هدى أبو غنيمة - الأردن

موسم الحوريات ...

التواصل بين العمل الأدبي والذوق الجماهيري في رواية "موسم الحوريات" لجمال ناجي

جمال ناجي: قاص وروائي أردني. شغل منصب رئيس رابطة الكتاب الأردنيين (2001-2003). أدرجت روايته "عندما تشيخ الذئاب" ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية عام 2010.

هدى أبو غنيمةيتراكم الإنتاج الأدبي الروائي في العالم العربي كما وكيفا، ممثلا مفارقة بين هزيمة الواقع السياسي والاجتماعي، وازدهار الرواية لكونها الجنس الأدبي المرن والقادر على احتواء أجناس أدبية متنوعة، وهي المواجهة الإبداعية لنقائض المجتمعات العربية، التي لاتزال مقترنة بتخلف التعصب والتسلط والاستبداد.

اعتبرت رواية موسم الحوريات لجمال ناجي رواية الموسم لاتصالها الوثيق بالواقع الحي والاقتتال الطائفي وتداعيات (الربيع العربي) وظواهر الإسلام السياسي. جاءت الرواية في 286 صفحة، وتجري أحداثها في أماكن متعددة: الأردن وفرنسا وسورية العراق وأفغانستان والهند.

تبدو الرواية بالتلقي الأول رواية مشوقة تستأثر بانتباه القارئ من الصفحات الأولى وحتى الأخيرة، لكنها بتقنيتها الفنية المتميزة بتعد د الأصوات والاقتصاد في اللغو والثرثرة والابتعاد عن شعرنة اللغة، تبث رسائل مضمرة إلى وعي القارئ ليجد نفسه متورطا في ما يحدث حوله، وجزءا من شبكة العلاقات التي يتحكم بها النفوذ والمال والمصالح الفردية التي تحرك الأحداث والشخوص بخيوط غير مرئية.

تنشئ الرواية تواصلا مقبولا بين العمل الأدبي، والذوق الجماهيري السائد عبر الحوار المزدوج مع الأدب من جهة، والحياة ذاتها من جهة أخرى.

ملخص الرواية:

تفتتح الرواية بوصف ساري أبو أمينة مدير أعمال الباشا فواز الشرداح ورجل العلاقات المشبوهة، لمشهد الحفلة الباذخة التي كلف بإعدادها بمناسبة بلوغ الباشا الستين من عمره ذات مساء حزيراني حار.

والإشارة إلى الطقس الروائي بهذه العبارة تبث إشارة تومئ إلى ما سيليها من أحداث إذ لم يخطر في بال ساري أبو أمينة أن المفاجآت التي أعدها، ستؤدي إلى المفارقات والأعاجيب التي حدثت بعدها.

تتصدر مشهد الحفل مظاهر الأناقة المترفة، التي تبرز فيها نافورة المياه تعتليها ثلة من الحوريات ذوات الأجساد الكريستالية، يسكبن المياه بأكفهن الشفافة في الحوض المائي الواسع وسط الحديقة ذات الممرات العشبية المحاطة بالأفاريز الحديدية المجدولة المرصعة بالنجوم النحاسية، وقضبان الرماح المسننة الصاعدة.

هذه الصورة تخلق توازيا فنيا مع حلم الحوريات الذي يراود أذهان الشباب المتطرف في واقع أزمة الأفق المسدود سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.

يحدثنا ساري عن مفاجأة الحفل التي أعدها، وهي العرافة المغربية عروب التي أنبأت فواز الشرداح بأنه سيواجه عاما صعبا، لأن مقتله سيكون على يدي ابن له لا يعرف مكانه، رغم أن الباشا ليس له أبناء، لنكتشف من خلال تعرية الكاتب لشبكة العلاقات السرية في المجتمع أن الطمأنينة السلالية للباشا، التي أتاحت له فرصة بلوغ الستين من عمره بلا منغصات تكد ر عيشه، أو استقرار زواجه على مدى ثلاثة وثلاثين عاما مع زوجته السيدة سماح، تمثل مفارقة مع الأحداث التراجيدية التي تحمل ظلالا من التراجيديا اليونانية "أوديب" لسوفوكليس.

وأوديب هو الابن الذي قتل أباه، وهو لا يعلم بأبوته. يستدعي ظلال تراجيديا أوديب، اكتشافنا أن للباشا ابنا لا يعلم بوجوده من موظفة طباعة كانت تعمل في إحدى الشركات التي ساهم فيها، فأقام معها علاقة غير مشروعة، كان ثمرتها ابنا ما إن بلغ العشرين من عمره حتى التحق بأسواق الجهاد المفتوحة في أفغانستان والعراق وسورية.

يضطرب استقرار فواز النفسي إثر نبوءة العرافة، وينكشف المسكوت عنه في مسيرة حياته، فيزين له نفوذه أنه قادر على التحكم بمسار القدر، ويذهب إلى الهند مع مدير أعماله للقاء الحكيم هارشا كبير العرافين والسحرة عله يعثر على حل لنبوءة العرافة، فيفاجأ بجواب الحكيم:

"الباشا من بلاد يتكثف فيها نشاط السماء، وحيث يكون نشاط السماء كثيفا، فإن التدخل في القدر يصير مستحيلا، لوجود قوة كونية خارج نطاق الزمان والمكان".

لذلك يكلف فواز مدير أعماله ساري ليجند أحد المتطرفين المفرج عنه في مهمة العثور على ابنه وقتله، لتنتهي الرواية بإصابة الباشا ومدير أعماله في حادث سيارة مفخخة.

جمال ناجييتميز الكاتب جمال ناجي بتعدد الأصوات والتركيز على المسكوت عنه في المجتمع وشخوصه شركاء في صنع الأحداث وليسوا شهودا، سواء أكانوا رئيسيين أو ثانويين. وقد سبق أن اتبع هذه التقنية في رواية "عندما تشيخ الذئاب".

لكن هذه الشخوص دوما تحركها خيوط غير مرئية تملكها القوى الاجتماعية المتسلطة والمتنفذة.

لما كان الاهتمام بالقارئ في جوهر تحديث التفكير النقدي، "فإن نظرية التلقي تقسم القراء إلى صنفين: القارئ المفترض، والقارئ الحقيقي. القارئ المفترض هو من اختراع الناقد، ولا يعدو أن يكون هو المثال الذي يحتذى في مقاربة النص، والصنف الثاني يعنى بالقارئ الحقيقي ممن يقتنون النص ويقرأونه، ثم يخرج النص والنقد معا إلى فضاء الثقافة بعامة الفكر والتاريخ والمجتمع (والإناسة الأنثروبولوجيا وعلم النفس وغيرها"[1].

يقيم النص تواصلا مع القارئ من خلال تسليط الضوء على الدوافع النفسية، وحالة الاغتراب التي أدت إلى التطرف والالتحاق بأسواق الجهاد، فيورد على لسان الممرض ضرار الغوري الذي جنده مدير أعمال الباشا لمهمة البحث عن ابنه بوحا لزميله في التنظيم أبي حذيفة قائلا:

"ليس لي غير الجهاد منفذ ومخرج من غربتي التي أعيشها، بعد أن غادرت الزنزانة. غربة بين والدي وإخوتي وأصحابي وجيراني ومعارفي كلهم ينظرون لي بازدراء، ويجافونني ويعيرونني بقلة العمل كما لو أني وباء عميم" (الرواية ص 141).

لعل أبرز الأسئلة التي يثيرها النص في ذهن المتلقي وهو يصور أجواء اللائذين بالطبقات السحيقة من الماضي هربا من واقع مهزوم وأفق مسدود وبحثا عن حلم الخلافة الذهبي من يصنع الإرهاب الدين أم السياسة؟

في رد على لسان أبي حذيفة، أحد الذين لازموا ضرارا الغوري:

"لقد أنست لذلك الممرض، الذي كان قريبا من قلبي. حدثني ضرار عن قريته في غور الأردن قال: إنها تبعد عن النهر بضعة كيلو مترات، ويمكن لمن يريد الذهاب إلى النهر أن يبلغه سيرا على الأقدام، ولقد عجبت لما قال فلماذا لا يتم فتح باب الجهاد هناك ما دام الأمر على هذا النحو من اليسر؟" (الرواية ص 171).

رغم التقنية الفنية المتميزة في الرواية وتماسكها، إلا أن مبالغة الكاتب في المفاجأة قد أخل بهذا التماسك، فقد اكتشفنا في النهاية، أن الذي أوعز إلى مدير أعمال الباشا بحفل العيد ودعوة العرافة هو والد السيدة سماح زوجة الباشا، وهو الذي بيده خيوط المشهد الذي أدت تداعياته إلى حادث السيارة المفخخة، كذلك الأجواء المحيطة بالحكيم هارشا، وحديثه لم تضف إلى الرواية معرفيا إلا المبالغة في التشويق والإبهار.

أترى هل سينتج عن هذا الإنتاج الروائي العربي الغزير التراكمي رؤى نقدية لها مصطلحاتها الخاصة المعرفية أم أنها تختمر وتولد في ظل أكثر المراحل سوادا في تاريخنا العربي الحديث؟

= = = = =

(1) انظر بحث د. عبد الله أبو هيف أستاذ علوم اللغة والبلاغة والنقد في جامعة تشرين اللاذقية – سورية. نظرية التلقي في النقد الأدبي الحديث ص 392 في كتاب تحولات الخطاب النقدي العربي المعاصر أبحاث مؤتمر النقد الدولي الحادي عشر 2006 لمؤتمر قسم اللغة العربية جامعة اليرموك. منشورات عالم الكتب الحديث، إربد: الأردن.

غلاف رواية موسم الحوريات


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3105817

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC