول[37]:

"لونها كلون الشهد المصفى، يأخذ من محاسن الألوان البيضاء والسمراء والحمراء والصفراء في مسحة واحدة وعيناها نجلاوان، وطفاوان، تخفيان الأسرار ولا تخفيان النزعات، فيهما خطفة الصقر ودعة الحمامة وفمها فم الطفل الرضيع ولها ذقن كطرف الكمثرى الصغيرة، واستدارة وجه وبضاضة جسم لا تفترقان عن سمات الطفولة في لمحة الناظر".

وقد تغنى العقاد بحبه كثيرا، وأصبحت المحبوبة هي المعادل للدنيا، يرى فيها ما يراه في الكون من متعة وجمال وضياء[38].

ماذا من الدنيا لعمري أريد = = أنت هي الدنيا فهل من مزيد

فيك لنا نور ونار معا = = وأنجم زهر وافق بعيد

وفيك روض مسفر عاطر = = وجوهر حر ودر نضيد

ونشوة الخمر إذا قوبلت = = بنشوة منك متاع زهيد

والفن إن لم تك نجواه = =من نجواك لغو باطل لا يفيد

وكل ما في الكون من روعة = = لها نظير فيك حي جديد

وتلك اللوحة النثرية التي رسمها العقاد لسارة في قصته تصادف مثيلا لها في شعره فالجمال يستهويه حيثما كان[39]

ثناياها ثناياها = = وهل ذقت ثناياها

وعيناها، ويا للقلب = = كم تسبيه عيناها

وتلك الوجنة الخمر = = ية السكران رائيها

وتلك القامة الهيفاء = = زانتها زواياها

إذا ما جار ردفاها = = أقام الجور نهداها

وتلك النسمة الحلــوة في ثوب الأناسي

هي الروح الفراشية في النور السماوي

وإذا كان العقاد قد وجد فيمن أحبها مثلا أعلى للمرأة الجميلة بما تنطوي عليه من رشاقة ورقه ودلال، فإنه كان حريصا على أن يؤكد لها أنه يحبها لذاتها لا لجمالها[40]

نبئيني، فلست أعلمُ ماذا = = منك قلبي بحسنه مشغوف

كل حس أراك اكبر منه = = إن معناك تالد وطريف

لست أهواك للجمال وان كان = = ذكاء يذكي النُهى ويشوف

لست أهواك للدلال وان كان = = ظريفا يصبو إليه الظريف

لست أهواك للخصال وان رق = = علينا منهن ظل وريف

لست أهواك للرشاقة والرقة = = والإنس وهو شتى صنوف

أنا أهواك أنت فلا شيء = = سوى أنت بالفؤاد يطيف

إن حبا يا قلب ليس بمنسيك = = جمال الجميل حب ضعيف

لقد ملأ الحب حياة العقاد بهجة وار تواء ’ وأحس في لحظة من اللحظات - أن عمره كله موقوف على من أحبها ’ يقول في قصيدة بعنوان تقويم العـــام:

تقـويم هــذا العــام مــن = = لحظـــاته الأولى لديـك

قـــومي ارفعـيـه وارفعـي = = عنــه الغطاء بـراحتيـك

مـــن يـوم مطلعــه إلى = = رجعاه مـوقـوف عليــك

وإذا انتهـت أيـامـه = = ولكل عام منتهــاه

فعـليـك أنت وداعـه = = وتـرحبيـن بمن تــلاه

ويـحي إذا دار المدى = = ورعيت وحدي ملتقاه

لا لا فهذا يـومنـا = = وغدٌ وبعـد غـد ’حفـاء

أنا مغمض عيـنـي = = ومستمع إلى حادي الرجال

فإذا سمعـت حداءه = = فدعيه يمـضي حيــث شـاء

وكثيرا ما تستوقفه الأشياء التي تبدو بسيطة فيضفي عليها من روحه ويمنحهــا من أحاسيسه ما يبعث فيهــا الحيـــاة. لقــد أهدته صاحبته صدارا نسجت خيوطه وأصوافه بيديهـا. ويتحـول هـذا الصدار في نفـس العقــاد إلى صـورة أخـرى تختـلف عـن صـورته المادية. يقول العقاد[41]:

هـنا مكـان صـدارك = = هــنا هـنا في جــوارك

هـنا هـنا عنـد قلبي = = يكاد يلمـس حبـــّي

وفيـه منـك دليـلٌ = = على المودة حســبي

الم أنــل منـك فكرة = = في كـل شكـة إبـره

وكـــل عُقــــدةِ خيـطٍ = = وكــل جرة بكره

هـــنا مكان صدارك = = هنا هـنا في جـوارك

والقلب فيــه أسيـرٌ = = مطوق بحصـارك

هــذا الصـدار رقيب = = على الفـؤاد قـريب

سليه هل مـر منه = = إلى طـيف غـريـب

نسجتــه بيـديـك = = على هدى ناظـريــك

إذا احتـواني فإني = = ما زلت في إصبعيـك

وحين يمر عام على هـذا الحب يكتب العقـاد قصـيدة بعنوان "بعـد سنة" يقـول فيهـا:

ســنةٌ مـرت ولا كل السـنين

بيــن صــيف من هــوانا وشـتاء

وربيع كلمـا عـام أضاء

والضحى والليل حينا بعد حين

سنـةٌ مرت على روض الغرام

انبتت فيـه فنون الشجر

من رياحين وغرس مثمر

وسل الأرواح ما أزكى الطعام[42]

لقد غير الحب كثيرا من طباع العقاد وسلوكه، فعرف الخوف طريقه إلى نفسه بعد أن كان آمنا مطمئنا وتسللت الغيرة إلى قلبه، تتعاوره أحاسيس كثيرة متضاربة. وتصور قصيدته "جزاء التحدي" هذا التغُّير الذي طرأ على مشاعره:

سليني كيف كنت وكيف صرتُ وقولي ما صنعت وما صنعت

قدرت على الحوادث بعد لأيٍ = = وها أنذا كأني ما قدرتُ

أخاف وكان لي قلب قرير = = فها أنذا إذا صغر النذير

أتوق إلى غد لتراك عيني = = وارجم من يغار بمن يغير

وكانت لي سلالم ارتقيها = = فرادى لا أبإلي ما يليها

فعدت مثنيا عجلا كأني = = أخو العشرين مرتقبا سنيها

وكنت من السآمة لا أبالي = = أذم الناس أم حمدوا فعالي

فها أنذا أسائل ما عساها = = ستسمع فيّ من قيلٍ وقالِ

وكنت هزئت حتى بالجمال = = وحتى بالفنون وبالمعالي

فمالي اليوم لا أرضى بحال = = وكنت الأمس أرضى كل حال

أدرك العقاد في نهاية المطاف أن سارة التي أحبها حبا صادقا ونظر إليها نظرة تقديس واحترام قد تردت وانغمست في حماة الخيانة والرذيلة ولم يسمح الرجل لنفسه أن يكون واحدا من أولئك الذين يستبيحون جسدها، بل لقد تحول جمالها إلى سموم تسري في ضلوعه[43]

تريدين أن أرضى بك اليوم للهوى = = وارتاد فيك اللهو بعد التعبد

وألقاك جسما مستباحا وطالما = = لقيتك جم الخوف جم التردد

رويدك إني لا أراك مليئة = = بلذة جثمان ولا طيب مشهد

جمالك سم في الضلوع وعثرة = = ترد مهاد الصفو غير ممهد

إذا لم يكن بدٌ من ألحان والطلى = = ففي غير بيت كان بالأمس مسجدي

وما من ريب في أن تجربة العقاد مع سارة قد تركت في نفسه جروحا كثيرة، فهو اخلص في حبها ويرى فيها مثالا للطهر والعفاف، ثم يكتشف أنها امرأة خائنة تتلاعب بمشاعره وتمنح أحاسيسها وجسدها لمن تريد، وكانت صدمة كبيرة لأحاسيس العقاد فأصبح يرى في "سارة" الخائنة نموذجا للنساء جميعا وأصبح يرى إن الخداع طبيعة في المرأة وأن الوصول إلى أعمق أعماقها لا يتأتى إلا بخيانتها وخداعها:

خلّ الملام فليس يثنيها = = حب الخداع طبيعةٌ فيها

هو سترها وطلاء زينتها = = ورياضة للنفس تحييها

وسلاحها فيما تكيد به = = من يصطفيها أو يعاديها

وهو انتقام الضعف ينقذها = = من طول ذل بات يشقيها

أنت الملوم إذا أردت لها = = ما لم يرده قضاء باريها

خنها ولا تخلص لها أبدا = = تخلص إلى أغلى غواليها

وإذا كان العقاد قد عبر في شعره تعبيرا دقيقا عن مشاعره وأحاسيسه ووصف بصدق تجاربه فان ذلك يتفق مع ما دعا إليه في كتبه ومقالاته،فالشعر الجيد عنده هو ذلك الذي يعكس حياة الشاعر النفسية وما يختلج خلالها من أحاسيس متضاربة يقول العقاد في مقدمته التي كتبها للجزء الثاني من ديوان شكري:

"إن الشعر حقيقة الحقائق، ولب اللباب، والجوهر الصميم من كل ماله ظاهر في متناول الحواس والعقول، وهو ترجمان النفس، والناقل الأمين عن لسانها"[44].

ونخلص إلى أن هناك تطابقا بين شعر العقاد وبين ما دعا إليه من ضرورة أن تكون القصيدة معاناة شخصية عاشها الشاعر، ولا تحمل أثرا للتقليد، وان التجربة هي تجربة الشاعر وحده وليست تجربة احد سواه، وهي انفعاله وإحساسه هو، ومن ثم تكون التجربة مفردة وينتفي عنها التقليد.

وهذه النماذج التي وردت للعقاد تمتاز بعمق العاطفة، ولا اثر فيها لأعمال الفكر أو المنطق، بل جاءت استجابة لأحاسيسه، وتعبيرا صادقا عن تجربة حقيقية عاشها واكتوى بنيرانها، ولذلك فقد امتازت بسهولة لغتها ورقة ألفاظها.

العقاد الوطني الثائر

وعلى نحو ما صور العقاد في شعره عواطفه الذاتية، صور كذلك أحاسيسه الوطنية والقومية، وقد جذبته الحياة السياسية فترة من عمره، وانضم إلى الحركة الوطنية التي أشعلها سعد زغلول وكان في طليعة الكُتّاب المناضلين وقد ناصره العقاد بقلمه ووقف بالمرصاد لخصومه، وبرز في الجدل السياسي والحملات الحزبية([45].

وفي قصيدة "يوم الميعاد" التي كتبها بعد عودة سعد زغلول من منفاه يعبر العقاد عن فرحة الشعب المصري ويحفزه إلى مواصلة المسيرة لتتويج استقلاله وفيها يقول[46]

ما يبتغ الشعب لا يدفعه مقتدر = = من الطغاة ولا يمنعه مغتصبُ

فاطلب نصيبك شعب النيل واسمُ له = = وانظر بعينيك ماذا يفعل الدأبُ

ما بين أن تطلبوا المجد المعد لكم = = وأن تنالوه إلا العزم والطلبُ

ويقدر للعقاد أن يدفع جزاء وطنيته فيقضي فترة في غياهب السجن، ويلبي زغلول نداء ربه في تلك الفترة، ويخرج العقاد من السجن فيذهب إلى ضريح سعد ويلقي أمامه قصيدته الداليه الشهيرة وفيها يرثي سعدا ويشيد بوطنيته ونضاله فيقول العقاد في قصيدته[47]:

إلى الذاهب الباقي ذهاب مجدد = = وعند ثرى سعد مثاب ومسجدُ

إلى مرجع الأحرار في الشرق كله = = إلى قبلة فيها الإمام موسّدُ

تحيّى من الدنيا التي نستعيدها = = مكانا من الدنيا له العود احمد

خرجت له أسعى وفي كل خطوةٍ = = دعاءٌ يُؤدّى أو ولاءٌ يُرددُ

لأول من فك الخطى من قيودها = = أوائل خطوي حين لا أتقيد

بواكير من حرية أستزيدها = = لديه وقد يرعى البواكير معبد

وأعظم بها حرية زِيد قدرها = = لدن فقدت أو قيل في السجن تُفقد

عرفت لها الحبين في النفس والحمى = = وكان لها حب وان جل مفرد

وكنت جنين السجن تسعة أشهر = = وها أنذا في ساحة الخلد أُولد

ويظل العقاد يستثير الحمية في نفوس المصريين حتى يواصلوا النضال، وكثيرا ما يصل الحاضر بالماضي ويضرب المثل بقدرة مصر على دفع العدوان واستعادة حريتها وكرامتها[48]

إن مصرا تنال من غاصبيها = = أجر بخس وخدعة ومطال

وهي أرضٌ للواغلين عليها = = سطوة أشعبية الإيغال

كل من في جوانب النيل عانٍ = = مستغل الجهود والآمال

كلهم غارس لآخر يجني = = ثمر الماء والثرى والرجال

وإذا ما تفرقوا طبقات = = جمعتهم جوامع الأغلال

فرعونيات العقاد

تتمثل عواطف العقاد الوطنية كذلك في مجموعة من قصائده التي يمكن أن نطلق عليها اسم الفرعونيات وتكاد هذه القصائد تنتظم دواوينه كلها، وفيها يقف أمام ماضي مصر العريق ويستوحي مجدها الشامخ، ويربط ذلك بواقعها المؤلم الذي ترزح فيه تحت وطأة الاحتلال، ويحفز المصريين من خلال التذكير بأمجادهم إلى النضال لتحقيق الاستقلال فمن ذلك قوله في قصيدة بعنوان "هيكل ادفو"[49]

ملك الفراعنة الحماة وخلفوا = = للملك أعلاما بمصر طوالا

تتفوض الأوطان وهي كدأبها = = من عهد نوح تربة ورجالا

فتجنبوا فيها القنوط وأجزلوا = = قسط البنين معارفا وخصالا

وستستقل فلا تقولوا إنها = = صمد الهوان بها فلا استقلالا

ويشيد في قصيدة أخرى بـرمسيس وما أحرزه من انتصارات مدوية، ويسبح في أجواء ذكرياته الماضي ويطيل الوقفة أمام عظمة هذا الفرعون المصري وهيبته ويكاد ينقلنا إلى هذا الماضي السحيق فتتمثله أمام أعيننا وتتابع الصور، فهذه صورة "طيبة" والهياكل حولها آهلة بالمتعبدين، وهذه صورة أخرى لشاعره "بنتاؤر" وهو يتغنى بانتصارات رمسيس فتهتز ساحة القصر، بينما القوم خاشعون أمام مليكهم المظفر، وتلك صورة أخرى لوفود المحتمين برمسيس على اختلاف ألوانهم، ويفيق العقاد من إغفاءته ليقابل هذه الصورة الشامخة بصورة مصر الحاضرة وهي تعاني من الضعف والسيطرة الأجنبية، فتنهمر دموعه مدرارا، يقول العقاد[50]:

لجلال وجهك يا ابن سيتى هيبةٌ = = تعنو لها الآماد فهي هباءُ

لما وقفت لديك زالت أعصرٌ = = بيني وبينك وانطوت آناءُ

وتقشعت عني الدهور فهاهنا = = تلك الديار وهاهنا القدماء

فخر الملوك رجاء عفوك عنهم = = ورضاك اكبر ما ابتغى الأمراء

والأمر أمزك ما قضيت فنافذ = = فيهم وما لم تقض فهو هباء

والنيل يجري حيث سار عليه من = = أجناد عصرك عصبة زهراء

وكأنّ طيبة والهياكل حولها ملئ = = الفضاء أو أهل شمّاء

يشدو بذكراك شيخها ورضيعها = = ويحبك السادات والوضعاء

في كل يوم يستطير جناتهم = = نصر يزف ومدحة غراء

لسمعت "بنتاؤر" ينشد شعره = = فتهز ساحة قصرك الأصداء

ورأيت قصرك في المدائن يحتمي = = فيه الضعيف ويحبت العظماء

والقوم حولك خاشعون كأنهم = = بحمى (أمون) لجمعهم إصغاء[51]

ويقف العقاد وقفتين زمنيتين أمام معبد انس الوجود فيقف أمامه وقفته الأولى في وهج الظهيرة حيث تبدو الشمس آنذاك بأسوان وكأنها شواظ من نار، ويخلو إلى هذا المعبد وقد اتخذ له مكانا قصيا من مصر، حيث شيد هنالك بعيدا عن العمران وأقام فيها مقام الجبل وحوله جبال شامخة على الشطين.

ويلتفت العقاد إلى بلدته أسوان التي يقبع فيها هذا الأثر الشامخ فيصورها وقد اشتد غيظها واستحالت أرضها إلى براكين تقذف بنيرانها وقد طُبع أهلها بطابع هذه الحياة فكأنهم أبناء الشمس الذين يستمدون حياتهم من أنفاسها اللاهبة وقد نشأوا وعاشوا في الأماكن التي عاش فيها أجدادهم الفراعنة:

بلادٌ أدار الله حول ربوعها = = نطاقا وأجلى عن مطالعها السترا

بنو الشمس أهلوها إذا اشتد قيظها = = وجاش على الصحراء فاتقدت جمرا.

بقُرصٍ كأفواهـ البراكين قاذف = = شآبيب ما أحيا وما اقتل القطرا

لقد نفثت فينا الحياة ضرامُها = = فأنفسنا من حرها شعلة حـــرّى

درجنا بحيث الدارجون عروشهــــم = = قيامٌ تناجي في سكينتها الدهـــرا

تلوح على تلك الزمان كأنهــــا = = خُطى الزمن الوثاب تاركه أثـــرا

ويقف العقاد وقفتــه أمام المعبـد وقـد زارهـ ليلا والبدر في عنفوانه، وقد عبر إليه النهر وكأنه عبر إلى الضفة الأخرى من الزمن، ويتأمل المعبد مرة أخرى فيخيل إليه أن الزمن قضى نحبه في جوفه فغدا وكأنه قبر للزمن وبعد أن يقف العقاد أمام المعبد من الخارج يعود فيدلف إلى داخل المعبد لتكون له وقفة أخرى تتكامل بها الصورة من جوانبها وتتباين صورتا المعبد الخارجية والداخلية أشـــد التباين وهنا يبتهل إليه العقاد ألا يبخل عليه بالضوء وهو الذي يغمر السهـول والجبال بالضياء:

صوامعُ "أوزيريس" شُيدّن للضحى = = وفيهن ليل لا يُماط ولا يســـرى

يطير بها الخفاش ظهرا ولم يكن = = يطير بها الخفاش لو عرف الظُّهرا

ترى ألف عام بعد أخرى ولا ترى = = نهارا عليها آخر الدهر مفترا

فيها وجه اوزيريس هلا أضأتها = = وأنت تضئ السهل والجبل الوعرا

فما رُفعـــت إلاّ إليك تجلةٌ = = ولا رُفعت إلا إلى عرشك الشُكرا

تراكم فيهــا يعقب الليل مثله = = ظلام الليالي لا صباح ولا فجـرا

ولست ضنينا بالضياء وإنما لكل = = اله ظلمةٌ تحجب الفكـرا

وربّ إله بالضياء محجّبٌ = = وشمس سماءٍ عينُ ناظرها حسرى

والقصيدة بناء معماري محكم، ويرى فيها مثالا متكاملا للوحدة العضوية التي كانت أحد الأسس التي قامت عليها دعوة العقاد للتجديد في الشعر، فالقصيدة كما يقول العقاد "ينبغي أن تكون عملا فنيا تاما يكمل فيه تصوير خاطر أو خواطر متجانسة كما يكمل التمثال بأعضائه والصور بأجزائها واللحن الموسيقى بأنغامه"[52]، فالقصيدة تقوم على موضوع واحد لا تتجاوزه وتترابط الأبيات فيما بينها ترابطا قويا على خلاف ما نراه في أكثر نماذج الشعر القديم.

موقفه من شعر المناسبات

ومما يتصل بقضية التجديد في شعر العقاد ما يشاع من أن ثمة تناقضا بين النظرية والتطبيق في موقفه من شعر المناسبات ومن المديح والرثاء بصفة خاصة إذ يقال كيف يهاجم انكباب الشعراء التقليديين على هذه الموضوعات بينما يبقى عليها في شعره والأمر بعد يحتاج إلى توضيح، فالعقاد لم يهاجم هذه الموضوعات في ذاتها بل هاجمها باعتبارها تحقق عند هؤلاء الشعراء مثلا أعلى مرسوما، بحيث تنطبق قصيدة المديح والرثاء على كل شخص، وهذا يفقد الشعر قيمته وصدقه ويتحول إلى لون من التدليس والرياء، وهذا هو ما قصد إليه العقاد من هجومه وقد أوضح العقاد رأيه في هذه الناحية فقال[53]:

"إن المديح جائز في كل أمة، ومن كل شاعر، فلا ضير على أعظم الشعراء أن يصوغ القصيد في مدح عظيم يُعجب به ولا ضير في ذلك ولكن الخلاف في نوع المديح لا في موضوعه فلن يقال إن للأديب مكانا في الأمة والشاعر مضطر فيها إلى إذلال عقله وتسخير كرامته في مديح لا تسيغه العقول"[54].

ومن هذا المنطلق عدّل العقاد مفهوم المدح والرثاء وشعر المناسبات بحيث تكون القصيدة صادقة ومعبرة عن الواقع ومستمدة من روح صاحبها دون تكلف أو رياء، وهذا ما حاول العقاد أن يحققه في شعره،وقد نجح في ذلك إلى حد كبير، فهو قد مدح سعد زغلول لانه كان يُعجب به ويرى فيه تجسيدا حقيقيا لإرادة الأمة وآمالها وطموحاتها، وقد يقال إنه مدح فاروقا أيضا وفي هذا إخلال بالمبدأ، وهنا نقول إن مدحه لفاروق إنما كان في مطلع عهده عام 1938 أيام كان القوم لا يختلف منهم اثنان على حب فاروق في ذلك الوقت[55]، فمن هذا المنطلق كان رثاؤه.

كما رثا الزعيم الوطني محمد فريد باعتباره مجاهدا أفنى حياته في الدفاع عن كرامة مصر، ومن هنا نلمس عاطفة الرثاء على نحو ما يتضح في قوله[56]:

أطلقتُ وجداني ومثلك يُطلق = = فالنفس تألم والجوانح تخفق

مرت بي الأيام أنكر كلما = = يبدي الخيال وما يعيد المنطق

اجفو الكالم وقد يغوث مكتوٍ = = ناج ويسكت في اللظى يخنق

أسفي عليك وقد تقسمك الضنى = = والشوق والألم المُلحُّ المصعق

في عالمٍ يسع المدائنَ والقرى = = فإذا طلبت الحق فهو المأزق

ما مات قبلك يا فريد مجاهدا = = إلا وأنت السابق المتفوق

وينتقل في قصيدته من الخاص إلى العام فيدعو شباب مصر إلى الاقتداء به في وطنيته ويستنهض همهم للوقوف في وجه الغاضبين:

شبان مصر وما دعوت سوى الألي = = يحيا بهم أمل البلاد ويورق

أيعيش في لهو الرفاهة من له = = من كل صعلوكٍ إله مطلق

لكم الغد المنشود فاعتصموا به = = فإذا استقر لكم أساسٌ فارتقوا

موقفه من قضية التجديد في الأوزان

لم يكن العقاد من دعاة التجديد في الأوزان، إذ كان يؤمن بان العروض العربي قادر على استيعاب هذه التجارب الجديدة، ولذلك فقد حافظ في شعره على الأوزان العروضية ولم يشذ عنها أو يخرج عليها بالرغم من أن له نماذج تندرج في شعر التفعيلة مثل قوله[57]:

البدار ما لنا اليوم قرار

أي صوت ذاك يدعو الناس من خلف الجدار

أدركوها، أطلقوها

ذاك صوت السلع المحبوس في الظلمة ثائر

فهو هنا يتصرف في استخدام وزن "الرمل" فيقصر في الشطور أحيانا ويطيل فيها أحيانا أخرى.

ففي الشطر الأول نجد ثلاث تفعيلات هي: فاعلات؛ فاعلاتن؛ فاعلات

وفي الشطر الثاني أربع: فاعلاتن، فاعلاتن، فاعلات

وفي الثالث اثنتان: فاعلاتن، فاعلاتن

وفي الرابع: أربع تفعيلات

ونجده يستخدم "المزدوج" كثيرا في قصائده ويميل إلى التنويع في القوافي، ولكن هذه المحاولات كلها ليست جديدة إذ نجد لها أمثلة كثيرة في الشعر القديم.

وقد ظل العقاد حتى آخر لحظة في حياته يدافع عن الأوزان العروضية القديمة ويهاجم الشعر الحر الذي يتحلل من الأوزان إذ كان يرى "أن القيود في الفن والشعر جزء من كيانهما، فمن خلال القيود الفنية تظهر عبقرية الشاعر وموهبته الأصيلة[58] وقد دافع عن موسيقى الشعر في كتابه "اللغة الشاعرة" فقال "إن هدم الفن الجميل الذي امتازت به لغة العرب لا يصدر إلا عن عجز أو إصرار على الهدم"[59].

ويجادل مره أخرى دعاة التحرر من الوزن فيقول[60] "ليس في وسع المتحررين أن يحاربوا الشعر القديم بتحريره كما يقولون من الوزن والقافية واللوازم الموسيقية، لأن أوزان الشعر أصيلة عميقة القرار في طبيعة الشعب، كما ترى من أوزان الأزجال والمواويل وتراتيل الفرح والنواح في كل بيئة من بيئات الحضر والريف. وبعض هؤلاء المتحررين يجهل أو يتجاهل معنى العروض فيقول: إنه يزن الشعر بالتفعيلة، وهي كلمة لا فرق بينها وبين ألوف الكلمات في الأوزان العروضية، إذ ليس في اللغة كلمة تتجرد من أوزان التفاعيل بين: فعل وفاعل وفعولن وفاعلاتن ومستفعلن ومفاعيلن وغيرها من مركبات الفعل والإستفعال، وإنما يأتي الوزن من جميع التفعيلات معا".

يؤمن العقاد إذن بأن الدعوة إلى تحرير الشعر من الأوزان العروضية محكوم عليها بالفشل لأن موسيقى الشعر مثلها في ذلك مثل الأزجال والمواويل والأغاني الشعبية محاطة بسياج قوي يمتد عبر قرون طويلة لأنها تستمد وجودها من خلال جذورها العميقة الضاربة بقوة في طبيعة الإنسان العربي، ومن ثم فلا يمكن المساس بها لأنها أصبحت جزءا من حياته وطبيعته وكيانه.

ونلاحظ أن العقاد لا يُفرق في هجومه بين الدعوة إلى التحرر من الوزن على إطلاقه والدعوة إلى بناء الشعر على نظام "التفعيلة" فالشعر في رأيه لا يصلح أن يقوم عليها باعتبارها نظاما مفردا ومن ثم فلا مناص من الالتزام بالأوزان العروضية التي وضعها الخليل وهي قادرة على استيعاب كل محاولات التطور والتجديد.

جدد العقاد إذن في مضمون الشعر تجديدا واسعا كما جدد في شكله حين حقق مفهوم الوحدة العضوية مع المحافظة على الإطار العروضي الموروث، ونجح في أن يضطلع برسالة التجديد في شعره كما اضطلع بها في نقده، فمثل هذا الشعر مفاهيمه النقدية الجديدة خير تمثيل. واستطاع أن يوائم بين النظرية والتطبيق.

وقد وسع العقاد من دائرة الشعر حين خرج به عن إطاره الضيق إلى موضوعات جديدة فجعل كل موضوع صالحا للشعر، ورأى أن كل شيء فيه شعر إذا كانت فينا حياة، وكان فينا نحوه شعور.

يتبين لنا مما سبق أن دعوة العقاد للتجديد قد وجدت لها أصداء واسعة في شعره، فهو لم يحصر نفسه في دائرة التقليد، بل خرج عليها على نحو ما في ديوانه "عابر سبيل" وفي بعض دواوينه الأخرى إذ وجد في الحياة اليومية موضوعات صالحة للشعر لم يألفها الشعراء من قبل، فإذا بالكواء وسلع المحلات وطلعة الخادم العجوز وشرطي المرور ونداء الباعة الجائلين، إذا بذلك كله وغيره يتحول إلى موضوعات شعرية نابضة بالحياة والشعور.

واستطاع العقاد أن يستخلص لنفسه وشعره صورة جديدة فهجر الصياغة الشعرية القديمة التي التزم بها معاصروه وتجاوز نطاق "الغيرية" مثل حياته ومجتمعه وعصره وجدد في شكل القصيدة حين جعلها كلا واحدا لا يتجزأ ولم يمس في تجديده البناء الموسيقى لإيمانه بان العروض العربي قادر على استيعاب كل محاولات التجديد واثبت من خلال محاولاته التجديدية أنه أكثر الشعراء المعاصرين نزوعا إلى التجديد الأصيل.

= = = = =

الإحالات

[24] زكي نجيب، مع الشعراء، 1980، ص 52

[25] المرجع السابق، ص 61-62

[26] ديوان عباس محمود العقاد، ص 129-130

[27] عباس محمود العقاد، وهج الظهيرة، ص 184

[28] عباس محمود العقاد، يقظة الصباح، ص 55

[29] زكي نجيب، مع الشعراء، ص 22

[30] عباس محمود العقاد، أشباح الأصيل، ص 150

[31] احمد عبد السلام ضيف، مع عباس محمود العقاد، ط5، دار المعارف، 1988، ص 152

[32] احمد عبد السلام ضيف، مع عباس محمود العقاد، ص 153

[33] المرجع السابق، ص 154

[34] عباس محمود العقاد، أشجان الليل، دار نهضة مصر للطباعة والنشر، ص 302

[35] المرجع السابق، ص 299

[36] عباس محمود العقاد، سارة، ص 12.

[37] المرجع السابق، ص 93

[38] عباس محمود العقاد، أشجان الليل، ص 12

[39] من تقليد "نشيد الإنشاد"

[40] عباس محمود العقاد، أشجان الليل، ص 316

[41] عباس محمود العقاد، أعاصير مغرب، ص 54

[42] عباس محمود العقاد، أعاصير مغرب،، ص 54

[43] أشجان الليل، عباس محمود العقاد، ص 332

[44] عباس محمود العقاد وقضية الشعر، ص 67

[45] محمد عبد المنعم خفاجي، عباس محمود العقاد بين الصحافة والأدب،مكتب الانجلو المصرية، 1985، ص 262

[46] عباس محمود العقاد، أشجان الليل، ص 20

[47] عباس محمود العقاد، وحي الربعين، ص 111

[48] عباس محمود العقاد، عابر سبيل،، ص 140

[49] عباس محمود العقاد، وهج الظهيرة، ص 190

[50] ديوان عباس محمود العقاد ص 192

[51] ديوان عباس محمود العقاد، ص 192

[52] محمد خليفة التونسي، فصول من النقد عند عباس محمود العقاد، ص 80

[53] عباس محمود العقاد، شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي، ص 18- 19

[54] المرجع السابق، ص 20

[55] نعمات احمد فؤاد، الجمال والحرية والشخصية الإنسانية في أدب عباس محمود العقاد، مؤسسة المعارف، 1983، ص 138

[56] عباس محمود العقاد، أشباح الأصيل، ص 216

[57] عابر سبيل، قصيدة "سلع الدكاكين في يوم البطالة"

[58] عباس محمود العقاد وقضية الشعر، 59

[59] عباس محمود العقاد، اللغة الشاعرة، نهضة مصر للطباعة والنشر، القاهرة، 1995، ص 40

[60] من مقال بمجلة "الهلال" وهي مجلة شهرية تصدر عن دار الهلال وأسسها جورجي زيدان سنة 1892


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3257098

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC