د. فاطمة الزهراء صادق - الجزائر

المعارف اللسانية في التعليم

استثمار المعارف اللسانية وتوظيفها في العملية التعليمية التعلمية

إن اللغة العربية هي إحدى اللغات السامية، وتمتاز عن غيرها من اللغات بكثرة مفرداتها اللغوية التي تعتبر الصورة الكبرى للحضارة التي تتميز بها الأمة العربية، وهي خير دليل على مدى خبراتها الواسعة وعمقها، فحينما تكون خبرات الأمة محدودة، تأتي بمفردات قليلة العدد، ضيقة الدلالة، وحينما تتسع خبرات الأمة، وتنضج حضارتها، تتسع لغتها تبعا لذلك، فتزداد ثروتها اللفظية، وتتعدد دلالتها، واللغة العربية تحمل كل هذه الصفات التي تميزها عن غيرها من اللغات.

ويرى تشومسكي أن اللغة تعد تنظيما عقليا معقدا، وأنها أداة تعبير وتفكير في آن واحد[1]. وكثيرا ما يتردد على مسامعنا هذا السؤال: لماذا ندرس اللغة؟ أو ما جدوى دراسة اللغة، طالما أن الطفل الذي لم يتجاوز الخامسة من عمره، يستحوذ على اللغة، ويسيطر عليها سيطرة كاملة دون أن يحس أنه تكبد مشقة ما؟

إن اللغة ظاهرة إنسانية، وهي أيضا حقيقة اجتماعية لا سبيل إلى إنكارها، وهي لغز محير يثير فضول الإنسان، ولا شك أن لكل إنسان الحق في أن يدرس أية ظاهرة إنسانية أو كونية تثير اهتمامه، أو ينشد بها متعة، بغض النظر عما إذا كانت لهذه الدراسة قيمة عملية أو نفع مادي، وبهذا المعنى يتبحر المتبحرون في دراسة التاريخ القديم، وآداب الأمم القديمة[2].

والعلماء في شتى فروع العلم، يهدفون في بحوثهم العلمية إلى ملاحظة الظواهر المختلفة، وتفسير العلاقات التي تربطها بعضها ببعض، وكشف النظام الذي يحكمها. إن هدفهم الأساسي الذي يسعون إليه هو "التنظير"، أما أنهم يقصدون من وراء بحوثهم غاية عملية نفعية، فهذا ما لم يسْع إليه العلماء في أي فرع من فروع العلم، إن هدفهم هو الحقيقة في ذاتها، ومن أجل ذاتها[3].

هذه النظريات والحقائق التي يكشف عنها العلماء، قد يتلقّفها آخرون من المتخصصين، كل في مجاله، ويحاولون أن يترجموا هذه المعرفة النظرية ويحولوها إلى غايات عملية يستفيد منها البشر. هذه الغايات العملية هي ما يسمى عادة "العلوم التطبيقية" مثل الفلاحة والجراحة والهندسة، ومنها "علم اللغة التطبيقي".

والمقصود بعلم اللغة التطبيقي كما يقرر كريستال هو تطبيق نتائج المنهج اللغوي، وأساليبه الفنـية في التحليل والبحث، على ميدان غير لغوي[4]. وعلم اللغة التطبيقي هو أحدث فروع علم اللغة، إذ لا يزيد عمره على ربع قرن، وقد أسهم علم اللغة التطبيقي بسهم وافر في مجالات كثيرة[5].

وهو بهذا المعنى، "تطبيق مفاهيم، ومناهج اللسانيات، على أيٍّ من المشاكل المتعددة التي ترتبط باللغة، وكثيرا ما ارتبط هذا المصطلح بتعليم اللغة الأجنبية، إذْ لقيت مفاهيم اللسانيات خلاله، عددا من الاستعمالات، مثلا: في اللسانيات التقابلية المقابلة النظامية للأصوات، والكلمات، والأنظمة النحوية للغة الأم واللغة محل التعلُّم، مع الانتباه إلى الفروق المهمة التي ينبغي أن يتمرّس عليها المتعلم. ولكن اللسانيات قد أثبتت الفعالية في مجالات تطبيقية متعددة أخرى، مثل تعليم اللغة الأم، صناعة المعاجم، الترجمة، تعليم القراءة، تحقيقات الشرطة والقضاء، وكذا تشخيص وعلاج أمراض الكلام، تعد كل هذه التطبيقات اليوم محاور تشكل مجال اللسانيات التطبيقية، ومثل هذا المصطلح يستعمل من قبل الكثير كمقابل للسانيات النظرية، للتأكيد على الطبيعة العملية لهذا الحقل، وكونه مجالا علميا يتصل بالعالم الواقعي ويقوم على العمل الميداني، وللتأكيد أيضا على طبيعته التجريبية"[6].

نظـريات التـعلم

تسهم نظريات التعلم في إرساء الأسس والمفاهيم النظرية وما يرتبط بهما من آليات فكرية ومعرفية متنوعة لمعرفة خفايا النفس البشرية كما تعمل على تنشيط وتقوية الروابط بين المثيرات والاستجابات وأهم هذه النظريات ما يلي:

=1= النظرية السـلوكية

ارتبطت النظريات الإجرائية بفهم السلوك في إطار المفاهيم السلوكية التي أرجعت أن تغير السلوك مرتبط بالتغيرات في النظام العصبي، والكائن العضوي ككل هو الذي يقوم بسلوك ما. وركزت على السلوك الملاحظ القابل للقياس والتجربة الخارج عن الإطار الفكري المعرفي الذي يتحكم في السلوك، وتقوم على النموذج السلوكي: المثير والاستجابة.

تتناول نظرية التعلم المرجعية المعرفية للمنحى السلوكي القائم أساسا على آلية المثير والاستجابة كما هو شائع عن السلوكيين أمثال واطسون وسكينر وبلومفيلد في مجال الدراسات اللسانية[7]. ويرى بـلومفيلد أن النظرية السلوكية "صالحة لدراسة السلوك الإنساني، لأن التصرفات الإنسانية جزء من "اطراد العلّة والأثر" وهي تشبه ما نلحظه في دراسة الطبيعة والكيمياء"[8].

ولقد ركزت النظرية السلوكية، التي جاء بهـا بلومفيلد، على دراسة الكلام باعتباره أصواتا دون اعتبار للمعنى حيث إن "اللغة من وجهة نظر التفسير السلوكي استجابات يصدرها المتكلم ردا على مثيرات ما يكفيها حافز البيئة، تأخذ السلوك اللفظي القابل للملاحظة والمعاينة والمباشرة"[9].

من هنا وصف سكينر الطفل "بأنه يولد ذهنه صفحة بيضاء خالية من اللغة تماما، وعندما ينجح في اكتساب عادة اللغة المعقدة التكوين نتيجة التدرب المتواصل الذي يخضع لنظام وتحكم لأن ذلك يمكنه من تعلم عادات لغوية أخرى"[10].

تستبعد النظرية السلوكية توظيف النشاط العقلي تماما، باعتباره أمرا غير ملموس، لا يمكن تحديده أو الإشارة إليه، ومن هذا المنطلق تعتبر الكلام مجرد نشاط حركي فحسب[11].

ومن الدعائم الأساسية لعملية التعلم:

= السلوك، وهو كل يصدره الإنسان من أفعال وأقوال وما يصدر عنه من تصرفات في مواقف متعددة إلى جانب انفعالات وعواطف وأفكار واتجاهات.

= الممارسة، وهي تشكل نقطة مهمة في عملية التعلم لا يمكن الاستغناء عنها، فالخبرة أساس اكتساب المعلومات والمهارات والاتجاهات تتحقق بعمليات التكرار والتدريب والتمارين المقصودة التي من شأنها تحقيق الهدف التعليمي[12]>

= الفهم، وهو أكثر العوامل أهمية وضرورة لتحقيق التعليمية، وقد عرفه علماء النفس بأنه العامل الأساسي لهذه العملية، ولكنه لا يتحقق إلا إذا توفر التجانس في النظام التواصلي بين (المعلم والمتعلم).

= النضج: إن النضج عملية تحدث بطريقة غير إرادية، فالنضج هو درجة نمو معينة في بعض الأجهزة الداخلية في الكائن الحي وهذه الأجهزة تعتبر مسؤولة عن نمط استجابي معين لتحقيق وظيفة معينة لدى الكائن الحي؛ والكائن الحي لا يستطيع القيام بهذه الوظيفة إلا إذا وصل الجهاز الخاص على مستوى معين من النمو، وهذا المستوى هو الذي يطلق عليه النضج[13]. إن لعامل النضج أهمية كبيرة في تحديد أنماط السلوك فكلما كان الكائن العضوي أكثر نضجا أحرز مقدارا أكبر من التعلم وذلك حين تتكافأ العوامل الأخرى المؤثرة في التعلم فتلاميذ المرحلة الإعدادية يستوعبون مفاهيم أكثر وأعمق تجريدا[14].

= الاستعداد: يعتبر شرطا ضروريا لحدوث عملية التعلم، ويتحقق عند اكتمال النضج العقلي والعضوي.

= التكرار: يلعب التكرار دورا مهما في تثبيت الاستجابة، وتأكيد التعلم وبالنسبة للغة وتعليمها أو بالأحرى إكساب المتعلم استخدام اللغة فإن طبيعة اللغة كنظام تواصلي مجرد يحتل التكرار الموجه والمدعم فيها مكانه مهمة لأن أهمية تكرار الممارسة يختلف باختلاف صعوبة الموقف التعليمي ومعناه[15]. كما يهدف إلى ترسيخ المادة المستهدفة، ويساعد على تنشيط الذاكرة العاملة على استيعاب المفاهيم في مواقف مختلفة[16].

تستند العملية التعليمية حسب النظرية السلوكية إلى طرائق انتهجها علماء النفس لتفسير المواقف التعليمية المتعددة وهي:

= التعلم بمثير المنعكس الشرطي: وتنص طريقة بافلوف على أن التعلم يحدث نتيجة وجود مثير يؤدي إلى حدوث استجابة، وسميت بنظرية التعلم الاشتراطي لاشتراط وجود مثير يحدث التعلم عن طريق تكرار التجربة مررا، وهذا ما توصل إليه بافلوف من خلال تجاربه الكيميائية على الكلاب وإفراز اللعاب، في ضوء هذه النظرية يخزن المتعلم الاستجابة ليعيد استثمارها أثنـاء حدوث الموقف ذاته.

= التعلم بالاشتراط الإجرائي: ويتضمن الأفكار الأولية لسكينر. ولذا، ينبغي وضع برنامج لدراسة المظاهر السلوكية وذلك كما يلي[17]:

عرض الكائن إلى مثير معروف؛ وملاحظة ما يظهر من استجابات؛ وتصنيف هذه المظاهر السلوكية بناء على العلاقة بين المثير والاستجابة، لا يهم سكينر سوى الشكل الظاهري الذي يمكننا ملاحظته وإخضاعه للتجربة والاختبار بناء على مظهره ولـيس على آليته الخارجية[18].

يرى سكينر أن ما يفعله الطفل عند تعلمه الكلام يقوم بالتعلم بنفسه، بترسيخ ذلك التعلم، تزداد الاستجابات لدى الطفل بناء على التعزيزات التي يتلقاها من محيطه[19]. ومن هنا يفسر سكينر ظواهر اكتساب اللغة والكلام بواسطة الربط الشرطي بين التجربة والاستجابة، (فالوعي نتاج اجتماعي، لا يوجد في نطاق الإنسان المعزول الوحيد).

= التعلم بالمحـاولة والخطأ:

ينظر ثـورندايك إلى أن التعلم بالمحاولة والخطأ يشكل سبيلا وحيدا لترقية السلوك وتحسينه، واكتساب المهارات الجديدة، وذكر أن التعلم هو عملية إكمال الروابط والدوائر العصبية أو "الوصلات العصبية"[20].

= التعلم بالاستبصار:

يهدف إلى استكشاف العلاقة القائمة بين الوسائل والغايات ويتحقق ذلك متى وصف الحدث التعليمي ثم السعي وراء تحقيق العلاقات التي تكون بنيته وتضبطها ضبطا دقيقا[21].

ومن هنا نكاد نستنبط أن السلوكية جردت الكائن الحي العاقل من الفكر وما السلوكات اللفظية إلا عمليات فيسيولوجية وكيميائية، تبنت في ذلك نتائج بافلوف في الاشتراط السلوكي[22]. ينعتها أصحابها بنظرية التعلم الشرطي، وتقوم على أسـاس القـدرات والقـابليات والمهارات التي يمتلكها الطفل للتواصل مع الغير عن طريق وسائل الإقناع وعوامل الإغراء وفق ما ينص عليه الدعم الإجرائي للاتجاه السـلوكي كأسـاس لقيـام العـلاقات بين الحـوافز والاستجابات[23].

يعد يونارد بلومفيد أشهر من سار في الاتجاه النفسي والسلوكي وربطه باللغة، بوصفها أنها مثيرات لاستجابات أو استجابات لمثيرات وفيه يسوق مثاله الشهير تجربة "جاك وجيل".

لقد بالغ علماء اللغة البنيويون في اتجاههم الشكلي على الجانب السلوكي في الظاهرة اللغوية في طرح المعنى من ظاهرة الوصف اللساني وفي التركيز على البنى السطحية إلى تجاوز الجوانب الإدراكية في الظاهرة اللغوية كونها تتجه اتجاها سلوكيا، تنظر إلى اللغة بوصفها مجموعة من العادات السلوكية التي ترتبط بوظائف معينة، وتهمل الجانب الإدراكي "العقلي".

فسر بافلوف أثر فعل المنعكس الشرطي في استثارة العمليات العصبية الفيسيولوجية التي تحتل" الاستثارة "مركزا هاما في نظريات التعلم، فتلك الوصلات العصبية، تمر بتغيرات فسيولوجية تصاحب حدوث التعلم.

=2= النـظرية المـعرفية:

ظهرت في النصف الأول من القرن العشرين كاحتجاج على النظريات السلوكية، إذ تركز اهتمامها على سيكولوجية التفكير ومشاكل المعرفة والإدراك، وترى أن الاكتساب يتم بطريقة إبداعية، وظهرت كرد فعل على النظريات السيكولوجية في مجال اكتساب اللغة، وتركز اهتمامها على سيكولوجية التفكير ومشاكل المعرفة والإدراك.

يرى أنصار المذهب العقلي، ومنهم تشومسكي الذي استوحى منبعه وأصوله المعرفية من ديكارت، أن اكتساب اللغة ليست مجرد ردود فعل لمثيرات بل تتعداها إلى ملكة فطرية تمكن الطفل المستمع من توليد عدد غير متناه من الجمل والتراكيب قياسا على الأنماط المسموعة، فيولد الطفل ولديه استعداد وقابلية التلقي للمعلومات التي تساعده على التقليد بفضل عمليات التفكير والاستنباط لما يسمعه.

يمثل الاتجاه المعرفي أهم الاتجاهات الحديثة في علم النفس، ويتفرع هذا الاتجاه إلى اتجاهين:

الاتجاه العقلاني والاتجاه الفطري. الأول من رواده بياجيه، وبرونر وجانييه[24]. ويميز بياجيه بين الكفاية اللغوية والأداء الكلامي، فالأداء في صورة ملفوظات منطوقة قبل أن تقع في حصيلة الطفل اللغوية يمكن أن تنشأ عن طريق التقليد بيد أن الكفاية اللغوية لا تكتسب إلا بناء على تنظيمات داخلية ثم يعاد تنظيمها[25].

انطلق الاتجاه العقلاني والديكارتي من منهج استبطاني "استنباطي" ينبع من حدس لغوي يفترض القاعدة ويبحث عن تطبيقاتـه في اللغات الإنسانية وبعد أن يقدم الوصف الكافي يفسر ويعلل بتعليلات لغوية و يصوغها في قوانين رياضية تحكم العنصر والقاعدة اللغوية لينطلق من هذا الوصف فيعممه على اللغات الأخرى[26].

ومن هنا ارتبطت المدرسة التوليدية التحويلية بعلم النفس المعرفي التي تزعمها العالم اللغوي تشومسكي، وتقوم على أسس واضحة تستند إلى المنطق الرياضي والتفكير العلمي المنظم.

ومن أهم هذه الأسس النحو الكلي، ومؤداه أن الإنسان لا يكتسب اللغة وفق المنظور الآلي للمثير والاستجابة بل يولد وهو يمتلك آلية ذهنية ترتبط ببنيته العقلية، وهذه الآلية تجعله قادرا على اكتساب اللغة دونما التقليد والمحاكاة، وتتخلل هذه الملكة الفطرية المكون البيولوجي الحيوي للإنسان الذي يجعله يتميز عن غيره من الكائنات الحية.

اهتمت المدرسة التوليدية بدراسة الجوانب الخفية للكائن البشري ولاسيما عملية الاكتساب اللغوي سميت الكفاية اللغوية، ذلك النظام اللغوي المجرد الذي يمتلكه الإنسان، وهو نظام كامل يتحكم في السلوك المتحقق يتجسد في تحقيقات ملموسة تتمثل في الأداءات الكلامية الواقعية تولدها باستخدام النظام اللغوي الذي يمثل الكفاية.

أعادت هذه المدرسة الاعتبار للمنطق بوصفه جزءا من الظاهرة اللغوية والإدراكية لا بوصفه أشكالا في الوصف اللغوي.

وتسعى النظرية التوليدية التحويلية إلى وصف جميع لغات العالم من خلال بحثها في النحو الكلي الذي يحتل مبادئ رياضية تتصل بآليات التفكير عند الإنسان.

من ناحية ثانية، رسم الاتجاه العقلي أبعاد التحليل الدلالي ورؤية العلاقة الجدلية بين اللفظ والمعنى وخلق مستويات للعمق الإجرائي التوليدي ترسخ أو تطفوا من خلال انتظامها وتشكيلها داخل السياق اللغوي.

وتقوم النظرية المعرفية على ثلاثة دعائم: عموميات الفطرة؛ والتحديد المادي للغة؛ وفرضيات سطحية وجوهرية.

وتركز هذه الأواصر على توكيد القدرة الاستيعابية، تجعل الأطفال يمتلكون نماذج التركيبات اللغوية ومن ثم يخضعون إلى تحليلات وتوليدات متعددة تنتج ضروبا لغوية سيقت بالسماع[27].

وفي ضوء ما ذكر آنفا ندرك أن النظرية التشومسكية من بين النظريات الـتي تدخل ضمن نطاق اللسانيات النفسية عندما فرق بين "المعرفة اللغوية" و"الإنجاز" مما دفعه إلى القول: إن اللسانيات الحديثة يجب أن تدرس ضمن علم النفس الإدراكـي، لأنها تتـناول بالوصف "معرفة لغوية" وليس "نظام مجرد من المفاهيم والمعاني".

وترتكز الدراسة العلمية للسلوك اللغوي عـلى التحليل النفسي للسلوك، مراعية الوسط المدرسي.

وما دام انشغال اللسانيات النفسية البحث عن الدراسات السيكولوجية للواقع اللغوي كسلوك فيزيولوجي، ارتأت اللسانيات أن تتبع آليات استراتيجية السلوك اللغـوي بنوعـيه السوي وغير السوي داخل المؤسسة التربوية من خلال ارتباطها بعلوم التربية رجاء تكييف بيئة التعلم الفعال للعملية التعليمية التعلمية، استنادا إلى ما توصلت إلية نظريات التعلم بطرائق ووسائل تعليمية تحقق عملية التواصل والتفاعل الصفي داخل القسم العام أو الخاص ولهذا الأخير أسس وضوابط أكثر دقيقة وحساسة.

ويعتبر علم النفس التربوي أحد المجالات التطبيقية لعلم النفس؛ فهو يهدف إلى الاستفادة من كل ما توصلت إليه فروع علم النفس من نتائج، في مجال التربية، من خلال الاستعانة بنظريات التعلم والتعليم، التي يتلقاها الطلاب في المواقف المدرسية، وبالنظر إلى تعريف علم النفس التربوي في إطار الاسم، الذي ينقسم إلى التربية وعلم النفس.

أولا التربية، وهي الدراسة العلمية المنظمة للمؤسسات التربوية، التي تشمل المناهج وطرق التدريس، والعوامل الفيزيقية في داخل المدرسة. وثانيّا: هو علم النفس، وهو الدراسة العلمية المنظمة للسلوك الإنساني. ولذا يعرف علم النفس التربوي: بأنه "الدراسة العلمية للسلوك الإنساني، الذي يصدر خلال العمليات التربوية"؛ فهو الدراسة العلمية التطبيقية لسلوك الأفراد داخل المدرسة والمؤسسات التربوية.

توصف التعليمية بأنها وسيلة إجرائية، لتنمية قدرات التعلم قصد اكتساب المهارات اللغوية واستعمالها بكيفية وظيفية تقتضي الإفادة المتواصلة من التجارب والخبرات العلمية التي لها صلة مباشرة وملازمة في ذاتها بالجوانب الفكرية والعضوية والنفسية والاجتماعية للأداء الفعلي للكلام عند الإنسان.

وتستند أي محاولة لتعليم اللغات إلى وصف دقيق لبنية اللغة الهدف وطرائق تركيبها أو قواعدها الصوتية ومفرداتها المعجمية التي تعتمدها في ضبطها الداخلي لنظام اللغة.

وتعليمية اللـّغات ميدان تـتجسّد فيه ثمرة تكامل وتعاون جهود الإنسان في كثير من المجالات المعرفيّة باختلاف اتّجاهاتها وتخصّصاتها، فطبيعة الموضـوع الذي تعالجه وهو كيفيّة تعليم وتعلّم اللّغة يتطلب منها هذا الارتباط الوثيق بينـها وبين حقول معرفية مختلفة، ولذا فالمشتغل في حقل التّعليمية، لا يكتفي بمعطيات حقل معرفيّ دون آخر فلكلّ ميدانه الخاصّ به، فإذا كان اللّسانيّ يتناول البنى اللغـويّة التي بنيت عليها الألسنة البشرية ويبحث في وظائفها وكيفية أدائها لها، فلا يمكننا أن نطمئن إليه لكي يمدّنا بنظرية متكاملة في كيفية اكتساب اللغة البشرية وتعّلمها؛ والأمر نفسه بالنسبة للبيداغوجي أو عالم النّفس، فهو الآخر وإن كان يهتم بظاهرة اكتساب اللّغة، لا يمكنه أن يفيدنا في التّعرف على أسرار البنى اللّغوية، لأنّ ذلك من اختصاص اللّسانيّات وحدها "وهذا دليل واضح على أنّ البحث الجماعي المتفاعل الممنهج هو الذي يكفل في هذه الميادين التّطبيقيّة (المتداخلة)- النتائج الإيجابية والحلول الناجعة[28].

والسّؤال الأساس الذي يمسّ صميم عمل تعليميّة اللّـغات، هو كيف يمكن تحويل المعـرفة اللّسانيّة ذات الطّابع العلمي المجرّد إلى مبادئ عملية إجرائية يمكن الاستفادة منها في الميدان التّربوي؟ ثمّ كيف تتمّ عمليّة تكييف محتوى المادة اللّغويّة لتنسجم مع الطرق التّربوية وتستجيب لحاجيّات المتعلم اللّغوية؟

= = = = =

الهوامش

1= مازن الوعر: قضايا أساسية في علم اللسانيات الحديث، دار طلاس، ط 1، 1988، ص 13.

2= عاطف مدكور: علم اللغة بين التراث والمعاصرة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، 1987، ص 71.

3= المرجع نفسه، ص 72-71.

4= Peter Stockwell (ed), Language and linguistics the key concepts, Routledge: New York, 2nd Ed, 2007, p. 21.

5= Alan Davies and Catherine Elder, The Handbook of Applied Linguistics, Blackwell Publishing Ltd ,2004, Oxford OX4 1JF, UK, p. 3.

6= Alan Davies and Catherine Elder, The Handbook of Applied Linguistics, op.cit, p. 4.

7= أحمد حساني: دراسات في اللسانيات التطبيقية، ص 90.

8= عبده الراجحي: النحو العربي والدرس الحديث، دار النهضة العربية، بيروت، دط، 1979، ص 40.

9= أحمد حساني: دراسات في اللسانيات التطبيقية، ص 91.

10= عبد المجيد سيد منصور :علم اللغة النفسي، جامعة الملك سعود، الرياض، عمادة شؤون المكتبات، 1982، ص 135.

11= صالح بلعيد: دروس في اللسانيات التطبيقية، ص 25.

12 = محمد وطاس: أهمية الوسائل التعليمية في عملية التعلم، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1988، ص 21.

13 = سيد محمد خير الله وممدوح عبد المنعم الكيناني، سيكولوجية التعلم بين النظرية و التطبيق، ص 73.

14= المرجع السابق، ص 76.

15= سيد محمد خير الله وممدوح عبد المنعم الكيناني: سيكولوجية التعلم بين النظرية و التطبيق، ص 131.

16= محمد وطاس: أهمية الوسائل التعليمية في عملية التعلم، ص 31.

17= أحمد حساني: دراسات في اللسانيات التطبيقية، ص 59.

18= فاخر عاقل: مدارس علم الـنفس، دار العلم للملايين، ص 137

19= محمود سليمان ياقوت: منهج البحث اللغوي، دار المعرفة الجامعية، جامعة الكويت، 2000، ط 1، ص 166-167.

20= المرجع السابق، ص 137.

21= أحمد حساني: دراسات في اللسانيات التطبيقية، ص 64.

22= الطيب المرغيتي: "مقارنة بين النظرية السلوكية والنظرية الفطرية"، مجلة آفاق تربوية، الدر البيضاء، 1998، مطبعة النجاح الجديد العدد 12، ص 19.

23= عبد القادر عبد الجليل: الأصوات اللغوية، دار صفاء للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 1998، ص 318.

24= وليد العناني: اللسانيات التطبيقية وتعليم اللغات، ص 27.

25= أحمد حساني: دراسات في اللسانيات التطبيقية،(حقل تعليمية اللغات)، ص 96.

26= المرجع السابق، ص 27.

27= عبد القادر عبد الجليل: الأصوات اللغوية، دار صفاء للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 1998، ص 318-319.

28= R. Galissonet D.Coste, Dictionnaire de didactique des langues, Paris, 1976, p150-152.

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3226064

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC