إيناس يونس ثابت - اليمن

رسائل غفران وأمل

صديقي العزيز أمل

عزمت على الكتابة إليك بعد أن طال بي الأرق وقض الليل مضجعي، وساورني الحزن والشك في العودة لليالي الوحدة وجفاف أوراق قلبي فتسقط ورقة إثر ورقة بعد أن غدوت مؤنسا ورفيقا حنونا يروي أيامي ويلألئ سماء لياليَّ، فكيف للأيام بسرقة بهجتي ودفعي للانحدار بعد أن طرت ورفرفت في علياء السعادة؟

أكتب إليك بعد أن صار القمر نديمي في غيابك واليوم احتجب خلف السحب وغسل الدمع آلامي، فسألت نفسي هل الآلام والدموع تزيدنا رفعة؟

كان ضوء القمر يفيض على وجهي وقلبي فيغسل ما به من شوق وأحزان وأجد عنده ما يقوي صبري في غيابك، فأتساءل في نفسي وأسأله: كيف لروح واحدة في الكون أن تكون فرح الإنسان وحزنه وعذابه في الوقت نفسه؟ وكيف تعمى العين عن رؤية غيرها من الأرواح؟ وكيف بالأمس لم تكن في حساب الوجدان شيئا واليوم هي كل الأشياء؟

هل أنت على القدر نفسه من العاطفة والشفافية ليصلك بوحي دون كتابة مع ضوء القمر؟ إن تساءلت عني، فشعورك بالفرح والحزن وقطرة الدمع من عينيك إن سالت وزفرة صدرك بالآهة وما يدور في خلدك يصلني قبل أن يغمرني القمر بشعاعه.

صديقي العزيز أمل

كنت تعجب من هروبي من الرد عليك في بداية تعارفنا، والآن تكف عن الكتابة لي وقد صيرتك الأقدار شريك بوح وتوأم روح اختارته لي السماء بعد أن منعت الأرض لقاءنا وباعدت بين أجسادنا.

كنت بطيئة في الرد عليك، أخاف الاقتراب منكَ خشية تعلق الروح بالروح، فلستُ بالفتاة الصلبة المتجلدة، بين أضلعي قلب يتوق للحنان، يصلي لقطرة منه ليخضر. وما استطعتُ الهروب من القضاء والقدر ولا من حديثك، كنتُ أهرب منكَ إليك، أسأل وأتتلمذ علي يديك، أخطئ وأتوب أمام عتابكَ فأبكي منكَ ثم أضحكُ حين تحنو علي فأفوز برضاك.

كنت تسأل عن الحزن الغافي بين سطوري، والآن أعترف لك: أُغلقت الحياة أمامي وهي الواسعة بلا حد، المنطلقة بلا توقف بصباها وعنفوانها، لكني أجبرت على البقاء داخل صندوق مغلق، أجبرت على العزلة تحت يد السلطة، سلطة الأسد على غزلان الغابة، سلطة بلا وجه حق مغروسة في بعض النفوس وقبرا وقهرا لمن فُرضت عليهم، سلطة تتبرأ منها الشرائع، فمتى تفهم أن لكل روح حقها في الحياة كما أرادت طالما لم تخالف الرب؟

لم أر الحياة كما يجب لها أن تكون بل سمعتُ عنها وصاغها خيالي كما يصنعها خيال الأعمى الفاتن فيزينها ويجملها فلا يعود يرى سوى الجمال والبراءة والفضيلة ولا يطمع في سواها ولا يرتجي، فيصدم إذ قابل بعد هذا غير ذلك ويطبق عليه الحزن وتظلم نفسه، وأنا مثله أرى ببصيرتي وابحث في شقوق الكهف معه عن مبعث نور وملذة ومسرة فلم أجد هذا ولا ذاك، فإذا هي تتمثل في إنسان صنعنا منه أملا مخيطا من نور فكرنا ورجاءنا وتعلقنا به للنجاة.

التعلق بالنجاة غريزة البشر والكائنات ولبنة من لبنات فطرتها، ألم تر كيف يتعلق العصفور المبلول خوفا من الغرق بعود قش؟ وكيف تطلق حيوانات الغاب صوتها إذ ساورها الشك والحذر؟؛ وكيف يتشبث الطفل بأمه ويتمسك بها أكثر من تمسك الحصى بالحصى وسط الجبل العتيد؟

إني متمسكة بك كمثل هذا وأكثر، كيف لا، وأنت طوق النجاة ومزرعة غرستُ فيها ورودا مما تشتهيها كل أنثى شاعرة حالمة، وإني أفوقهن فوق ذلك، وما ذلك بغرور مني فما أحسن الإنسان المدرك لنفسه، وأفوقك أيضا في العطاء وطلبي للحياة، فزدت عليك حسنة، فلماذا منك هذا الجفاء؟

المخلصة: غفران

كتب ردا على رسالتها:

عزيزتي غفران: أتدركين كيف للقمر هالة من الضياء؟ أنتِ لي هذا الضياء، لكن قلبي يعجز أن يفتح بابه، و لا حيلة لي وأنا الدائر من محنة لمحنة.

إني قابض على قلبي كالقابض على جمر بيده، لم تذعُنِ الحياة لنعيمها وبهجتها، وما فتحت لي إلا بابا من البلاء لا يعرفه إلا أشداء الرجال.

وإنكِ لتعرفين من رقة قلبك ما تهمس به الحياة في أذن الواحد منا وما يكابده من لوعة في استقبال هذا الهمس، وإن كان قلبي القوي يقف حدادا في وجه الليالي، فكيف بقلبك الرقيق الغض؟

إني أدرك ما تقولين، ولو ملكتُ زمام أمور الحياة لأرخيتُ قبضتها فوق أنوار اسمك، ومنحتكِ ما لم تمنحك إياه الحياة، فما الوداعة التي فيكِ والرقة والسماحة التي تفيض من شاطئ فؤادك على وجهك النقي الصافي مخلوقة للحزن والشقاء.

المخلص لكِ: أمل

كتبت إليه بعد قراءة رسالته:

قرأت رسالتك مرتعدة كأنك تتحدث أمامي. كنت مدركة أنك لن تجود بما في قلبك، لكن قلبي لا يعرف السكوت والتلون أمام قدرك. ولو كنتَ أمامي لأخرس لساني وفضحتني عيني بما أود ولا أود قوله، واسترسلت الأحرف في الدموع والتنهد، ولما لم تكن تراني فما لروحي جرأة في الانغلاق أمامك.

إن كنت محبوبتك فيسرني أنني النبع الذي لن يجف ونافذة أملك الداعية للحياة وملاكك الحنون وعندليبك وشمسك الوضاءة، العتب مني كماء الجنة الكوثر والرضا مني الكوثر وما حواه.

وإن كنتُ الصديقة وأغلقتَ قلبك أمام الحب فيكفيني أنني سوسنتك والنجم في سمائك ولحن بيت الشعر وأطمع أن أزيد.

ألا ترى أن الحب سيذيب الشتاء عنك ويُدنيك قربا من رؤية الحنان والرحمة؟ فما الحب إلا حنان ورحمة وعاطفة تذوب رقة ونقاء وطهارة فتحيل القاسي الغض هينا لينا، والشاكي شاكرا.

ألا تدرك أن الدراويش المحبين لله الراقصين عند أبواب محبوبهم أقرب للحقيقة من سواهم؟ وما ملأ عينهم إلا هذا الحب نفسه فتركوا له أنفسهم وساروا في رحابه.

والعجب أني صبية ليس لي مولى أو مرشد أو من يحويني في حزني إن تركتني. أفلا أكون أولى بالحزن وقبض القلب منك؟

انتظر منكَ رسالة أخرى انتظار يعقوب ليوسف. وكل أملي ألا تغيب.

المخلصة: غفران.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3310001

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC