ربا الناصر - الأردن

بـعـثـرة ورق


يسقط نور الشمس على ذلك البيت، يضيء جميع أركانه، موقظا جميع من فيه، ابتداء بالقطة الصغيرة وانتهاء بالأستاذ سامي، معلم اللغة العربية في المدرسة الثانوية للبنين. استيقظ سامي من نومه بتثاقل يشوبه النعاس ووقف أمام المرآة يتفرس ملامح وجهه التي بدت شاحبة بعض الشيء. توجه بعدها نحو المطبخ ليعد كوبا من الشاي ووضع وعاء الحليب لقطته الصغيرة، متأملا إياها وهي تلعق الحليب بلسانها الصغير كالأب الحاني على أولاده، لكنه مع تمام الساعة السادسة كان على عتبة الباب، يخلف من ورائه قصص وتجارب من الحياة دفينة بين جدران الصمت التي يعيش في غياهبها هذا الأستاذ المسكين.

وصل إلى المحطة وقد كانت تعج بالحافلات ودبيب أقدام المارة، شاقا طريقه فيها وسط أصوات الباعة العالية. حتى الحافلة التي استقلها لم تسلم من رائحة الكعك الساخن الذي يحمله بعض الركاب ليتناولوه إفطارا لهم. كانت عقارب الساعة توشك أن تصل السادسة والربع حتى بدأت الحافلة بالتحرك قدما نحو المدرسة. وهناك أمضى يوما كاملا في إعطاء حصصه في النحو والصرف، والجلوس وسط أكوام من الدفاتر والأوراق.

وفي المساء، رجع إلى بيته والتعب يلفه كما تلف الشرنقة نفسها، حتى القطة كانت تغط في نوم عميق. وضع حقيبته جانبا وتوجه نحو غرفته، ملقيا بقده الصغير على سريره يحاول الاسترخاء بينما يجول ببصره في جميع أركان غرفته، حتى غلبه النعاس ونام ملأ جفنيه.

استيقظ بعدها سامي على دقات ساعة المنبه. وقد كانت كالصدى وسط جدرانه الصامتة...الصامتة منذ وقت طويل. كانت الغرفة معتمة، يجليها ضوء القمر. أضاء مصباحا إلى جانب سريره ثم نهض عنه وأحضر أوراقه المبعثرة، يريد ترتيبها حتى زلت منه ورقة ووقعت على الأرض، أمسكها بأنامله الرفيعة، وقرأ سطورها المرصوصة -كانت مصفرة بعض الشيء- لكنها كانت تلك الريشة التي عزفت على وتر قلبه نغمة قديمة ،لكنها كفيلة بإحياء قصة تزلزلت أحداثها في كيانه .

زوجي العزيز سامي، أبعث إليك أرق تحية من بلد الصمود، وبلد التحدي، من فلسطين الأبية، اليوم هو عيد الأمة، وعيد التقاء الأحبة، ويوم ظهور شمس الحرية فوق جبين شعب لم يعرف الاستسلام. اليوم سنذهب أنا والصغار إلى الوادي كما اعتدنا في كل عيد، نتناول الغداء ونستلقي على العشب ثم سنذهب إلى بيت الجدة. نمضي بقية اليوم عندها. إن العدو يضيق الحصار علينا ولا يسمح لنا بحرية التحرك والأمور تتصعد أكثر وأكثر في كل يوم. جميعنا بخير لكن دفء وجودك ينقصنا، نحاول إشغال أنفسنا عنك لكننا لا نفلح، فأنت دائما في قلوبنا. زوجتك المحب صفاء.

كانت هذه آخر رسالة تلقاها من زوجته قبل اغتيالها من قبل رصاص العدو، ليصبح وحيدا بعدها، يمضي بقية عمره في تعليم أجيال عدهم أولاده الذين لم يتسن له رؤيتهم.

دس الرسالة في جيبه وأكمل لملمة ورقه المبعثر، كأنه يريد إعادة ترتيب حياته من جديد، وسط أحداث قد تكون رتيبة، لكن قلبه الحب للحياة سينبض من جديد ويبدد صمت الجدران المطبق.

كانت عقارب الساعة تشير إلى الثامنة مساء. توجه نحو المطبخ ووضع بعض الحليب لقطته، مخاطبا إياها: "لقد كان اليوم متعبا ومنكئا لجروح من الماضي، لكنّ في قلب كل شتاء ربيعا يختلج، أليس كذلك يا صفاء؟"

نظرت إليه القطة وهزت ذيلها الأبيض بسعادة، مكملة شربها لحليبها وهو ينظر إليها مبتسما. وقد أمضى بقية الليل مبتسما.

D 1 كانون الثاني (يناير) 2008     A ربا الناصر     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  الكتلة التاريخية: من سقوط النخب إلى صحوة الشباب

2.  عن مبدعة الغلاف

3.  بدء مسابقة الطيب صالح

4.  محمد التميمي: دكتوراه

5.  عطر الفردوس من الشّام


القائمة البريدية